بقلم: الباز عبدالإله
عاد مضيق هرمز إلى صدارة المخاطر الاقتصادية التي تهم المغرب مباشرة، بعدما قفزت أسعار النفط بأكثر من 3 في المائة في التعاملات الآسيوية المبكرة ليوم الاثنين 13 يوليوز 2026، على وقع تجدد الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد المخاوف بشأن سلامة الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية بالنسبة إلى إمدادات الطاقة العالمية.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 2.34 دولار، لتبلغ 78.35 دولاراً للبرميل، بينما صعد الخام الأمريكي إلى 73.62 دولاراً، في وقت أظهرت فيه بيانات شركة «كبلر» لتتبع حركة الملاحة عبور ست سفن فقط من المضيق خلال يوم الأحد، وهو أدنى مستوى مسجل في خمسة أسابيع، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
هذه التطورات لا تعني أن أسعار الغازوال والبنزين سترتفع فوراً في محطات الوقود المغربية، لكنها تعني أن فاتورة الاستيراد عادت إلى دائرة الضغط، وأن الفرضيات التي بُنيت عليها مالية الدولة تواجه اختباراً جدياً أمام سوق دولية شديدة التقلب.
الوثائق المؤطرة لقانون مالية 2026 اعتمدت متوسطاً سنوياً لخام برنت في حدود 65 دولاراً للبرميل.
وعند مقارنة هذه الفرضية بالسعر الذي بلغه النفط في التعاملات الأخيرة، يكون خام برنت قد تجاوز المستوى المعتمد بنحو 20.5 في المائة.
هذه المقارنة لا تعني أن متوسط السعر السنوي استقر عند 78 دولاراً، لأن الفرضية الميزانياتية تُحتسب على مدار السنة، لكنها تكشف اتساع هامش المخاطر إذا استمرت الأسعار فوق مستوى 65 دولاراً أو عادت إلى الصعود خلال الأشهر المقبلة.
الفارق بين الفرضية وواقع السوق لا يظل مجرد معطى تقني، بل يترجم إلى ضغط محتمل على فاتورة الاستيراد، ونفقات الدعم، وعجز الميزانية، ويضع الحكومة، وفي مقدمتها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، أمام معادلة دقيقة: حماية التوازنات المالية من جهة، ومنع انتقال الصدمة كاملة إلى القدرة الشرائية للمغاربة من جهة أخرى.
الارتفاع الجديد يعيد مبلغ 20 مليار درهم المتداول إلى الواجهة، غير أن الدقة تفرض التمييز بين ما أعلنته الحكومة رسمياً وما نقلته مصادر إعلامية.
الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أعلن في 14 ماي الماضي عن تعديل ميزاني وتعبئة اعتمادات احتياطية لمواجهة تداعيات الأزمة الدولية وحماية القدرة الشرائية، من دون أن يكشف رسمياً عن القيمة الإجمالية لهذه الاعتمادات.
أما مبلغ 20 مليار درهم، فأوردته وكالة رويترز نقلاً عن مصدر حكومي غير مخول بالتحدث علناً، أفاد بأن الحكومة تعتزم إضافته إلى ميزانية 2026 لتمويل إجراءات تروم تخفيف انعكاسات الصراع في الشرق الأوسط على السوق الداخلية.
ورغم أن الرقم لم يُعلن رسمياً على لسان لقجع، فإن موقعه على رأس القطاع الحكومي المكلف بالميزانية يجعله في صلب المسؤولية السياسية المتعلقة بشرح مصدر هذه الاعتمادات، وطريقة توزيعها، وأثرها المحتمل على العجز والمديونية، والمدة التي يمكن أن تغطي خلالها تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة.
ويفترض أن يوجه جزء من هذه الاعتمادات إلى دعم استقرار أسعار غاز البوتان والكهرباء والنقل العمومي، بينما ستخصص أجزاء أخرى لمواجهة تداعيات الفيضانات ونفقات طارئة مرتبطة بالسياق الاقتصادي الدولي.
لذلك، لا يمكن تقديم مبلغ 20 مليار درهم باعتباره غلافاً مخصصاً بالكامل للطاقة، ولا باعتباره ضمانة كافية مهما طال أمد الأزمة، خصوصاً أن كلفة دعم النقل العمومي والكهرباء وحدهما قُدرت بنحو 648 مليون درهم شهرياً، بحسب معطيات نقلتها رويترز عن فوزي لقجع.
هذا الرقم الشهري يكشف حجم الضغط الذي قد تواجهه الخزينة إذا استمرت أسعار النفط والغاز والفحم في الارتفاع، ويطرح سؤالاً مباشراً حول المدة التي صُممت الاعتمادات الإضافية لتغطيتها، وحصة الطاقة منها، وما إذا كانت الحكومة ستضطر إلى تعبئة موارد جديدة إذا طال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
قدرة التدخل الحكومي على امتصاص الصدمة ستتوقف على مدة التوتر، ومستوى أسعار الطاقة، وسعر صرف الدولار، وحجم الاستهلاك الداخلي، ومدى توجيه الدعم نحو القطاعات والأسر الأكثر تعرضاً لارتفاع الكلفة.
المغرب يوجد في موقع حساس أمام أي ارتفاع مطول في أسعار الطاقة.
