أعاد الكاتب والباحث إدريس الكنبوري فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الحياة العامة المغربية، واضعاً الممارسة السياسية أمام سؤال يتجاوز حدود القانون إلى مجال الأخلاق والذمة: هل تكفي البراءة القضائية أو غياب المتابعة لإضفاء المشروعية على ما يراكمه بعض السياسيين من ثروة ونفوذ وامتيازات؟
واعتبر الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، أن السياسة في المغرب تحولت لدى فئة من ممارسيها إلى مهنة قائمة بذاتها، لها مسار قد يمتد لعقود، وتدر على أصحابها تعويضات وامتيازات ومواقع نفوذ، دون أن تخضع مواردها دائماً للنقاش الأخلاقي والديني نفسه الذي تخضع له مداخيل باقي المهن.
وبحسب صاحب التدوينة، لا يتعلق السؤال بالتعويضات القانونية التي يحصل عليها المنتخبون والمسؤولون وحدها، بل بما قد يرافق احتراف السياسة من استغلال للموقع، أو إخلال بالأمانة، أو استفادة من المال العام دون تقديم مردود سياسي ومؤسساتي يوازي ما تمنحه الدولة من دعم وامتيازات.
وتوقف الكنبوري عند غياب نقاش ديني صريح بشأن مصادر أموال السياسيين وممتلكاتهم، متسائلاً عن سبب عدم صدور فتاوى تناقش مشروعية الثروات التي يراكمها بعض محترفي السياسة، ومعتبراً أن فتح هذا الملف قد يثير، بتعبيره، «زوبعة كبيرة على مستوى عال».
ويرى الكاتب أن هذا الصمت يعكس نوعاً من الفصل العملي بين الدين والسياسة عندما يتعلق الأمر بالمال والنفوذ، إذ لم يُسمع، وفق ملاحظته، عن سياسي محترف طلب رأياً شرعياً بشأن ما جمعه من أموال أو ما استفاد منه من امتيازات خلال مسار طويل داخل المؤسسات والمجالس المنتخبة.
ويطرح الكنبوري، من خلال هذه الزاوية، تمييزاً بين المسؤولية القانونية والمسؤولية الأخلاقية.
فالسياسي قد يفلت من المتابعة، أو يحصل على حكم بالبراءة، لكن ذلك لا يعني، بحسب رأيه، أن ذمته أصبحت خالية من حقوق المواطنين، إذا كانت الثروة أو المكانة قد بُنيتا على استغلال المنصب أو النفوذ أو المال العام.
وبلغة شديدة القسوة، انتقد صاحب التدوينة استمرار بعض السياسيين في الانتقال بين المسؤوليات والمناصب لعقود، قبل أن تتحول مساراتهم بعد الوفاة إلى سير نضالية ووطنية، تُغفل ما قد يكون شابها من اختلالات، وتُسبغ على أصحابها ألقاب لا تعكس بالضرورة حقيقة ممارستهم السياسية.
وقال الكنبوري إن جزءاً من محترفي السياسة «يعيشون من حرام»، رابطاً موقفه بما نسبه إليهم من كذب على المواطنين، وخيانة للأمانات، واعتداء على المال العام.
وشدد على أن المال العام ليس مالاً مجهول المالك، بل هو ملك للمواطنين جميعاً، ويشمل حقوق الرجال والنساء والأطفال واليتامى والفقراء والأشخاص في وضعية إعاقة والمشردين وكل الفئات التي تنتظر من الدولة خدمات الصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية.
وبهذا المعنى، يصبح الاعتداء على المال العام، وفق قراءة الكاتب، أكثر من مجرد مخالفة إدارية أو جريمة مالية، لأنه يمس بصورة مباشرة حقوق فئات تحتاج إلى المدرسة والمستشفى والحماية والعيش الكريم.
