بقلم: الباز عبدالإله
قبل أن يطلب فوزي لقجع من المغاربة الوثوق في أن مونديال 2030 سيخلق الثروة وفرص الشغل، عليه أن يتوقف طويلاً عند ما يجري اليوم في الولايات المتحدة.
هناك، داخل أكبر اقتصاد في العالم، وفي مدن تتوفر أصلاً على الملاعب والمطارات والفنادق وشبكات النقل، لم تظهر حتى الآن الطفرة الاقتصادية والتشغيلية التي بشرت بها الدراسات السابقة لانطلاق كأس العالم 2026.
قبل البطولة، قدمت دراسة أعدتها مؤسسة «OpenEconomics» لفائدة الاتحاد الدولي لكرة القدم ومنظمة التجارة العالمية رقماً لامعاً: 185 ألف وظيفة مكافئة لدوام كامل داخل الولايات المتحدة، إلى جانب إضافة تناهز 17.2 مليار دولار إلى الناتج الداخلي الخام.
لكن هذا الرقم لم يكن تعهداً بتوظيف 185 ألف شخص جديد، بل نتيجة نموذج اقتصادي يحتسب الوظائف المباشرة وغير المباشرة والمستحثة، ويحوّل مجموع ساعات العمل إلى ما يعادل وظائف بدوام كامل.
الواقع الأولي جاء أقل بريقاً.
فقد أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي تراجع التشغيل في قطاع الترفيه والضيافة بنحو 61 ألف وظيفة خلال يونيو، وهو الشهر الذي انطلقت فيه البطولة، لتنتهي حصيلة شهري ماي ويونيو بتراجع صافٍ يقارب 21 ألف وظيفة.
ولا تعني هذه الأرقام أن كأس العالم تسببت مباشرة في فقدان الوظائف، كما لا تكفي لإصدار حكم نهائي على الأثر الاقتصادي للبطولة.
لكنها تهز بقوة فكرة جرى تقديمها مراراً باعتبارها حقيقة محسومة: أن المونديال يخلق مناصب الشغل تلقائياً بمجرد وصول المشجعين وامتلاء المدرجات.
حتى الفنادق لم تحقق الانتعاش بالطريقة التي انتظرها كثيرون.
فخلال واحدة من أكثر مراحل البطولة ازدحاماً، ارتفعت إيرادات الغرف في المدن الأمريكية المستضيفة بنسبة 16.7 في المائة، لكن هذا الارتفاع تحقق أساساً بفضل زيادة أسعار الغرف بنحو 21 في المائة، بينما تراجع الطلب بـ2.9 في المائة وانخفض معدل الإشغال بـ2.8 نقطة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
بعبارة أكثر وضوحاً، دخلت أموال إضافية إلى الفنادق لأن الغرفة أصبحت أغلى، لا لأن أعداداً أكبر من السياح نزلت بها.
وقبل انطلاق المنافسات، كان 80 في المائة من مشغلي الفنادق المشاركين في استطلاع شمل مدن الاستضافة قد أكدوا أن الحجوزات تسير دون التوقعات.
وتحدث المهنيون عن تأخر التأشيرات، والتوترات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف السفر والإقامة، وتحرير أجزاء من كتل الغرف التي كانت «فيفا» قد حجزتها سابقاً.
هذا هو الدرس الذي ينبغي أن يصل إلى مكتب فوزي لقجع قبل أن يصل المغرب إلى سنة 2030.
لقجع قال أمام لجنة المالية بمجلس النواب إن المشاريع الكبرى التي تنجزها المملكة استعداداً للمونديال «ستخلق الثروة وتعطينا القيمة المضافة وفرص العمل ونسبة نمو أكبر»، واعتبر كأس العالم «خريطة عمل» تتقاطع داخلها مختلف مظاهر التنمية.
كما شدد على أن كلفة تشييد الملاعب لن تتحملها الميزانية العامة للدولة.
الكلام جذاب، لكنه لا يقدم للمغاربة ما يحتاجونه فعلاً: رقماً قابلاً للقياس، ومنهجية واضحة، وجدولاً يبين عدد الوظائف الصافية والدائمة التي ستُحدث، وكلفة كل منصب، والقطاعات والمقاولات والمناطق التي ستستفيد.
الرقم الأكثر تحديداً قدمته وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، حين أعلنت أن النمذجة الاقتصادية المرتبطة بمونديال 2030 تتوقع خلق أزيد من 100 ألف فرصة شغل سنوياً، إلى جانب تحقيق نمو إضافي يقدر بنحو 1.7 في المائة.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
هل يتعلق الأمر بـ100 ألف وظيفة صافية جديدة كل سنة، أم بوظائف مؤقتة داخل أوراش البناء والتجهيز؟
هل سيستمر تشغيل أصحابها بعد سنة 2030، أم تنتهي عقودهم بانتهاء الأشغال والبطولة؟
هل يحتسب النموذج العمال أنفسهم خلال سنوات متعددة؟
وهل يعتمد مفهوم «الوظيفة المكافئة لدوام كامل»، كما فعلت دراسة «فيفا» في الولايات المتحدة، أم يتحدث عن 100 ألف شخص سيحصلون فعلياً على وظائف جديدة؟
هذه ليست أسئلة تقنية هامشية. إنها الفارق بين سياسة تشغيل حقيقية ورقم ضخم يصلح للخطابات والعروض التقديمية.
