Search
فيسبوك X (Twitter) يوتيوب الانستغرام
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
Home » الأحزاب السياسية والفاعلون الحقوقيون وملف المعتقلين السلفيين في المغرب
صوت الشعب

الأحزاب السياسية والفاعلون الحقوقيون وملف المعتقلين السلفيين في المغرب

الباز عبدالإلهالباز عبدالإله2026-07-12لا توجد تعليقات23 دقائق
فيسبوك تويتر واتساب البريد الإلكتروني
شاركها
فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

بقلم: الحيداوي عبد الفتاح

تتناول هذه الدراسة الأكاديمية ملف المعتقلين السلفيين في المغرب من زاوية تحليل مواقف الفاعلين السياسيين والحقوقيين، قبل أن تنتقل إلى محور مركزي هو البحث في الأسباب البنيوية والسياسية والمؤسساتية التي حالت دون تحقيق جبر الضرر لهذه الفئة، خلافالما جرى مع ضحايا ما يعرف بـ(سنوات الرصاص) في إطار هيئة الإنصاف والمصالحة. وتخلص الدراسة إلى أن فشل مسار جبر الضرر لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى تراكب عوامل التصنيف القانوني والسياسي، والاعتبارات الأمنية الإقليمية والدولية، وغياب الإرادة السياسية والإطار المؤسساتي، فضلا عن ضعف الحاضنة المجتمعية والحقوقية المساندة.
مقدمة
يعد ملف المعتقلين السلفيين في المغرب من أكثر الملفات تعقيدا في المجالين السياسي والحقوقي، نظرا لتقاطعه مع قضايا الأمن القومي، وحماية حقوق الإنسان، والعدالة الجنائية، والعدالة الانتقالية.

وقد اكتسب هذا الملف أهمية خاصة عقب تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003، التي شكلت نقطة تحول في السياسة الأمنية المغربية، حيث تبنت الدولة مقاربة صارمة في مكافحة الإرهاب، رافقتها تعديلات تشريعية ومؤسساتية واسعة، كان أبرزها إصدار قانون مكافحة الإرهاب رقم 03.03.
وفي المقابل، أثارت هذه المرحلة نقاشا حقوقيا واسعا حول مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة وظروف الاعتقال، وحدود التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات حماية الحقوق الأساسية.

وقد وثقت منظمات دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، ادعاءات متكررة بشأن الاعتقال التعسفي والاحتجاز السري والتعذيب في مراكز غير معلنة، أبرزها مركز تمارة قرب الرباط، إضافة إلى محاكمات لم تستوف معايير المحاكمة العادلة.
وتحاول هذه الدراسة، بعد استعراض موقف الفاعلين السياسيين والحقوقيين، أن تخصص محورا مستقلا لتفكيك أسباب فشل هذه الفئة تحديدا في الحصول على جبر الضرر، رغم مرور أكثر من عقدين على الأحداث المؤسسة لهذا الملف، وذلك بالاستناد إلى الأدبيات الحقوقية والصحفية والدراسات المتخصصة.
أولا موقف الأحزاب السياسية المغربية من الملف
اتسم الموقف الحزبي المغربي تجاه ملف المعتقلين السلفيين بعدم التجانس، إذ تأثر بطبيعة المرجعيات الفكرية للأحزاب، وبالبيئة الأمنية التي أعقبت أحداث 2003، وبحسابات الرأي العام.
1 الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية
تبنت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في المغرب، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية وحزب النهضة والفضيلة، موقفاً اتسم بالحذر والبراغماتية في التعامل مع ملف المعتقلين السلفيين.

فقد جمعت هذه الأحزاب بين التأكيد المبدئي على ضرورة احترام حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة ورفض التعذيب والاعتقال التعسفي، وبين الامتناع عن تبني خطاب سياسي صريح يدافع عن المعتقلين أو يطالب بإطلاق سراحهم بشكل جماعي.

ويعود هذا الموقف إلى جملة من الاعتبارات السياسية والفكرية والأمنية التي جعلت الملف شديد الحساسية بالنسبة لهذه الأحزاب.
فعلى المستوى السياسي، أدركت هذه الأحزاب أن أي دفاع مباشر عن المعتقلين المدانين في قضايا الإرهاب قد يستغل إعلاميا وسياسيا لاتهامها بالتعاطف مع الفكر المتطرف، خاصة بعد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 التي أحدثت تحولا عميقا في السياسة الأمنية المغربية، ورسخت لدى الرأي العام ارتباطا قويا بين السلفية الجهادية والإرهاب.

ولذلك حرصت على الفصل بين الدفاع عن الحقوق القانونية للمعتقلين وبين الدفاع عن أفكارهم أو خياراتهم العقدية والسياسية.
أما على المستوى الفكري، فإن العلاقة بين هذه الأحزاب والتيار السلفي الجهادي كانت علاقة خلاف عميق سبق الاعتقالات بسنوات.

فالسلفية الجهادية تعتبر الديمقراطية شكلا من أشكال التشريع البشري المناقض للحاكمية، وترفض الانتخابات والأحزاب السياسية باعتبارها وسائل غير شرعية، كما وجه عدد من رموزها انتقادات حادة إلى الإسلاميين المشاركين في العمل السياسي، ووصفوهم أحيانا بأنهم تنازلوا عن مقتضيات الشريعة وقبلوا بقواعد النظام السياسي القائم.

وفي المقابل، كانت الأحزاب الإسلامية، وخاصة حزب العدالة والتنمية، تؤكد أن الإصلاح يتم عبر الوسائل السلمية والمؤسسات الدستورية، وترفض العنف وسيلة للتغيير.

