بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد رقم المليون جديداً على الخطاب الانتخابي المغربي فقبل خمس سنوات، وضعت الأغلبية الحكومية إحداث مليون منصب شغل صاف ضمن أبرز التزاماتها.
واليوم، عشية انتخابات 23 شتنبر 2026، يعيد حزب التقدم والاشتراكية الرقم نفسه إلى صدارة عرضه السياسي، ضمن حزمة واسعة من الوعود الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية.
لا تكمن المفارقة فقط في تشابه الرقم بين برنامجين ينطلقان من مرجعيتين سياسيتين مختلفتين، بل أيضاً في أن الموقع الرسمي لحزب التقدم والاشتراكية سبق أن نشر تقييماً للحصيلة الحكومية بقلم عبد السلام الصديقي، حملت إحدى فقراته عنوان «أسطورة المليون وظيفة»، وانتقد طريقة احتساب مناصب الشغل المعلن عنها، داعياً إلى اعتماد صافي التشغيل بعد خصم الوظائف المفقودة، خصوصاً في القطاع الفلاحي والوسط القروي.
ينتقل الحزب اليوم من موقع مساءلة «المليون الحكومي» إلى موقع التعهد بمليون جديد.
لا يعني ذلك بالضرورة أن وعد التقدم والاشتراكية مجرد استنساخ لبرنامج حكومة أخنوش.
كما لا ينفي حق الحزب في جعل التشغيل محوراً مركزياً في مشروعه، في ظل استمرار البطالة واتساع هشاشة الشغل، خصوصاً لدى الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
غير أن تبني الرقم نفسه يضع الحزب أمام مسؤولية مضاعفة. فمن انتقد غموض حسابات الحكومة مطالب بأن يقدم للناخب منهجية أكثر وضوحاً وصلابة من تلك التي اعترض عليها.
ما المقصود تحديداً بإحداث مليون منصب شغل صاف؟ هل يتعلق الأمر بالفرق بين مجموع الوظائف المحدثة والمناصب المفقودة في مختلف القطاعات؟ وهل ستدخل الوظائف الموسمية والمؤقتة وبرامج الإدماج ضمن الحصيلة؟ وما المدة الزمنية اللازمة لتحقيق الهدف؟ ثم ما القطاعات والجهات التي يفترض أن تستوعب هذه المناصب؟
هذه ليست تفاصيل تقنية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات، بل هي جوهر الالتزام نفسه.
تملك عبارة «مليون منصب شغل» جاذبية انتخابية واضحة فهي سهلة الحفظ، قوية في الخطاب، وتخاطب بصورة مباشرة قلقاً اجتماعياً واسعاً.
غير أن سهولة تسويق الرقم لا تعني سهولة تحقيقه، كما أن الوصول إليه إحصائياً لا يضمن، في حد ذاته، تحسناً فعلياً في أوضاع المواطنين.
يمكن للاقتصاد أن يحدث آلاف الوظائف، بينما يظل معدل البطالة مرتفعاً نتيجة تزايد الوافدين على سوق الشغل.
ويمكن أن يرتفع عدد المشتغلين، في الوقت الذي تتسع فيه دائرة العمل الهش، والتشغيل الناقص، والعقود المؤقتة، والأجور التي لا تسمح بتغطية تكاليف السكن والعلاج والتعليم والنقل.
وتكشف نتائج البحث الجديد حول القوى العاملة، الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط سنة 2026، أن أزمة سوق الشغل أوسع من مؤشر البطالة في معناه الضيق.
فقد بلغ معدل البطالة 10.8 في المائة خلال الفصل الأول من السنة، لكنه ارتفع إلى 16.6 في المائة عند جمع البطالة بالشغل الناقص المرتبط بساعات العمل، ووصل إلى 22.5 في المائة وفق المقياس الأوسع للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة.
كما أن المنهجية الجديدة لا تسمح بالتعامل مع هذه النتائج باعتبارها امتداداً بسيطاً للسلاسل الإحصائية السابقة، بعدما جرى تحديث تعريفات الشغل والبطالة، وتوسيع قياس أشكال الاستخدام غير الكامل، وتغيير عينة البحث.
ويجعل ذلك أي وعد بإحداث مليون منصب مطالباً بتحديد سنة الانطلاق، ومؤشر القياس، وطريقة احتساب الوظائف المحدثة والمفقودة، والجهة المستقلة التي ستتولى التحقق من النتائج.
من دون هذه الضوابط، يمكن لأي حكومة، في نهاية ولايتها، أن تغير زاوية الحساب، فتحتسب الوظائف المحدثة دون خصم المناصب المفقودة، أو تستبعد قطاعاً عرف تراجعاً، أو تجمع بين العمل الدائم والمؤقت، ثم تعلن أنها اقتربت من الهدف.
الناخب لا يحتاج إلى رقم قابل للتأويل، بل إلى عقد سياسي قابل للقياس والمحاسبة.
يضع حزب التقدم والاشتراكية وعد التشغيل ضمن برنامج أوسع، وهو ما يمنح عرضه مضموناً يتجاوز الرقم المجرد.