وانتقد الكنبوري ما اعتبره استمرار الدولة في تمويل فاعلين سياسيين تدرك ضعف أدائهم ومحدودية صدقيتهم، عبر التعويضات والدعم العمومي والامتيازات، رغم أن بعضهم لا يقدم، بحسب تعبيره، سوى الخطب والوعود والرسائل الانتخابية التي لا تتحول إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
ولا يضع هذا الطرح السياسي المستفيد وحده أمام المساءلة، بل يمتد إلى منظومة التمويل السياسي والمؤسسات التي توزع الدعم والتعويضات، دون أن يكون الربط بين الموارد العمومية والمردودية والنزاهة والمحاسبة واضحاً بما يكفي.
ويعيد الكنبوري، من خلال تدوينته، تعريف الوظيفة الأصلية للعمل السياسي باعتبارها أمانة وخدمة عمومية، لا مساراً مهنياً دائماً لإنتاج الدخل والنفوذ وإعادة توزيع المواقع والامتيازات داخل دائرة مغلقة.
كما تساءل عن الوضع الأخلاقي والديني لسياسي يقضي سنوات طويلة داخل المؤسسات، بينما يراكم الوعود غير المنجزة، أو يتورط في الاختلاس، أو يتستر على الفساد، ثم يعتبر أن عدم إدانته قضائياً كافٍ لإغلاق الملف وإبراء ذمته.
وأشار إلى أن القانون لا يستطيع اكتشاف جميع المخالفات أو ضبط مختلف أشكال استغلال النفوذ، ما يترك مسافة واسعة بين البراءة القضائية وسلامة الذمة من الناحية الأخلاقية.
فعدم فتح تحقيق لا يعني بالضرورة، وفق هذا المنظور، انتفاء الشبهة الأخلاقية، كما أن احترام الشكل القانوني لا يمنح المشروعية تلقائياً لكل ثروة أو منفعة تحققت بفضل الموقع السياسي.
ولم يحصر الكنبوري مسؤوليته الأخلاقية في السياسيين، بل وسعها لتشمل الناخبين، معتبراً أن ورقة التصويت أمانة وشهادة، وليست مجرد إجراء موسمي ينتهي بوضعها داخل صندوق الاقتراع.
ودعا الناخب إلى مراجعة ضميره قبل منح صوته، وأن يتأكد من أنه لا يشارك في منح الشرعية لمن يعلم بعدم نزاهته أو عجزه أو إخلاله بمصالح المواطنين.
وذهب إلى أن الامتناع عن التصويت قد يكون، في بعض الحالات، أقل سوءاً من تقديم ما وصفه بـ«شهادة زور»، عندما يُمنح الصوت بناء على المال أو القرابة أو المصلحة أو الولاء الحزبي، مع إدراك الناخب أن المرشح لا يتوفر على الكفاءة أو النزاهة اللازمتين لتحمل المسؤولية.
كما شكك الكاتب في الخطاب المتكرر بشأن قدرة الصوت الانتخابي، بمفرده، على إحداث التغيير، معتبراً أن عقوداً من الانتخابات لم تفض إلى التحول المنتظر، وأن التغيير العميق قد يكون رهيناً بأجيال جديدة تعيد بناء علاقتها بالسياسة والمشاركة والمحاسبة.
تدوينة الكنبوري لا تقدم اتهامات محددة ضد أشخاص بأعيانهم، ولا تصدر أحكاماً قضائية، لكنها تضع احتراف السياسة أمام سؤال أخلاقي مباشر: هل تكفي شرعية الانتخابات وقانونية التعويضات لتبرير كل ما يراكمه السياسي من مال ونفوذ وامتيازات؟
وبين القانون الذي لا يدين من دون دليل، والأخلاق التي تسائل مصدر الثروة وكيفية أداء الأمانة، تظل ذمة السياسي، في منطق الكنبوري، مفتوحة على محاسبة لا تنتهي بمغادرة المنصب، ولا تسقط بصمت المؤسسات أو بتقادم الذاكرة.