ولذلك لم يكن من السهل سياسيا أو فكريا أن تتبنى هذه الأحزاب الدفاع عن تيار يرفض أساسا مشروعها السياسي ويطعن في شرعيته.
ويبرز موقف حزب العدالة والتنمية بوصفه المثال الأوضح على هذه البراغماتية فالحزب، منذ دخوله البرلمان ثم مشاركته في الحكومة ابتداء من سنة 2011، تبنى خطابا يقوم على احترام القانون ومكافحة الإرهاب مع المطالبة في الوقت نفسه بضمان المحاكمة العادلة وعدم اللجوء إلى التعذيب أو الانتقام.

وقد أثار بعض قيادييه موضوع مراجعة بعض الملفات التي شابتها اختلالات إجرائية، إلا أنهم تجنبوا المطالبة بالإفراج الجماعي عن المعتقلين السلفيين أو التشكيك في السياسة الأمنية للدولة بصورة مباشرة.

كما أن الحزب كان يدرك أن أي اقتراب كبير من هذا الملف قد يهدد صورته كحزب مسؤول وقادر على تدبير الشأن العام، خصوصا في ظل الضغوط الداخلية والخارجية المرتبطة بملف مكافحة الإرهاب.
أما حزب النهضة والفضيلة، فقد كانت علاقته ببعض رموز التيار السلفي أكثر قربا من الناحية الاجتماعية والفكرية مقارنة بحزب العدالة والتنمية، خاصة بعد التحاق عدد من السلفيين الذين استفادوا من العفو الملكي بالحزب، ومن أبرزهم محمد الفيزازي الذي أعلن دعمه للحزب خلال إحدى المراحل السياسية.

كما انخرط عدد من السلفيين السابقين في أنشطته السياسية أو عبروا عن تأييدهم له باعتباره إطارا محافظا يمكن أن يستوعبهم داخل العمل السياسي المشروع. غير أن هذا التقارب ظل محدودا ولم يتحول إلى تبن كامل لقضية جميع المعتقلين، بل بقي منحصرا في حالات فردية أو في الدعوة إلى تسوية الملف عبر العفو والمصالحة.
وقد شهدت مرحلة ما بعد دستور 2011 تحولات مهمة في تعامل الدولة مع بعض رموز السلفية فقد صدرت عدة دفعات من العفو الملكي شملت عددا من الشيوخ المعروفين، مثل محمد الفيزازي وحسن الكتاني وعمر الحدوشي، كما سمحت السلطات لبعضهم بالمشاركة في الحياة العامة وإلقاء الدروس والخطب، بل والانخراط بدرجات متفاوتة في النقاش السياسي والدعوي.

وقد اعتبر بعض الباحثين أن هذه السياسة كانت جزءا من مقاربة رسمية تستهدف تفكيك البيئة الفكرية للسلفية الجهادية، وإعادة إدماج بعض رموزها داخل الفضاء الديني والسياسي المشروع، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وإضعاف الخطاب المتشدد.
وأثرت هذه السياسة في مواقف الأحزاب الإسلامية، إذ وجدت نفسها أمام واقع جديد يتمثل في انتقال بعض الشخصيات السلفية من موقع المواجهة مع الدولة إلى موقع التفاعل معها.

لذلك أصبح التعامل مع الملف أكثر مرونة، وانتقل النقاش من المطالبة العامة بإطلاق سراح المعتقلين إلى التركيز على تشجيع المراجعات الفكرية، ودعم إعادة الإدماج، والدعوة إلى تسوية الحالات التي لم تعد تمثل خطرا أمنيا.
ومع ذلك، بقي هذا الانفتاح محدودا ولم يشمل جميع المعتقلين، كما لم يؤد إلى تبني الأحزاب الإسلامية لملف جبر الضرر بوصفه قضية سياسية مستقلة.

فقد ظل خطابها يدور أساسا حول احترام القانون، وضمان المحاكمة العادلة، وتشجيع المراجعات الفكرية، دون الدخول في مواجهة مع الدولة بشأن مسؤوليتها عن الانتهاكات المحتملة أو المطالبة بالية شاملة للعدالة الانتقالية لفائدة المعتقلين السلفيين.

ويعكس ذلك طبيعة التوازنات التي حكمت سلوك هذه الأحزاب، حيث فضلت الحفاظ على شرعيتها السياسية وموقعها داخل النظام السياسي، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الدفاع عن المبادئ الحقوقية العامة، دون تحمل الكلفة السياسية التي قد يفرضها الانخراط الكامل في الدفاع عن ملف شديد الحساسية مثل ملف المعتقلين السلفيين.
2 الأحزاب اليسارية والديمقراطية
اتخذت الأحزاب اليسارية والديمقراطية في المغرب موقفا أقرب إلى المرجعية الحقوقية منه إلى المقاربة السياسية في التعاطي مع ملف المعتقلين السلفيين.

فقد انصب اهتمامها أساساً على المطالبة بضمان شروط المحاكمة العادلة، واحترام قرينة البراءة، وفتح تحقيقات مستقلة في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، والدفاع عن الحقوق الأساسية المكفولة لجميع المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو طبيعة التهم المنسوبة إليهم.

وانطلاقا من مرجعيتها الديمقراطية، اعتبرت هذه الأحزاب أن احترام الحقوق والحريات يمثل معيارا لقياس مدى التزام الدولة بدولة القانون، دون أن يعني ذلك تبنيها للأفكار التي يحملها المعتقلون أو تبريرها.
وفي المقابل، لم تتبن هذه الأحزاب مشروعا سياسيا للدفاع عن المعتقلين السلفيين باعتبارهم جماعة سياسية لها مطالب خاصة، ويرجع ذلك إلى جملة من الاعتبارات، أهمها الاختلاف الجذري في المرجعيات الفكرية بين اليسار والتيار السلفي الجهادي، ورفض الأحزاب اليسارية للعنف كوسيلة للتغيير السياسي، فضلا عن خشيتها من أن يفهم أي دفاع سياسي عن هذه الفئة على أنه تبرير للعنف أو تقارب مع أطروحاتها الأيديولوجية، وهو ما كان سيحمل كلفة سياسية ورمزية مرتفعة في سياق كانت فيه قضايا الإرهاب تحظى بحساسية كبيرة داخل المجتمع والرأي العام.
ومع ذلك، فإن هذا الموقف العام لم يمنع وجود مبادرات فردية داخل بعض مكونات اليسار اتسمت بقدر أكبر من الانفتاح على الملف من زاوية حقوقية وإنسانية.

