بقلم: الباز عبدالإله
لا يمثل إطار الشراكة القطرية الجديد بين المغرب ومجموعة البنك الدولي مجرد وثيقة تقنية لتوجيه التمويلات، بل يرسم خريطة الأولويات الاقتصادية والتنموية التي ستؤطر التعاون بين الطرفين خلال السنوات المالية الممتدة من 2026 إلى 2035.
الوثيقة، المنشورة بتاريخ 10 يوليوز 2026 تحت الرقم المرجعي CPF0000062، تضع التشغيل، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز مشاركة النساء والشباب في الاقتصاد، في قلب الرهانات التي ستحدد نجاح هذه الشراكة.
وبعد سنوات من الأوراش الكبرى والاستثمارات العمومية الواسعة، يعيد الإطار الجديد طرح السؤال الأكثر إلحاحاً على الاقتصاد المغربي: هل نجحت هذه الدينامية في إنتاج وظائف مستقرة، وتوسيع قاعدة المستفيدين من النمو، وتحويل الاستثمار إلى أثر ملموس في حياة المواطنين؟
تشخيص البنك الدولي لا ينطلق من غياب المشاريع أو ضعف الإنفاق، بل من محدودية قدرة الاقتصاد على تحويل البنيات التحتية والاستثمارات إلى إنتاجية أعلى، وقطاع خاص أكثر دينامية، وفرص شغل أكثر عدداً وجودة.
الإطار الجديد، الممتد إلى سنة 2035، صُمم لدعم مسار يضع إحداث وظائف أكثر وأفضل في صدارة الأولويات، ويدفع المغرب نحو نموذج نمو يقوم بصورة أكبر على الإنتاجية والمبادرة الخاصة، بدل استمرار الاعتماد المفرط على الاستثمار العمومي باعتباره المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي.
هنا تظهر المفارقة المغربية بوضوح. فالمملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة مشاريع كبرى في الطرق والموانئ والطاقة والصناعة والبنيات التحتية، غير أن السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الأموال المستثمرة، بل بعدد الوظائف التي تنتجها هذه الاستثمارات، ونوعية تلك الوظائف، والجهات والفئات التي تستفيد منها.
وتكشف مقارنة واحدة حجم الاختلال. فقد ارتفع عدد السكان في سن العمل بالمغرب، بين سنتي 2000 و2024، بسرعة تقارب ضعفين ونصف سرعة نمو التشغيل.
بمعنى أن الاقتصاد لم يخلق الوظائف بالوتيرة نفسها التي اتسعت بها قاعدة القادرين على العمل والباحثين عنه.
وسبق للبنك الدولي أن قدّر، في تقريرين صدرا في أبريل 2026، أن تنفيذ حزمة قوية ومترابطة من الإصلاحات الهيكلية قد يمكّن المغرب من إحداث نحو 1.7 مليون وظيفة إضافية وأكثر جودة بحلول سنة 2035، ورفع الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي بنحو 17 في المائة فوق المسار المرجعي المتوقع، وهي نسبة لخصها البنك في بلاغه باعتبارها قريبة من 20 في المائة.
غير أن هذا الرقم لا يمثل وعداً مضموناً، ولا نتيجة تلقائية لاستمرار السياسات الحالية.
إنه سيناريو مشروط بإصلاحات تمس المنافسة، ومناخ الأعمال، وتعبئة الاستثمار الخاص، وتحسين الإنتاجية، ورفع مشاركة النساء في الاقتصاد، وتطوير أداء سوق الشغل.
لذلك، لا تبدو سنة 2035 مجرد أفق زمني بعيد، بل موعداً للحساب: هل سينتقل المغرب من اقتصاد يعلن عن المشاريع إلى اقتصاد يقيس أثرها الحقيقي في التشغيل والدخل والعدالة المجالية؟
الملحق المخصص للإدماج الاقتصادي للنساء يقدم أحد أكثر أجزاء الوثيقة حساسية.
فالبنك الدولي يسجل أن المغرب ما يزال يواجه ضعفاً واضحاً في مشاركة النساء في سوق الشغل، إلى جانب ارتفاع البطالة وسط النساء المتعلمات.
هذه المفارقة لا يمكن اختزالها في حملات التمكين أو برامج التكوين.
فالمغرب يوسع ولوج الفتيات إلى التعليم العالي، لكنه لا ينجح بالوتيرة نفسها في تحويل الشهادات والكفاءات إلى مشاركة فعلية في الاقتصاد.
تستثمر الأسر والدولة سنوات طويلة في تعليم النساء، قبل أن تجد نسبة مهمة منهن نفسها خارج سوق العمل، أو في مواجهة بطالة طويلة، أو أمام وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتها.
ولا تتوقف العوائق عند ندرة فرص الشغل فضعف خدمات رعاية الأطفال، وصعوبة الولوج إلى التمويل، ومحدودية النقل الآمن، وعدم ملاءمة بعض ظروف العمل للحياة الأسرية، كلها عوامل تجعل المشاركة الاقتصادية للنساء ملفاً يتجاوز وزارة بعينها أو برنامجاً حكومياً محدوداً.
