بقلم: الباز عبدالإله
اختار محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ووزير الشباب والثقافة والتواصل، أن يدخل أجواء الاستحقاقات الانتخابية من بوابة الاعتراف بأزمة الغلاء، مؤكداً أن أزمات وطنية ودولية مست جيوب غالبية المغاربة، وأن دور الأحزاب السياسية لا يقتصر على توصيف الأزمات أو الاختباء خلفها، بل يقوم أساساً على تقديم الحلول.
وقال بنسعيد، خلال لقاء حزبي بمدينة برشيد، إن البرنامج الانتخابي الذي سيعرضه حزب الأصالة والمعاصرة خلال مجلسه الوطني المقبل سيضع دعم القدرة الشرائية في صدارة أولوياته، داعياً مناضلي الحزب إلى إقناع المواطنين بالتصويت بناءً على برنامج يقدم بديلاً وأملاً حقيقيين، لا على أساس الأشخاص وحدهم.
غير أن هذا الخطاب يضع بنسعيد وحزبه أمام سؤال سياسي يصعب تجاوزه: هل يمكن تقديم «البام» باعتباره بديلاً عن أزمة شارك بنفسه في تدبيرها من داخل الحكومة؟
فحزب الأصالة والمعاصرة لم يكن خلال الولاية الحكومية الحالية في المعارضة، ولم يكتف بمراقبة السياسات العمومية من خارج القرار، بل كان أحد المكونات الأساسية للأغلبية، وتولى وزراؤه تدبير قطاعات وازنة وحساسة.
لذلك، لا يمكن للحزب أن ينسب إلى نفسه ما يعتبره إنجازات حكومية، مثل برنامج دعم السكن أو اعتماد العقوبات البديلة، ثم يتعامل مع الغلاء وتراجع القدرة الشرائية والاحتقان الاجتماعي باعتبارها نتائج أزمات خارجية لا صلة له بها.
المسؤولية السياسية لا تقبل التجزئة.
ومن يعرض حصيلة المشاركة في الحكومة باعتبارها تجربة حملت جوانب إيجابية، مطالب أيضاً بتحمل نصيبه من سلبياتها، خصوصاً أن بنسعيد نفسه أقر بأن تجربة الحزب داخل الأغلبية كانت لها إيجابيات وسلبيات.
لكن امتحان بنسعيد لا يتوقف عند حصيلة الحكومة أو أزمة الأسعار.
فالرجل يشرف منذ سنوات على وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وهي الوزارة التي يفترض أن تكون من أكثر المؤسسات قرباً من الشباب والمبدعين، والأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة بين الأجيال الجديدة والعمل السياسي.
ومع ذلك، يجد بنسعيد نفسه مطالباً بإقناع جيل Z بالتصويت والثقة في الأحزاب، في الوقت الذي يسمع فيه هذا الجيل داخل البرلمان اتهامات وأسئلة ثقيلة بشأن تدبير الدعم السينمائي والبرامج الثقافية والصفقات العمومية التابعة لقطاعه.
وخلال جلسة للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، واجه النائب البرلماني عبد الصمد حيكر وزير الشباب والثقافة والتواصل بانتقادات حادة بشأن ما وصفه بـ«التفرقيش» في الدعم الموجه إلى القطاع السينمائي.
وأوضح حيكر أن انتقاداته لا تستهدف الفنانين والمبدعين، بل طريقة تدبير المال العمومي، متحدثاً عن استفادة دائرة محدودة من منظومة الدعم، ومثيراً أسئلة بشأن علاقة أحد أعضاء ديوان الوزير بمجال الأعمال، ومدى تأثيره داخل محيط المركز السينمائي المغربي.
كما طرح البرلماني أسئلة بشأن رئاسة لجنة دعم الإنتاج السينمائي، والمعايير المعتمدة في اختيار أعضائها، إضافة إلى برنامج «نوستالجيا»، والشركة التي تكلفت بتنفيذه، وكلفته المالية، وحصيلته الفعلية ومدى إقبال المواطنين عليه.
وتساءل حيكر أيضاً عن تجهيز بعض المراكز الثقافية بالمعدات السينمائية، مطالباً بالكشف عن الكلفة الإجمالية لهذه العمليات، ومعايير اختيار المراكز المستفيدة، والأثر الذي حققته هذه التجهيزات على أرض الواقع.
ولم تكن هذه الانتقادات البرلمانية الوحيدة التي طالت تدبير وزارة بنسعيد.
فالنائبة البرلمانية سلوى البردعي وجهت بدورها سؤالاً كتابياً إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل بشأن شروط إسناد صفقات مرتبطة بالأنشطة والبرامج الثقافية بجهة طنجة تطوان الحسيمة.