صندوق النقد الدولي يقدر الاستثمارات العمومية التي يسرّعها المغرب بين 2024 و2030 في السكك الحديدية والمطارات والطرق والملاعب والبنيات الحضرية والسياحية بنحو 190 مليار درهم، أي ما يعادل 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الخام لسنة 2024.
ولا يمثل هذا المبلغ كله كلفة مباشرة لتنظيم المونديال، لكنه يضم المشاريع التي يجري تسريع إنجازها حتى تكون جاهزة في أفق 2030.
وتستحوذ السكك الحديدية على نحو نصف هذه الحزمة، فيما تمثل المطارات قرابة 20 في المائة، وتشييد وتجديد الملاعب حوالي 19 في المائة، أي ما يقارب خُمس الاستثمارات المعنية.
الأكثر أهمية أن نموذج صندوق النقد يفترض أن 60 في المائة من إنفاق البنيات التحتية سيتجه إلى الواردات، خصوصاً معدات القطارات فائقة السرعة والمطارات، ما يعني أن 40 في المائة فقط من هذه النفقات سيدعم بصورة مباشرة الإنتاج المحلي وفق الفرضيات المعتمدة.
هنا ينبغي أن يتوقف لقجع أمام الرقم، لا أمام المدرجات.
فكلما ارتفعت حصة المعدات والخدمات المستوردة، تقلصت القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد المغربي، وتراجعت قدرة الإنفاق العمومي على خلق فرص شغل محلية، مهما بلغ حجم الفواتير المؤداة.
قد تنجح الدولة في بناء قطار أو مطار أو ملعب بمعايير عالمية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة خلق العدد نفسه من الوظائف المستدامة التي وعد بها الخطاب الرسمي.
أما القول إن كلفة الملاعب لن تتحملها الميزانية العامة للدولة، فلا ينبغي أن يتحول إلى مخرج لغوي لإبعاد النقاش عن طبيعة التمويل.
صندوق النقد يوضح أن المؤسسات والمقاولات العمومية ستتحمل 61 في المائة من الاستثمارات المعنية، فيما ستغطي الجماعات الترابية 27 في المائة، وستمول الميزانية المركزية 12 في المائة.
وتشمل الموارد قروضاً بنكية محلية، وديوناً خارجية، وسندات، وأموالاً ذاتية للمؤسسات العمومية.
إبعاد النفقة عن سطر مباشر داخل الميزانية العامة لا يحولها إلى نفقة خاصة، ولا يخرجها من دائرة المال العمومي.
فالمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تنتمي إلى القطاع العام، وقروضها والتزاماتها ومصاريف صيانتها لا تختفي بمجرد تغيير الجهة التي توقع عقد التمويل.
والتحذير الأخطر يأتي من سيناريو اختبره صندوق النقد نفسه.
فإذا تجاوزت كلفة المشاريع التقديرات الأصلية بـ30 في المائة، يفترض النموذج أن الإنفاق الإضافي لن يؤدي بالضرورة إلى إنتاج أو نمو إضافي مماثل.
بمعنى أكثر مباشرة، قد يدفع المغرب أكثر، ويقترض أكثر، من دون أن يحصل بالضرورة على وظائف أكثر أو قيمة مضافة توازي حجم النفقات.
كما يقدر التقرير الحاجة إلى استثمارات ونفقات سنوية ابتداءً من 2031 لتعويض تآكل الرأسمال وصيانة المنشآت بعد نهاية مرحلة البناء والاستعداد.
المشكلة، إذن، ليست في تنظيم كأس العالم، ولا في تحديث الطرق والمطارات والسكك الحديدية.
هذه أوراش يحتاج إليها المغرب، وكان ينبغي إنجاز عدد منها حتى من دون مونديال.
المشكلة هي تقديم البطولة باعتبارها ضمانة جاهزة للنمو والتشغيل، بينما تكشف التجربة الأمريكية أن الجماهير قد تملأ المدرجات، وترتفع أسعار الفنادق، وتحقق شركات محددة أرباحاً كبيرة، من دون أن تظهر طفرة مماثلة في عدد الوظائف.
على لقجع أن يأخذ العبرة قبل أن تتحول سنة 2030 إلى موعد لعرض المنشآت بدل عرض الحصيلة.
المغاربة لا يحتاجون إلى وعد جديد بأن المونديال «سيخلق الثروة».
يحتاجون إلى نشر الدراسة التي أنتجت رقم 100 ألف وظيفة، وكشف المنهجية التي اعتمدتها، وتعريف الوظيفة المحتسبة، ومدتها، وكلفتها، وحصة المقاولات المغربية منها، ونسبة المكونات المستوردة، وأثر التمويل في المديونية، وكلفة تشغيل الملاعب وصيانتها بعد انتهاء البطولة.
لأن المونديال الحقيقي لا يقاس بعدد الكراسي التي ستلمع أمام كاميرات العالم، ولا بحجم الصور التي ستنشرها «فيفا»، بل بعدد المغاربة الذين سيجدون عملاً مستقراً عندما تنطفئ الأضواء ويغادر المشجعون.
أما أن ينفق المغرب عشرات المليارات، ثم يكتشف بعد صافرة النهاية أن الوظائف كانت مؤقتة، وأن الأرباح تركزت لدى فئات محدودة، وأن المنشآت بقيت في حاجة إلى مزيد من المال، فذلك لن يكون مشروع تنمية.
سيكون مجرد ديكور عالمي باهظ الثمن، يدفع المغاربة فاتورته بعد أن يغادر العالم مدرجاته.