فقد أسهم أحد أعضاء الأمانة العامة لـحزب اليسار الاشتراكي الموحد الاستاذ العلمي الحروني في تقديم دعم عملي للمعتقلين السابقين من خلال المساعدة في تأسيس تنسيقية الكرامة، باعتبارها إطارا مدنيا يسعى إلى الدفاع عن الحقوق الأساسية للمعتقلين السابقين والمطالبة بإنصافهم. كما ساهم في تنظيم أول ندوة عمومية متميزة جامعة تهم قضايا العدالة والاعتقال السياسي.

وقد نظم هذه الندوة مكتب فرع الحزب الاشتراكي الموحد بتمارة يوم 26 أكتوبر 2024، تحت عنوان(الاعتقال السياسي بالمغرب: بين رد الاعتبار ورهانات طي صفحة الاعتقال التعسفي)، في خطوة لافتة لكونها جمعت لأول مرة ممثلين عن مجموعات وتنسيقيات المفرج عنهم من مختلف الخلفيات السياسية والحقوقية والإيديولوجية على طاولة واحدة، متجاوزة بذلك الانقسامات المرجعية التقليدية، وهو ما شكل محطة مهمة في نقل النقاش من دائرة الأمن والإرهاب إلى فضاء الحوار الحقوقي والسياسي، وفتح المجال أمام مقاربة أكثر توازنا لقضية المعتقلين السابقين.
وتكشف هذه المبادرة أن جزءا من الفاعلين اليساريين كان مستعدا للتفاعل مع الملف عندما يطرح باعتباره قضية حقوقية تتعلق بجبر الضرر، واحترام الضمانات القانونية، وإعادة الإدماج، وليس باعتباره دفاعا عن المشروع الفكري للسلفية الجهادية.

كما تؤكد أن بناء جسور الثقة مع الفاعلين الديمقراطيين يصبح أكثر قابلية للتحقق كلما ركز المعتقلون السابقون على خطاب حقوقي ومدني، وأعلنوا التزامهم بنبذ العنف واحترام قواعد العمل السلمي، لأن ذلك يتيح للفاعل السياسي والحقوقي الدفاع عن حقوقهم انطلاقا من مبادئ العدالة وسيادة القانون، لا من منطلق التقارب الأيديولوجي.
3 الأحزاب الادارية
اتخذت الأحزاب الإدارية، بحكم قربها من توجهات الدولة وخياراتها الاستراتيجية، موقفا ينسجم إلى حد كبير مع المقاربة الأمنية التي اعتمدتها السلطات في التعامل مع ملف المعتقلين السلفيين عقب تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003.

فقد اعتبرت هذه الأحزاب أن مكافحة الإرهاب تمثل أولوية وطنية تتقدم على الاعتبارات السياسية والحقوقية، وأن الحفاظ على الأمن والاستقرار يشكل شرطا أساسيا لحماية الدولة والمجتمع.

ومن هذا المنطلق، ركز خطابها على دعم التشريعات والإجراءات الرامية إلى تعزيز الأمن، مع إبداء ثقة كبيرة في المؤسسات الأمنية والقضائية.
وبناء على هذا التصور، لم تظهر هذه الأحزاب اهتماماً كبيراً بالمطالب المتعلقة بجبر الضرر أو بمراجعة السياسة الجنائية التي أفرزتها مرحلة مكافحة الإرهاب، كما لم تتبن مبادرات سياسية للدفاع عن المعتقلين السابقين أو المطالبة بإعادة تقييم المحاكمات التي أثيرت بشأنها ملاحظات حقوقية.

ويعود ذلك إلى اقتناعها بأن أي مراجعة واسعة قد تفسر على أنها تراجع عن الحزم في مواجهة الإرهاب، أو قد تضعف الرسالة الردعية التي سعت الدولة إلى ترسيخها خلال تلك المرحلة.
كما اتسم خطاب هذه الأحزاب بالتأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين احترام حقوق الإنسان ومتطلبات الأمن، غير أن هذا التوازن كان يميل عمليا إلى تغليب الاعتبارات الأمنية، خاصة في ظل استمرار التهديدات الإرهابية على المستويين الإقليمي والدولي.

ولذلك، اقتصرت مواقفها في الغالب على الدعوة إلى التطبيق السليم للقانون وتحسين ظروف الاحتجاز وإعادة الإدماج في حدود ما تسمح به المؤسسات الرسمية، دون المطالبة بإصلاحات جوهرية تمس الإطار التشريعي لمكافحة الإرهاب أو ببرامج شاملة لجبر الضرر.
ويرتبط هذا الموقف أيضا بطبيعة هذه الأحزاب ووظيفتها داخل النسق السياسي المغربي، إذ غالبا ما تنسجم مواقفها مع التوجهات العامة للدولة في القضايا السيادية، وعلى رأسها الأمن ومكافحة التطرف.

لذلك، لم ينظر إلى ملف المعتقلين السلفيين باعتباره قضية سياسية أو حقوقية تستوجب التعبئة الحزبية، وإنما باعتباره ملفا أمنيا وقضائيا تتولى الدولة ومؤسساتها المختصة تدبيره، مع إمكانية معالجة بعض اثاره الإنسانية والاجتماعية من خلال برامج رسمية لإعادة الإدماج والمصالحة، دون تحويله إلى موضوع للمطالبة السياسية أو للمواجهة مع السياسات العمومية.
ثانيا موقف الفاعلين الحقوقيين من المعتقلين السلفيين
اتسم موقف الفاعلين الحقوقيين المغاربة، في المجمل، بالاستناد إلى المرجعية الكونية لحقوق الإنسان، التي تقوم على مبدأ عدم قابلية الحقوق للتجزئة أو الانتقائية، بما يعني أن احترام ضمانات المحاكمة العادلة وحظر التعذيب وصيانة الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن يتأثر بطبيعة التهم المنسوبة إلى الأشخاص أو بالخلفيات الفكرية والسياسية التي ينتمون إليها.

