مع دخول توقف المحامين عن أداء مهامهم أسبوعه الخامس على التوالي، تتسع تداعيات الأزمة داخل المحاكم، وتتراكم آثارها على الجلسات والإجراءات القضائية ومصالح المتقاضين، في وقت لا تلوح فيه مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية تنهي حالة الاحتقان.
وحمّل المحامي رشيد أيت بلعربي، عضو هيئة المحامين بالقنيطرة ورئيس المنتدى المغربي للدراسات القانونية، الحكومة المسؤولية السياسية عن استمرار التوقف وما ترتب عنه، بحسب تعبيره، من «آثار وخيمة على سير العدالة».
ووصف أيت بلعربي، في تدوينة نشرها عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، الحكومة بأنها «فاشلة تعيش حالة انفصام حقيقية عن هموم الشعب»، معتبراً أنها تتحمل مسؤولية وصول الخلاف حول مشروع قانون مهنة المحاماة إلى هذا المستوى من التصعيد.
وقال إن الحكومة قدمت مشروع القانون الجديد المنظم للمهنة تحت عنوان الإصلاح والتحديث، بينما يتمثل جوهره، وفق تعبيره، في «الإخضاع والتركيع»، في موقف يعكس حدة الرفض الذي تثيره مضامين المشروع وطريقة تدبير الحوار بشأنه داخل أوساط الدفاع.
ويرتبط هذا الرفض، وفق مضمون التدوينة، بالمخاوف المتعلقة باستقلال مهنة المحاماة ومكانتها داخل منظومة العدالة، باعتبار المحامي فاعلاً أساسياً في حماية حقوق المتقاضين وضمان شروط المحاكمة العادلة، وليس مجرد مهني خاضع لتدبير إداري أحادي.
ولم يحصر أيت بلعربي المسؤولية في الجهاز التنفيذي، بل وجّه انتقادات حادة إلى المؤسسة التشريعية، واصفاً البرلمان بأنه تابع للسلطة التنفيذية، ومعتبراً أن الغالبية الساحقة من النواب والمستشارين «لا يعرفون سوى رفع أصابعهم من أجل التصويت وفق تعليمات أحزابهم».
وتساءل المحامي عن جدوى تنظيم انتخابات تُصرف خلالها أموال طائلة، ويتنافس فيها المرشحون من أجل الظفر بمقاعد برلمانية، قبل أن ينتهي دور عدد منهم، وفق انتقاده، عند حضور جلسات متقطعة والتصويت على النصوص المعروضة دون استيعاب أسباب التصويت أو مناقشة مضامينها بالعمق المطلوب.
واستحضر أيت بلعربي المبدأ الدستوري القائم على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، متسائلاً عن مظاهر استقلال المؤسسة التشريعية عندما تمر مشاريع القوانين، بحسب تقديره، دون مناقشة حقيقية، ويتحول التصويت البرلماني إلى امتداد لقرارات الحكومة بدل أن يكون نتيجة فحص تشريعي مستقل.
وتنقل هذه المواقف أزمة المحاماة من نطاق الخلاف المهني بشأن مواد مشروع القانون إلى مستوى مواجهة سياسية ومؤسساتية أوسع، تتعلق بطريقة إعداد التشريعات، وحدود تدخل الحكومة في تنظيم المهن الحرة، وقدرة البرلمان على ممارسة اختصاصاته بعيداً عن منطق الأغلبية العددية والانضباط الحزبي.
وشدد أيت بلعربي على أن قطاع العدالة ليس وحده الذي يعاني في ظل الحكومة الحالية، مشيراً إلى أن قطاعات الصحة والتعليم والشغل والسكن والفلاحة تعيش بدورها أوضاعاً صعبة، وإن بدرجات متفاوتة.
ويضع استمرار توقف المحامين الحكومة والمؤسسات المعنية أمام مسؤولية مضاعفة، بعدما تجاوزت تداعيات الأزمة حدود الخلاف حول مشروع القانون وامتدت إلى المتقاضين والسير المنتظم للمحاكم، بما يستدعي حواراً جدياً يوازن بين تحديث الإطار القانوني للمهنة وصيانة استقلال الدفاع وضمان حق المواطنين في عدالة ناجزة.