وأثارت البردعي مجموعة من الصفقات المتعلقة ببرامج ثقافية وخدمات للنقل، مشيرة إلى معطيات تفيد باستفادة مقاولتين فقط من عدة صفقات بمبالغ مالية مهمة، مع طرح تساؤلات بشأن احتمال وجود روابط عائلية بين مسيري الشركتين.
وطالبت النائبة بالكشف عن المعايير التي اعتمدتها الوزارة في إسناد هذه الصفقات، ومدى احترام مبادئ المنافسة الحرة والشفافية وتكافؤ الفرص بين الشركات، والإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لمنع تركيز الطلبات العمومية في دائرة محدودة من المستفيدين.
هذه الاتهامات والأسئلة البرلمانية لا تشكل في حد ذاتها أحكاماً نهائية، ولا تثبت وقوع مخالفات قانونية أو مالية، ما لم تؤكدها نتائج افتحاص رسمي أو تحقيق قضائي.
غير أن غياب الإدانة لا يلغي واجب التوضيح.
فحين تثار داخل البرلمان أسئلة بشأن المال العام وتضارب المصالح وتركيز الصفقات والدعم، لا يكون الجواب السياسي الكافي هو الحديث عن التشهير أو استهداف الحزب ووزرائه، بل تقديم الوثائق والمعطيات التي تبدد الشبهات.
بنسعيد قال إن حزب الأصالة والمعاصرة ظل وفياً للرسالة التي تأسس من أجلها، والمتمثلة في خدمة المواطنات والمواطنين بدلاً من خدمة المصالح الخاصة.
غير أن إثبات هذا المبدأ لا يتم داخل التجمعات الحزبية وحدها، بل يبدأ من الوزارة التي يدبرها.
من استفاد من الدعم السينمائي؟
ما المعايير التي اعتمدت لاختيار المشاريع؟
من اختار الشركات المكلفة بتنفيذ البرامج الثقافية؟
كم بلغت الكلفة المالية؟
ما حصيلة هذه البرامج؟
وهل فُتحت المنافسة فعلاً أمام جميع الفاعلين، أم ظلت بعض الصفقات تدور داخل دائرة محدودة؟
هذه هي الأجوبة التي يحتاجها المواطن قبل أن يُطلب منه تجديد الثقة.
وهي أيضاً الأسئلة التي يطرحها جيل Z، الذي لا تكفي لإقناعه دعوات المشاركة السياسية ولا الوعود ببرنامج انتخابي جديد، ما دام يسمع من داخل المؤسسة التشريعية حديثاً عن «التفرقيش» وشبهات تضارب المصالح وتركيز الصفقات، من دون أن يجد أمامه أجوبة مفصلة تنهي الجدل.
الشباب الذين يريد بنسعيد إقناعهم بالتصويت لا ينتظرون خطاباً أبوياً يطلب منهم الثقة، بل مؤسسات تشرح لهم كيف تُصرف الأموال العمومية، ومن يحصل على الدعم، وبأي معايير، وما الذي يستفيده المجتمع من كل مشروع ممول من ميزانية الدولة.
الثقة لا تُبنى بالقول إن السياسة عمل جماعي، بل بإثبات أن المسؤولية أيضاً جماعية، وأن الوزراء مستعدون للدفاع عن حصيلتهم والإجابة عن الأسئلة المحرجة، لا الاكتفاء بتقديم الإنجازات خلال اللقاءات الحزبية.
الامتحان الحقيقي أمام بنسعيد لا يتعلق بقدرته على إعداد برنامج انتخابي جذاب، بل بقدرته على تفسير حصيلة الوزارة التي يدبرها، والرد على الأسئلة التي تحيط بطريقة صرف الدعم والصفقات داخلها.
فكيف يمكن لحزب أن يعد المغاربة بحماية قدرتهم الشرائية، بينما لا تزال طريقة صرف جزء من المال العمومي داخل قطاع يقوده أحد أبرز وزرائه موضع مساءلة برلمانية؟
وكيف يمكن لوزير الشباب أن يطلب من جيل Z الثقة في السياسة، إذا لم يقدم لهذا الجيل أجوبة واضحة عن الأسئلة التي يسمعها بشأن وزارة تحمل اسم الشباب؟
المطلوب ليس إصدار إدانة مسبقة في حق بنسعيد أو مسؤولي وزارته، وإنما نشر الوثائق، وتوضيح المعايير، والكشف عن المستفيدين والكلفة والنتائج.
فالبرامج الانتخابية قد تصنع الوعود، لكن الشفافية وحدها تصنع الثقة.