ومن هذا المنطلق، طالبت الهيئات الحقوقية بفتح تحقيقات في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، وضمان شروط المحاكمة العادلة، واحترام الحقوق الأساسية داخل المؤسسات السجنية، ومراجعة الأحكام التي ثبتت بشأنها خروقات، فضلا عن الدفاع عن حق المعتقلين السابقين في إعادة الإدماج الاجتماعي وعدم استمرار معاقبتهم بعد انتهاء العقوبة.
غير أن هذا الإطار العام لا يخفي وجود تباينات واضحة بين الفاعلين الحقوقيين في طريقة التعامل مع الملف، سواء من حيث درجة الانخراط أو استمرارية المتابعة.

فقد حافظت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على حضورها في هذا الملف باعتباره قضية حقوقية في المقام الأول، ولم تربط موقفها بتقييمها للخلفيات الفكرية للمعتقلين أو بمواقفها السياسية منهم.

وقد واصلت الجمعية إصدار البيانات، ورصد أوضاع السجون، والمطالبة بالتحقيق في ادعاءات التعذيب، والترافع من أجل احترام الحقوق الأساسية للمعتقلين السابقين، معتبرة أن الدفاع عن حقوق الإنسان يشمل جميع الفئات دون استثناء، وأن الانتهاكات لا تبررها طبيعة الجرائم المنسوبة إلى أصحابها.

ويحسب للجمعية أنها حافظت، بدرجات متفاوتة، على هذا الموقف حتى بعد تراجع الاهتمام الإعلامي والسياسي بالملف، وهو ما منحها قدرا من الاتساق مع مرجعيتها الحقوقية.
في المقابل، عرفت مواقف بعض المنظمات الحقوقية الأخرى قدرا من التراجع أو الانكفاء. ويبرز في هذا السياق منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، الذي ارتبط تاريخيا بمرجعية قريبة من حزب العدالة والتنمية.

فقد لعب المنتدى خلال سنوات ما بعد تفجيرات الدار البيضاء دورا ملحوظا في إثارة الانتباه إلى الاختلالات التي شابت بعض المحاكمات، والدفاع عن حقوق المعتقلين في ظروف الاعتقال والمحاكمة.

إلا أن حضوره تراجع بصورة لافتة في السنوات اللاحقة، خصوصا بعد التحولات السياسية التي عرفها الحزب، وتراجع موقعه في المشهد السياسي، فضلا عن تغير أولويات العمل الحقوقي داخل المنتدى.

ويعكس هذا التراجع هشاشة العمل الحقوقي عندما يصبح مرتبطا بالسياقات السياسية أو بالحسابات التنظيمية أكثر من ارتباطه بالمبادئ الحقوقية المجردة.
كما يثير موقف الهيئات الحقوقية ذات المرجعية الإسلامية القريبة من جماعة العدل والإحسان إشكالا آخر يستحق النقاش.

فعلى الرغم من أن الجماعة تمتلك خطابا نقديا تجاه الانتهاكات الحقوقية عموما، فإن المؤسسات والواجهات الحقوقية المحسوبة عليها لم تجعل ملف المعتقلين السلفيين ضمن أولوياتها، ولم تطور مسارا مستقلا للترافع عنه، باستثناء مواقف محدودة ومتفرقة.

ويمكن تفسير ذلك بعدة اعتبارات من أهمها استمرار التباعد الفكري بين الجماعة والتيار السلفي الجهادي، وما يرافقه من صعوبة في الفصل بين الخلاف الإيديولوجي والواجب الحقوقي.
ويكشف هذا الوضع عن إشكالية أعمق داخل بعض الفاعلين الحقوقيين، تتمثل في عدم القدرة على الفصل الكامل بين الموقف الفكري والموقف الحقوقي.

فمن منظور حقوق الإنسان، يفترض أن يكون الدفاع عن ضمانات المحاكمة العادلة ورفض التعذيب وحق الإنسان في الكرامة مستقلا عن أي تقييم لعقيدته أو مشروعه السياسي.

غير أن بعض الفاعلين ظلوا يتعاملون مع المعتقلين السلفيين بوصفهم خصوما إيديولوجيين أكثر منهم أشخاصا يتمتعون بحقوق قانونية، وهو ما أدى إلى ضعف المبادرات الحقوقية الموجهة إليهم مقارنة بملفات أخرى حظيت باهتمام أكبر.
وتكشف هذه التباينات أن أزمة ملف المعتقلين السلفيين لم تكن فقط أزمة علاقة بين الدولة والمعتقلين، وإنما كانت أيضا اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الحركة الحقوقية المغربية على تطبيق مبدأ عالمية حقوق الإنسان بصورة متسقة، بعيدا عن الاصطفافات السياسية والخلافات الإيديولوجية.

فكلما نجح الفاعل الحقوقي في الفصل بين تقييم الأفكار والدفاع عن الحقوق، ازداد اتساقه مع رسالته الحقوقية، وكلما خضع لمنطق الاصطفاف السياسي أو الإيديولوجي، تقلصت قدرته على تمثيل المرجعية الكونية التي يقوم عليها العمل الحقوقي.
ثالثا لماذا ظل مطلب جبر الضرر مؤجلا
يعتبر سؤال جبر الضرر بالنسبة لمعتقلي السلفية الجهادية أحد أكثر الإشكالات تعقيدا في مسار العدالة الانتقالية بالمغرب، إذ ظل هذا المطلب معلقا رغم تواتر التقارير الحقوقية الوطنية والدولية التي وثقت ادعاءات تتعلق بالاعتقال التعسفي والاحتجاز السري والتعذيب والإخلال بضمانات المحاكمة العادلة.