تخصيص ملحق مستقل لهذا الموضوع داخل إطار الشراكة الجديد يعني أن إدماج النساء لم يعد يُقدَّم باعتباره قضية اجتماعية فقط، بل شرطاً اقتصادياً لرفع النمو وتوسيع قاعدة الإنتاج.
كما تضع الوثائق النساء والشباب والفئات التي تعاني هشاشة الحماية الاجتماعية واختلالات الرأسمال البشري في صلب التحديات التي يتعين أن تعالجها الشراكة المقبلة.
العقدة الثانية ترتبط بالفوارق الترابية فالمغرب لا يعاني فقط تفاوتاً في الدخل بين الأفراد، بل تفاوتاً في الفرص بين المجالات.
الجهة التي تتوفر على الطرق والمناطق الصناعية والجامعات والمستشفيات وشبكات النقل لا تبدأ السباق الاقتصادي من النقطة نفسها التي تبدأ منها المناطق الجبلية والقروية والواحات والقرى البعيدة عن المراكز الاستثمارية الكبرى.
لذلك، لن يكون كافياً احتساب عدد المشاريع المفتوحة على المستوى الوطني، من دون قياس قدرتها على إعادة توزيع فرص النمو والاستثمار والتشغيل بين الجهات، وتقليص الفجوة بين مغرب يستفيد من البنيات التحتية ومغرب ما يزال ينتظر أثرها.
أما العقدة الثالثة، فترتبط بالماء والمناخ، فوثائق الشراكة وبرامج البنك الدولي المرتبطة بالمغرب تضع تعزيز الصمود المناخي والأمن المائي، ومواجهة آثار الجفاف، وتدبير الموارد بصورة أكثر استدامة، ضمن أولويات السنوات المقبلة.
هذا التوجه لا يأتي من فراغ، فقد تحول الجفاف من ظرف مناخي موسمي إلى ضغط اقتصادي واجتماعي متكرر، يضرب الفلاحة وفرص الشغل في القرى، ويرفع كلفة الماء والطاقة والغذاء، ويدفع مزيداً من السكان نحو المدن.
بهذا المعنى، لم يعد الأمن المائي ملفاً تقنياً مرتبطاً بالسدود أو محطات التحلية فقط، بل أصبح قضية تشغيل وهجرة داخلية وفوارق مجالية وأمن غذائي.
غير أن السؤال الحاسم يظل متعلقاً بالتنفيذ، فإطار الشراكة القطرية ليس مجرد وثيقة تشخيصية، بل مرجع يوجه عمليات مجموعة البنك الدولي داخل المغرب، ويحدد المجالات التي ستحظى بالأولوية في التمويل والمواكبة والخبرة التقنية.
وستتجه عمليات التمويل والمواكبة التي ستبرمجها مجموعة البنك الدولي خلال هذه الفترة نحو هذه الأولويات، مع بقاء كل عملية خاضعة للإعداد والتقييم والموافقة، وربط نتائجها بمؤشرات تتعلق بالتشغيل، والاستثمار الخاص، والرأسمال البشري، وإدماج النساء، والصمود المناخي.
لكن التمويل الدولي، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع تعويض ضعف التنفيذ، أو تشتت المسؤوليات، أو غياب التقييم الصارم للسياسات العمومية.
فالمغرب لا تنقصه الاستراتيجيات المكتوبة، ولا الخطط الممتدة إلى سنوات بعيدة، ولا المؤسسات المكلفة بالتنفيذ.
ما ينقصه هو تحويل الأهداف إلى نتائج قابلة للقياس، وتمكين المواطن من معرفة عدد الوظائف التي أُحدثت، وأماكن إحداثها، والفئات التي استفادت منها، والكلفة التي تحملتها المالية العمومية.
لهذا، لا ينبغي قراءة وثائق البنك الدولي باعتبارها شهادة رضا مطلق عن المسار الاقتصادي، ولا حكماً سلبياً على كل ما تحقق. إنها، في جوهرها، خريطة للعقد التي ما تزال تمنع الاقتصاد المغربي من تحويل إمكاناته واستثماراته إلى ازدهار أوسع وأكثر عدالة.
سنة 2035، التي جعلها نموذج التنمية الجديد أفقاً لمضاعفة الناتج الفردي ورفع معدل تشغيل النساء إلى 45 في المائة، أصبحت أيضاً نهاية الإطار الجديد لشراكة المغرب مع مجموعة البنك الدولي.
وعند بلوغ ذلك الموعد، لن يكون السؤال الحقيقي هو كم اقترض المغرب، ولا كم مشروعاً أطلق، بل هل نجح في بناء اقتصاد ينتج وظائف أكثر وأفضل، ويمنح النساء والشباب مكاناً فعلياً داخل سوق الشغل، ويقلص الفوارق بين الجهات، ويحمي المغاربة من فاتورة الجفاف.
فالمليارات تستطيع بناء الطرق والموانئ والمنشآت، لكنها لا تصنع وحدها نموذجاً تنموياً ناجحاً.
النجاح يبدأ حين تتحول البنية التحتية إلى إنتاج، والاستثمار إلى وظائف، والنمو إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