فبحسب صندوق النقد الدولي، بلغت وارداته الطاقية خلال سنة 2025 ما يعادل 6.3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، فيما يأتي نحو ربع وارداته من المنتجات النفطية المكررة من دول مجلس التعاون الخليجي.
هذا الارتباط لا يعني أن كل برميل يصل إلى المغرب يمر عبر مضيق هرمز، لكنه يكشف حجم تعرض الاقتصاد الوطني لاضطرابات الأسعار والشحن والتأمين، لأن أي تقلص في المعروض العالمي يرفع الكلفة على الدول المستوردة، مهما اختلفت مصادر الشحنات ووجهاتها.
وتتضاعف حساسية الوضع بسبب غياب قدرة وطنية على تكرير النفط، بعدما أصبح المغرب معتمداً على استيراد الغازوال والبنزين المكررين منذ توقف المصفاة الوحيدة عن العمل سنة 2015، ما يجعل السوق الداخلية أكثر ارتباطاً بأسعار المنتجات المكررة وكلفة النقل والتخزين والتوزيع.
مضيق هرمز ليس ممراً ثانوياً في تجارة الطاقة العالمية، لذلك لا يحتاج السوق إلى إغلاق كامل حتى تتحرك الأسعار.
استمرار التهديد، وتراجع عدد السفن، وارتفاع كلفة التأمين، عوامل كافية لإضافة علاوة مخاطر إلى ثمن البرميل وكلفة الشحن.
المعضلة المغربية لا تتوقف عند فاتورة استيراد المحروقات، لأن ارتفاع أسعار الطاقة ينتقل إلى النقل واللوجستيك والفلاحة والصناعة والصيد البحري، ثم يتسرب تدريجياً إلى كلفة المواد الغذائية والخدمات.
هذا المسار قد يضع لقجع والحكومة أمام خيارين مكلفين: توسيع التدخل المالي لحماية الأسعار، بما يحمله ذلك من ضغط إضافي على الميزانية، أو السماح بانتقال جزء أكبر من الكلفة إلى المستهلك، بما قد يفتح الباب أمام موجة غلاء جديدة.
الاعتمادات الإضافية تفتح بدورها أسئلة تتعلق بمصدر تمويلها، وحصة كل قطاع منها، والمدة التي صُممت لتغطيتها، والفرضيات المعتمدة بشأن أسعار الطاقة، والأثر المحتمل على العجز والدين والإنفاق العمومي.
كما يعيد الملف طرح وضع سوق المحروقات بعد التحرير، ومدى قدرة أجهزة المنافسة والمراقبة على التحقق من سرعة انتقال الزيادات الدولية إلى الأسعار الداخلية، ومقارنتها بسرعة انتقال الانخفاضات، حتى لا تتحول الأزمة الجيوسياسية إلى ذريعة لزيادات لا تعكس بدقة تطور الكلفة الحقيقية للاستيراد والتخزين والتوزيع.
آخر معطيات منشورة عن المخزون تعود إلى 2 أبريل 2026، حين أعلنت وزارة الانتقال الطاقي أن احتياطي الغازوال كان يغطي 51 يوماً، مقابل 55 يوماً بالنسبة إلى البنزين، فيما كانت إمدادات الفحم والغاز مؤمنة خلال الربع الثاني من السنة.
مرور أكثر من ثلاثة أشهر على هذه الأرقام يجعل تحيينها ضرورة، لا سيما أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة من عدم اليقين، وأن انخفاض حركة السفن في مضيق هرمز يعيد احتمال تعثر الإمدادات إلى الواجهة.
لقجع مطالب اليوم بأكثر من الدفاع عن التوازنات الكبرى للميزانية، لأن الرأي العام يحتاج إلى معرفة حجم الاعتمادات التي ستوجه فعلياً إلى الطاقة، ومصدر تمويلها، والأثر المنتظر منها، والمدة التي تستطيع خلالها حماية السوق الداخلية من تقلبات الأسعار الدولية.
والحكومة مطالبة بدورها بنشر معطيات منتظمة عن المخزون، وكلفة الدعم، وتطور فاتورة الاستيراد، والسيناريوهات المعدة في حال استمرار ارتفاع النفط أو تعثر الملاحة في المضيق.
أسعار النفط الحالية لا تزال دون مستويات أشد سجلتها الأسواق خلال أزمات سابقة، كما أن الحديث عن إغلاق كامل ومستدام لمضيق هرمز لم يتحول إلى واقع محسوم.
لكن الأسواق لا تنتظر الإغلاق حتى تتحرك، انخفاض عدد السفن، وتجدد الضربات، وارتفاع كلفة المخاطر، عوامل كافية لوضع فرضيات ميزانية 2026 تحت الضغط وإعادة شبح الغلاء إلى الواجهة.
اختبار خطة لقجع لن يحسمه حجم رقم 20 مليار درهم المتداول، بل قدرة هذه الاعتمادات على منع انتقال صدمة هرمز إلى جيوب المغاربة، ومدى شفافية الحكومة في توضيح وجهة الأموال، وحصة الطاقة منها، والمدة التي تستطيع خلالها المالية العمومية الصمود إذا ظل البرميل أعلى من فرضية 65 دولاراً.