ويعود ذلك إلى تداخل عوامل قانونية وسياسية وأمنية ومجتمعية حالت دون إدراج هذا الملف ضمن مسارات الإنصاف التي عرفها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة.

فمنذ إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، انصب اهتمام الدولة على معالجة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال ما عرف بسنوات الرصاص، باعتبارها انتهاكات ذات طبيعة سياسية ارتبطت بصراع مباشر بين الدولة ومعارضيها.

أما ملف المعتقلين السلفيين فقد صنف، في المنظور الرسمي، ضمن سياق مكافحة الإرهاب، بوصفه استجابة لتحديات أمنية استثنائية هددت أمن البلاد عقب تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، وليس باعتباره امتدادا لانتهاكات سياسية تستوجب آليات العدالة الانتقالية.

وقد أدى هذا التصنيف إلى استبعاد الملف من السردية الرسمية للمصالحة، وإلى التعامل معه بمنطق أمني وقضائي أكثر من التعامل معه باعتباره قضية حقوقية قابلة للمعالجة في إطار جبر الضرر.
وقد تعزز هذا الوضع باستمرار هيمنة المقاربة الأمنية على إدارة الملف، حيث انصب الاهتمام الرسمي على برامج (المصالحة) و(المراجعات الفكرية) داخل المؤسسات السجنية، دون أن يتطور ذلك إلى تبني سياسات متكاملة لجبر الضرر أو التعويض على غرار ما جرى مع ضحايا سنوات الرصاص.

كما ساهم غياب التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية، بما فيها المؤسسة الدينية والمؤسسات الحقوقية، في إضعاف إمكانية بلورة مقاربة شمولية تجمع بين الأمن والحقوق وإعادة الإدماج الاجتماعي.

ويضاف إلى ذلك غياب إرادة سياسية واضحة لإعادة فتح الملف، إذ يرى عدد من الفاعلين الحقوقيين أن الدولة لم تبد استعدادا لإنشاء مسار مؤسساتي مماثل لهيئة الإنصاف والمصالحة يتولى دراسة الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات المرتبطة بملف مكافحة الإرهاب، كما أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي الت إليه مسؤولية متابعة توصيات الهيئة، لم يجعل هذا الملف ضمن أولوياته، مفضلا توسيع اهتمامه بقضايا حقوقية أخرى، وهو ما أدى عمليا إلى غياب إطار رسمي يمكن اللجوء إليه للمطالبة بجبر الضرر.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن السياقين الإقليمي والدولي اللذين تشكلت فيهما السياسات المغربية لمكافحة الإرهاب. فمنذ أحداث الحادي عشر من شتنبر وتصاعد التهديدات الإرهابية على المستويين الإقليمي والدولي، حرص المغرب على ترسيخ صورته باعتباره شريكا موثوقا في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، وهو ما جعل أي نقاش يتعلق بجبر الضرر أو مراجعة بعض الانتهاكات المرتبطة بهذا الملف ينظر إليه بحذر داخل دوائر صنع القرار، خشية أن يفهم على أنه تراجع عن الحزم الأمني أو تشكيك في مشروعية السياسات المعتمدة لحماية الأمن العام.

ونتيجة لذلك ظل الملف محصوراً ضمن مقاربة أمنية وقضائية ضيقة، دون أن يحظى بالامتداد الحقوقي الذي عرفته ملفات الانتهاكات السياسية السابقة.
كما تكشف هذه الوضعية عن إشكال أعمق يتعلق بانتقائية الاعتراف بصفة الضحية داخل تجربة العدالة الانتقالية المغربية.

ففي الوقت الذي حظي فيه ضحايا سنوات الرصاص باعتراف رسمي وما ترتب عنه من تعويضات فردية وجماعية وبرامج لجبر الضرر، بقي المعتقلون في قضايا الإرهاب خارج هذا الإطار، رغم أن تقارير حقوقية دولية ووطنية وثقت في بعض الحالات ادعاءات متشابهة تتعلق بالتعذيب والاحتجاز السري والاختفاء القسري المؤقت والإخلال بضمانات المحاكمة العادلة.

ويطرح هذا التمييز تساؤلات حول مدى شمولية فلسفة العدالة الانتقالية، وحول قدرة الدولة على تطبيق مبدأ عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة بصرف النظر عن طبيعة الجريمة المنسوبة إلى الضحية أو السياق الأمني الذي وقعت فيه الانتهاكات.
ومن جهة أخرى، لم يحظ هذا الملف بالحاضنة السياسية والحقوقية التي استفادت منها ملفات الانتهاكات السابقة. فقد شهدت السنوات الأولى بعد اعتقالات 2003 انخراط عدد من الهيئات الحقوقية في توثيق الانتهاكات والمطالبة بضمان المحاكمات العادلة، غير أن هذا الزخم عرف تراجعا ملحوظا مع مرور الوقت، خاصة بعد التحاق بعض الوجوه التي كانت مرتبطة بهذا الملف بتنظيمات مسلحة خارج المغرب، وهو ما أضعف منسوب التعاطف الحقوقي والسياسي، وأدى إلى تراجع الضغط المجتمعي اللازم لإبقاء الملف ضمن أولويات النقاش العمومي.
ولم تتوقف آثار هذا الوضع عند حدود فترة الاعتقال، بل امتدت إلى مرحلة ما بعد الإفراج، إذ تشير شهادات عدد من المعتقلين السابقين إلى استمرار معاناتهم بسبب الوصم الاجتماعي وصعوبة الاندماج في الحياة العامة، حيث يواجه كثير منهم عراقيل في الولوج إلى سوق الشغل أو استعادة وظائفهم السابقة، إلى جانب ما يصفونه بقيود تمس حرية التنقل وغياب برامج مؤسساتية للتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، فضلا عن عدم استفادتهم من أشكال التعويض أو التغطية الاجتماعية التي استفاد منها ضحايا هيئة الإنصاف والمصالحة.