فالحزب يقترح مضاعفة عدد العاملين في المستشفى العمومي، وتوظيف 12 ألف إطار تعليمي سنوياً، ورفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم، والحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم شهرياً، إلى جانب فرض ضريبة على الثروات غير المنتجة ومراجعة بعض اتفاقيات التبادل الحر.
تلامس هذه الالتزامات أعطاباً لا تقل خطورة عن البطالة. فالمغربي لا يعاني فقط من غياب العمل، بل قد يشتغل ويظل عاجزاً عن مواجهة كلفة المعيشة، أو يجد نفسه مضطراً إلى تخصيص جزء كبير من دخله للعلاج والتعليم والنقل والسكن.
كما أن إحداث الوظائف في بضعة أقطاب صناعية وحضرية لا يعالج بالضرورة أزمة الجهات التي تفقد شبابها بسبب ضعف الاستثمار والخدمات والفرص.
ولا يمكن فصل التشغيل عن السياسة الصناعية والفلاحية، أو عن توزيع الاستثمار العمومي، أو عن إصلاح الإدارة، أو عن مواجهة الاحتكار والريع وتضارب المصالح.
المشكلة المغربية لا تختزل في عدد المناصب، بل تشمل أيضاً نوعيتها وتوزيعها واستقرارها وقدرتها على تحسين مستوى العيش.
ومن هذه الزاوية، لا يكفي أن يَعِد حزب التقدم والاشتراكية بالمليون، بل يتعين عليه توضيح الكيفية التي سيختلف بها «مليونه» عن المليون الذي انتقده.
هل ستقود الدولة عملية خلق الوظائف مباشرة عبر التوظيف العمومي والمؤسسات العمومية؟ أم سيعتمد المشروع أساساً على القطاع الخاص؟ وما حصة الصناعة والفلاحة والخدمات والاقتصاد الاجتماعي؟ وما نصيب النساء والشباب والعالم القروي؟ وكم وظيفة ستتوفر على عقد قانوني وتغطية اجتماعية وأجر يضمن الحد الأدنى من الاستقرار؟
يبقى التمويل السؤال الأكثر حساسية.
فالحزب يجمع بين توسيع الإنفاق الاجتماعي، ومضاعفة الموارد البشرية في الصحة، وزيادة التوظيف في التعليم، ورفع المعاشات والدعم المباشر، وبين خفض عجز الميزانية وتقليص الدين العمومي.
هذه الأهداف ليست متناقضة بالضرورة، لكنها تحتاج إلى حسابات دقيقة.
فالبرنامج الحكومي لا يقاس فقط بحجم ما يعد بإنفاقه، بل أيضاً بوضوح مصادر تمويله وقدرته على تحقيق التوازن بين الطموح الاجتماعي والاستدامة المالية.
قد توفر الضريبة على الثروات غير المنتجة مورداً إضافياً، غير أن ذلك يستوجب تعريف هذه الثروات، وتحديد الوعاء الضريبي والنسب والعائد المتوقع، ووضع آليات تمنع التهرب وتحويل الأصول.
كما أن مراجعة اتفاقيات التبادل الحر تتطلب تسمية الاتفاقيات والقطاعات المتضررة، وتقدير الآثار الاقتصادية والتجارية والدبلوماسية لأي مراجعة محتملة.
البرنامج الجدي لا يكتفي بتحديد ما يريد إنفاقه، بل يوضح أيضاً من أين سيأتي المال، وما النفقات التي سيعاد ترتيبها، وما الإصلاحات التي ستسمح بتوسيع الموارد دون إثقال الفئات الهشة والطبقة المتوسطة.
لكن القضية الأعمق تظل سياسية.
لقد تحول «مليون منصب شغل» إلى ما يشبه العملة المشتركة داخل السوق الانتخابية.
تتغير الأحزاب، بينما يبقى الرقم حاضراً، ويعاد تقديمه في كل مرة باعتباره بداية جديدة، من دون حسم نهائي في حصيلة الوعود السابقة.
ليس حزب التقدم والاشتراكية مسؤولاً عن حصيلة الحكومة الحالية، لكنه مسؤول عن إثبات أنه لا يعيد إنتاج المنهج الذي ينتقده.
ومن غير المقنع أن ينشر موقع الحزب تقييماً يضع وعد الحكومة تحت عنوان «أسطورة المليون وظيفة»، ثم يقدم الحزب الرقم نفسه من دون إرفاقه منذ البداية بجدول زمني وقطاعي ومجالي ومالي واضح.
الاتساق السياسي لا يفرض على الحزب التخلي عن هدف طموح، بل يفرض عليه تطبيق المعايير نفسها على ذاته وعلى خصومه.
ولا يحتاج المغاربة، قبل الانتخابات المقبلة، إلى منافسة بين الأحزاب حول من يعلن الرقم الأكبر، بل إلى منافسة حول من يقدم الالتزام الأدق، والتمويل الأوضح، وآلية المحاسبة الأكثر صرامة.
لن يستمد المليون الجديد مصداقيته من ضخامته، بل من التفاصيل التي تحيط به، ومن القدرة على إثبات أنه ليس مجرد نسخة أخرى من وعد سابق.
وقبل أن يبدأ السباق نحو «المليون المقبل»، يظل السؤال قائماً:
كيف يمكن إقناع الناخب بوعد جديد، بينما لم يُغلق بعد حساب المليون القديم؟