كما امتدت آثار هذه الأوضاع إلى أسرهم، بما يجعل إعادة الإدماج، أكثر من جبر الضرر بمعناه الشامل، تمثل الحد الأقصى لما يمكن تحقيقه في الواقع الحالي.
وتدعم هذه القراءة جملة من الحالات الفردية التي وثقتها منظمات حقوقية دولية، برزت نماذج لمعتقلين سابقين استفادوا من عفو ملكي وانخرطوا لاحقا في العمل الجمعوي أو السياسي القانوني، وهو ما يعكس إمكانية إعادة الإدماج عندما تتوافر شروطها، لكنه يظل، في نظر العديد من الباحثين، نجاحا فرديا لا يعوض غياب سياسة عمومية متكاملة لإعادة التأهيل والإدماج.
وتقود هذه المعطيات إلى أن معالجة هذا الملف لا تستلزم المفاضلة بين مقتضيات الأمن ومتطلبات حقوق الإنسان، وإنما تستوجب بناء مقاربة متوازنة تنطلق من أن دولة القانون تقاس بقدرتها على حماية المجتمع وضمان الحقوق الأساسية في الوقت نفسه.

ومن ثم فإن احترام استقلال القضاء، وضمان المحاكمات العادلة، والتحقيق المستقل في الادعاءات الجدية المتعلقة بالتعذيب والاحتجاز السري، وإعادة النظر في معيار الاستبعاد الزمني والموضوعي الذي حال دون إدراج هذا الملف ضمن مسارات العدالة الانتقالية، وربط جبر الضرر بثبوت المسؤولية القانونية عن الانتهاكات لا بطبيعة التهمة الأصلية، إلى جانب توفير برامج فعالة لإعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمفرج عنهم وأسرهم، كلها تشكل عناصر ضرورية لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ سيادة القانون.

كما أن تجاوز الوصم الدائم للأشخاص الذين أنهوا عقوباتهم وأعلنوا التزامهم بالقانون ونبذهم للعنف يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي سياسة وقائية ضد التطرف.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن ينجح أي مسار للمطالبة بجبر الضرر دون إعادة بناء الثقة بين المعتقلين السابقين والفاعلين السياسيين والحقوقيين.

وتبين أدبيات العدالة الانتقالية وإعادة الإدماج أن المطالب الحقوقية تكون أكثر قابلية للتجاوب كلما استندت إلى خطاب قانوني ومواطني بعيد عن التبرير الإيديولوجي، وقائم على الاعتراف بحق المجتمع في الأمن، والإعلان الصريح عن نبذ العنف، وتوثيق الانتهاكات بأدلة قابلة للتحقق، والانفتاح على مختلف الفاعلين، والمشاركة الإيجابية في برامج إعادة الإدماج.

وفي هذا الإطار، يؤكد الباحث توم آر. تايلر (Tom R. Tyler) في نظريته حول الشرعية الإجرائية أن ثقة الأفراد في المؤسسات لا تتحدد فقط بنتائج الأحكام، بل أيضا بشعورهم بأنهم عوملوا وفق إجراءات عادلة ومحايدة، وهو ما يفسر استمرار تمسك عدد من المعتقلين السابقين بمطلب المحاكمة العادلة باعتباره مدخلا أساسيا لأي حديث لاحق عن الإنصاف وجبر الضرر.
فشل المعتقلين السلفيين في بناء مطلب جماعي لجبر الضرر الاسباب والدواعي
لا يمكن تفسير تعثر ملف جبر الضرر الخاص بالمعتقلين السلفيين السابقين بإرجاعه إلى موقف الدولة وحده، رغم أن الدولة تتحمل مسؤولية أساسية في ما شاب هذا الملف من اختلالات، سواء على مستوى المحاكمات أو الاعتقال أو محدودية آليات الإنصاف اللاحقة.

غير أن المقاربة التحليلية تقتضي أيضا النظر في العوامل الداخلية التي أضعفت قدرة المعتقلين أنفسهم على تحويل قضيتهم إلى ملف حقوقي متماسك يحظى بتأييد سياسي وحقوقي واسع.

فقد ساهم غياب التنظيم الموحد، وتعدد المرجعيات، وضعف الخطاب الحقوقي، والتباين في استراتيجيات الدفاع عن الملف، في تقليص فرص الوصول إلى مسار مؤسساتي واضح لجبر الضرر.
منذ موجة الاعتقالات التي أعقبت أحداث السادس عشر من ماي 2003، ظهرت عدة هيئات وجمعيات للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، من بينها اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، وجمعية النصير، والجمعية الوطنية للإدماج والإصلاح، والتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين، إضافة إلى مبادرات أخرى محلية وفردية.

غير أن هذا التعدد لم يتحول إلى مصدر قوة، بل أفرز حالة من التنافس والتباين في الأولويات وأساليب الاشتغال، الأمر الذي حال دون إنتاج خطاب موحد ورؤية تفاوضية مشتركة.

وبدلا من تقديم ملف جامع يحدد المطالب والمرجعيات وآليات الترافع، أصبحت الدولة والفاعلون السياسيون والحقوقيون أمام مخاطبين متعددين، لكل منهم تصور مختلف لطبيعة القضية وأولوياتها، وهو ما أضعف القدرة على تحويل مطلب جبر الضرر إلى قضية وطنية ذات إجماع نسبي.
وزاد من تعقيد هذا الوضع استمرار الانقسامات الفكرية والتنظيمية داخل التيار السلفي نفسه.

فبعد الإفراج عن عدد من المعتقلين، برزت اتجاهات متباينة في فهم العلاقة مع الدولة والمجتمع، بين من تبنى خطابا إصلاحيا منفتحا على العمل المدني والسياسي، ومن ظل متمسكا بخطاب يركز على الدعوة، ومن حافظ على مواقف أكثر تشددا تجاه النظام السياسي.

وقد انعكس هذا التباين على طبيعة المطالب المطروحة، إذ لم تتبلور مرجعية موحدة تجعل جبر الضرر أولوية مستقلة عن الخلافات الفكرية أو الخيارات السياسية، بل ظل الملف يتأثر بالاختلافات الإيديولوجية والتنظيمية بين الفاعلين المنتمين إلى المرجعية نفسها.
كما تعرض الملف لضرر إضافي نتيجة المسارات الفردية لبعض الشخصيات التي كانت محسوبة على المدافعين عنه. فقد أدى التحاق عدد محدود من الوجوه المعروفة بتنظيمات مسلحة خارج المغرب بعد سنة 2013 إلى إضعاف صورة الملف في نظر قطاعات من الرأي العام وبعض الفاعلين الحقوقيين والدوليين، إذ جرى في كثير من الأحيان تعميم هذه الحالات الفردية على مجمل المعتقلين السابقين، بما أعاد إنتاج صورة نمطية تربط الملف بالتطرف أكثر من ارتباطه بانتهاكات حقوق الإنسان.

ورغم أن المسؤولية الجنائية شخصية ولا يجوز تعميمها على باقي المعتقلين، فإن هذا التطور أضر عمليا بقدرة الملف على اكتساب التعاطف الحقوقي والسياسي اللازم لدفع مطلب جبر الضرر.
ومن العوامل التي حدت كذلك من فعالية الترافع استمرار التداخل بين الخطاب الحقوقي والخطاب الإيديولوجي لدى بعض الفاعلين.

فقد انصرف جزء من النقاش إلى تقديم تفسيرات سياسية أو مؤامراتية لأحداث 2003، أو إلى مناقشة شرعية النظام السياسي وخياراته، أكثر من التركيز على المبادئ الكونية للمحاكمة العادلة، وحظر التعذيب، والاعتقال التعسفي، والحق في الإنصاف وجبر الضرر.

وتؤكد أدبيات العدالة الانتقالية أن نجاح المطالب الحقوقية يزداد عندما تصاغ بلغة قانونية جامعة تستند إلى المعايير الدستورية والدولية، بعيدا عن السجالات الإيديولوجية التي قد تنفر جزءا من الحلفاء المحتملين داخل المجتمع المدني والأحزاب السياسية.
ويضاف إلى ذلك ضعف التوثيق القانوني المنهجي للانتهاكات فرغم كثرة الشهادات التي تحدثت عن التعذيب أو الاختلالات التي شابت المحاكمات، فإن جانبا مهما منها بقي في إطار الروايات الإعلامية أو الشهادات الشفوية، دون أن يتحول إلى ملفات قانونية متكاملة تتضمن وثائق وتقارير طبية وشهادات وخبرات يمكن الاستناد إليها أمام الآليات الوطنية أو الدولية المختصة.

وقد جعل ذلك الملف أقل قدرة على الاستفادة من أدوات التقاضي أو من مسارات العدالة الانتقالية، بخلاف ملفات أخرى حظيت بتوثيق مؤسساتي أكثر انتظاما، كما وقع في التجربة المغربية مع هيئة الإنصاف والمصالحة.
كما لم ينجح المعتقلون السابقون في بناء تحالفات مستقرة مع الفاعلين السياسيين والحقوقيين على أساس مطالب محددة ومتفق عليها، إذ ظلت العلاقة مع كثير من الأحزاب والجمعيات تتسم بالحذر وعدم الثقة المتبادلة.

فمن جهة، تخوفت بعض القوى السياسية والحقوقية من أن يؤدي تبني الملف إلى اتهامها بالدفاع عن المدانين في قضايا الإرهاب، ومن جهة أخرى، نظر بعض المعتقلين بعين الريبة إلى هذه القوى، معتبرين أنها لم تنصفهم أو أنها كانت جزءا من السياق الذي سمح بانتهاك حقوقهم.

وقد حال هذا المناخ دون تشكل جبهة مدنية واسعة قادرة على الضغط من أجل فتح نقاش وطني حول جبر الضرر وإعادة الإدماج.
وعليه، فإن تعثر مطلب جبر الضرر لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل بين مسؤولية الدولة عن تدبير الملف وما رافقه من اختلالات، وبين قصور داخلي في إدارة القضية من قبل المعتقلين السابقين أنفسهم.

فقد أدى غياب القيادة الموحدة، وتعدد الأطر التمثيلية، والانقسامات الفكرية، وضعف التوثيق القانوني، وغياب استراتيجية ترافع حقوقية متماسكة، إلى إضعاف قدرة الملف على التحول إلى قضية حقوقية جامعة تتجاوز الانتماءات الإيديولوجية وتحظى بإجماع سياسي ومجتمعي.

ومن ثم، فإن أي محاولة مستقبلية لإحياء مطلب جبر الضرر تقتضي إعادة بناء الملف على أساس حقوقي صرف، وتوحيد المرجعية الترافعية، وإعداد ملفات قانونية موثقة، وبناء شراكات مع الفاعلين الحقوقيين والسياسيين، بما يعزز فرص الانتقال من المطالبة المتفرقة إلى التفاوض المؤسساتي القادر على تحقيق الإنصاف وجبر الضرر.
خاتمة
تكشف هذه الدراسة أن فشل معتقلي السلفية الجهادية في الحصول على جبر الضرر ليس نتاج قصور تقني أو إجرائي فحسب، بل هو محصلة تراكب عوامل بنيوية: تصنيف الملف ضمن خانة مكافحة الإرهاب لا الصراع السياسي مع الدولة، وغياب إطار مؤسساتي مواز لهيئة الإنصاف والمصالحة، وضغوط أمنية إقليمية ودولية تجعل أي انفتاح على الملف محفوفاً بالحذر السياسي، إضافة إلى تجزؤ الاعتراف بصفة الضحية وتراجع الحاضنة الحقوقية والمجتمعية المساندة.
ويظل بناء الثقة بين المعتقلين السابقين والمجتمع رهيناًبالتزام متبادل فمن جهة، يقع على عاتق المعتقلين السابقين إظهار احترامهم للقانون ونبذهم الصريح للعنف، ومن جهة أخرى، يتحمل الفاعلون السياسيون والحقوقيون مسؤولية التمييز بين مساءلة الأفراد عن أفعالهم وضمان حقوقهم بعد انتهاء العقوبة أو عند ثبوت تعرضهم لانتهاكات تستوجب الإنصاف. ويبقى هذا التوازن أحد المؤشرات الأساسية على نضج دولة القانون وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المغرب.
 
لائحة المراجع

  1. هيئة الإنصاف والمصالحة، التقرير الختامي، الرباط، 2005.
  2. Human Rights Watch, “Morocco: Human Rights at a Crossroads”, Vol. 16, No. 6(E), October 2004.
  3. Human Rights Watch, “Stop Looking for Your Son: Illegal Detentions under the Counterterrorism Law”, October 25, 2010.
  4. Human Rights Watch, World Report 2011: Morocco/Western Sahara chapter.
  5. Amnesty International, “Torture in the ‘Anti-Terrorism’ Campaign: The Case of Témara Detention Centre”, MDE 29/008/2004.
  6. مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، “المغرب يفشل في إعادة إدماج الجهاديين السابقين”، سلسلة صدى، 2019.
  7. “تحليل العوامل المعيقة لتكرار تجربة جبر الضرر في سياق المعتقلين السلفيين بالمغرب”، موقع أنتلجنسيا المغرب، 2026.
    8 “تحت الأضواء: المعتقلون الإسلاميون يطالبون بجبر الضرر ويحذرون من تحولهم إلى سجناء للمجتمع”، جريدة الأسبوع الصحفي، 2025.
  8. “جمعية لتحصيل حقوق معتقلي السلفية السابقين في المغرب”، العربي الجديد، 14 مارس 2016.
    10السلفية الجهادية والمصالحة.. نقاط على الحروف”، هسبريس، 2020.
  9. “وضعية المعتقلين السلفيين بالمغرب.. ملف عالق”، الجزيرة نت، 6 ديسمبر 2013.
  10. “Rabat under fire for ‘rough justice’ towards Salafists”, The National, 2021.
  11. Tyler, Tom R., Why People Obey the Law, Princeton University Press, 2006.
  12. قانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، 2003.
  13. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الأمم المتحدة، 1966.
  14. اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، الأمم المتحدة، 1984.
  15. قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، 2015.
شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
السابق«التعنت والإقصاء» يفجّران القطيعة… تيار «اليسار الجديد المتجدد» ينسحب بالكامل من الاشتراكي الموحد
التالي من «أسطورة المليون وظيفة» إلى وعد المليون… التقدم والاشتراكية أمام امتحان الاتساق
الباز عبدالإله

المقالات ذات الصلة

القانون قد يبرئهم… لكن من يبرئ ذمتهم؟ الكنبوري يفتح ملف «الريع السياسي» بالمغرب

2026-07-12

التصوف ومكافحة التطرف: قراءة نقدية في حدود الفاعلية بين الخطاب الروحي والواقع السوسيولوجي

2026-07-09

“المناهل” تحت مقصّ الوزارة… الكنبوري يستنفر “الجهات العليا” لإنقاذ ذاكرة المغرب الثقافية

2026-07-09
اترك تعليقاً إلغاء الرد

الأخيرة

بين احتجاجات الشارع وأجوبة الوزير… هل يكفي الباراسيتامول لعلاج منظومة الصحة؟

2025-09-30

نداء ولاء ووفاء إلى السدة العالية بالله… الوضع لم يعد يحتمل والتدخل الملكي العاجل بات ضرورة

2025-09-30

العرّاب والانتخابات… حين لا تهتز أوركسترا الحكم بصوت الصندوق

2025-08-30

الملاعب بين بريق الصورة وكلفة الصمت… العرّاب حين يصرف من جيوب المواطنين لصناعة الانبهار

2025-09-01
أخبار خاصة
السياسي واش معانا؟ 2026-07-12

بنسعيد يعترف بالغلاء ويطلب ثقة المغاربة… لكن من يجيب عن «التفرقيش» والصفقات داخل وزارة الشباب؟

​بقلم: الباز عبدالإله اختار محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة ووزير الشباب والثقافة…

البنك الدولي يضع المغرب أمام «عقدة التشغيل»: الاستثمار العمومي وحده لا يكفي لتحويل المشاريع إلى وظائف

2026-07-12

القانون قد يبرئهم… لكن من يبرئ ذمتهم؟ الكنبوري يفتح ملف «الريع السياسي» بالمغرب

2026-07-12
إتبعنا
  • Facebook
  • YouTube
  • TikTok
  • WhatsApp
  • Twitter
  • Instagram
الأكثر قراءة
الأكثر مشاهدة

بين احتجاجات الشارع وأجوبة الوزير… هل يكفي الباراسيتامول لعلاج منظومة الصحة؟

2025-09-30756 زيارة

نداء ولاء ووفاء إلى السدة العالية بالله… الوضع لم يعد يحتمل والتدخل الملكي العاجل بات ضرورة

2025-09-30649 زيارة

العرّاب والانتخابات… حين لا تهتز أوركسترا الحكم بصوت الصندوق

2025-08-30586 زيارة
اختيارات المحرر

بنسعيد يعترف بالغلاء ويطلب ثقة المغاربة… لكن من يجيب عن «التفرقيش» والصفقات داخل وزارة الشباب؟

2026-07-12

البنك الدولي يضع المغرب أمام «عقدة التشغيل»: الاستثمار العمومي وحده لا يكفي لتحويل المشاريع إلى وظائف

2026-07-12

القانون قد يبرئهم… لكن من يبرئ ذمتهم؟ الكنبوري يفتح ملف «الريع السياسي» بالمغرب

2026-07-12

مع كل متابعة جديدة

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

© 2026 جميع الحقوق محفوظة.

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter