في عز المواجهة التي يخوضها المحامون مع القانون الجديد المنظم للمهنة، يبرز في الخلفية سلاح دستوري غير مسبوق بهذه الصيغة في التقاضي الدستوري المغربي، قادر على نقل المعركة من الاعتراض على قانون إلى الدفع بعدم دستورية أحد مقتضياته، بما قد ينتهي إلى نسخه بقرار من المحكمة الدستورية، غير أن المفارقة أن المشرع وضع هذا السلاح بين أيدي المتقاضين والمحامين ثم أجّل إمكانية استعماله لعامين كاملين.
الأمر يتعلق بالدفع بعدم دستورية قانون، وهو الحق الذي أقره دستور 2011 في الفصل 133، مانحاً المحكمة الدستورية صلاحية النظر في كل دفع يثيره أحد أطراف قضية ضد مقتضى قانوني يراد تطبيقه في النزاع، متى اعتبر الطرف المعني أن هذا المقتضى يمس بحق أو بحرية دستورية.
خمسة عشر عاماً تقريباً احتاجها هذا الحق الدستوري حتى يحصل على الإطار القانوني الذي يسمح بتحويله من قاعدة مكتوبة في الدستور إلى مسطرة قضائية مفصلة، بعدما صدر القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 7523 بتاريخ 6 يوليوز 2026، عقب مراقبة المحكمة الدستورية لمطابقته للدستور.
غير أن قراءة المادة الأخيرة من القانون تكشف مفاجأة ثقيلة: صدور النص لا يعني أن المغاربة يستطيعون استعمال هذا الحق اليوم.
المادة 31 حسمت الأمر بنص صريح يقضي بأن القانون التنظيمي لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد انصرام أربعة وعشرين شهراً ابتداء من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، وهو ما يعني عملياً أن آلية الدفع بعدم الدستورية لن تصبح قابلة للاستعمال وفق هذه المسطرة إلا ابتداء من يوليوز 2028.
وبذلك يكون حق دستوري أقر سنة 2011 قد انتظر نحو 15 عاماً حتى يصدر قانونه التنظيمي، قبل أن يضيف المشرع إلى هذا الانتظار سنتين أخريين تفصلان بين صدور القانون وإمكانية تشغيله فعلياً أمام المحاكم.
وتكتسب المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المحامين، لكن مع ضرورة تصحيح فكرة قانونية أساسية: الدفع بعدم الدستورية ليس حقاً ممنوحاً للمحامي بصفته المهنية أو لهيئات المحامين باعتبارها تنظيمات مهنية، وإنما هو حق لأحد أطراف دعوى قضائية يتضرر من تطبيق مقتضى تشريعي يراه ماساً بحق أو حرية دستورية.
المحامي، مع ذلك، يوجد في قلب الآلية الجديدة، لأن المادة 4 من القانون التنظيمي تشترط، تحت طائلة عدم القبول، أن يقدم الدفع في مذكرة مستقلة، وأن تكون موقعة من محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، باستثناء الدفع الذي تثيره النيابة العامة ومع مراعاة الاتفاقيات الدولية النافذة.
وهنا تحديداً قد يبدأ، بعد دخول القانون حيز التنفيذ، تحول عميق في طبيعة المنازعات التي يخوضها الدفاع داخل المحاكم.
فالمحامي لن يقتصر حينها على مناقشة مدى احترام القانون أو تفسيره، بل يمكنه، لفائدة موكله وتحت شروط محددة، أن ينقل النزاع إلى مستوى أعلى: هل القانون نفسه الذي يريد القاضي تطبيقه يحترم الدستور أصلاً.
المسطرة لا تسمح، مع ذلك، بتحويل المحاكم إلى فضاء للطعن المجرد في أي قانون لا يعجب أحد الأطراف. يجب أن يكون المقتضى التشريعي موضوع الدفع قد طُبق أو يراد تطبيقه في الدعوى أو المسطرة، أو أن يشكل أساساً للمتابعة، كما يجب تحديد الحق أو الحرية الدستورية التي يُدعى أن القانون خرقها أو انتهكها.
ولا يستطيع القاضي إثارة الدفع تلقائياً من تلقاء نفسه، إذ جعل القانون المبادرة مرتبطة بالطرف المعني، مع مراعاة وضع النيابة العامة باعتبارها طرفاً في الحالات التي يحددها القانون. وهذا يجعل جودة عمل الدفاع وطريقة بناء المذكرة الدستورية عنصراً حاسماً في فتح المسطرة من أساسها.
وتبدأ الرحلة أمام المحكمة التي تنظر في النزاع، والتي تتأكد من استيفاء الشروط الشكلية المنصوص عليها في المادة 4 داخل أجل أقصاه ثمانية أيام. وإذا قبلت إحالة الدفع، ينتقل الملف إلى محكمة النقض التي تتحقق، خصوصاً، من وجود صلة بين المقتضى التشريعي المطعون فيه والحق أو الحرية الدستورية موضوع الخرق، ومن عدم سبق التصريح بمطابقة المقتضى نفسه للدستور، إلا إذا تغيرت الأسس التي بني عليها قرار المطابقة.
وتمنح النصوص لمحكمة النقض أجلاً لا يتجاوز 15 يوماً لاتخاذ قرارها في الحالات المحددة، قبل إحالة الدفع المقبول إلى المحكمة الدستورية، التي يتعين عليها البت فيه داخل أجل 90 يوماً من تاريخ توصلها به أو من تاريخ إثارته أمامها في الحالات التي يسمح فيها القانون بذلك.
الأثر قد يكون بالغ القوة.
فإذا صرحت المحكمة الدستورية بعدم دستورية المقتضى التشريعي، يترتب عن قرارها نسخه ابتداء من التاريخ الذي تحدده المحكمة نفسها، تطبيقاً للفصل 134 من الدستور والمادة 27 من القانون التنظيمي. ولا يتعلق الأمر، بالتالي، بمجرد حكم يفيد طرفاً واحداً في قضية واحدة، بل بقرار يمكن أن يُخرج مقتضى تشريعياً من النظام القانوني المغربي.
وتعيد هذه الآلية النقاش حول قانون المحاماة رقم 66.23 إلى زاوية مختلفة تماماً.
فإذا دخل القانون التنظيمي 35.24 حيز التنفيذ في 2028، وأصبح مقتضى من قانون المحاماة أو من أي قانون آخر واجب التطبيق في نزاع قضائي، واعتبر أحد الأطراف أن تطبيقه يمس بحق أو حرية يحميها الدستور، سيكون من الممكن نظرياً فتح مسطرة الدفع بعدم دستوريته متى استوفيت الشروط القانونية.
لكن ذلك لا يعني أن قانون المحاماة يمكن إسقاطه اليوم بهذه الوسيلة، ولا أن مجرد اعتراض المحامين على بعض مقتضياته يسمح بإحالته مباشرة إلى المحكمة الدستورية. الدفع الذي صممه الفصل 133 هو دفع مرتبط بنزاع حقيقي وبمقتضى يراد تطبيقه على أحد أطرافه، وليس طعناً سياسياً أو مهنياً مجرداً في قانون صدر ودخل حيز التنفيذ.
لهذا تبدو المفارقة أكبر من مجرد تأخير تقني: المغرب وضع أخيراً المسطرة التي يمكن بواسطتها للمواطن أن يواجه القانون بالدستور من داخل قاعة المحكمة، لكن أول استعمال فعلي لهذه القوة الدستورية سيظل في الانتظار إلى غاية 2028.
وبالنسبة إلى المحامين، قد تكون السنتان المقبلتان فترة انتظار قانوني، لكنها أيضاً مهلة قبل انتقال جزء من معارك الدفاع من سؤال «كيف نطبق القانون؟» إلى سؤال أكثر حساسية داخل دولة القانون: هل القانون الذي سيطبق أصلاً دستوري؟
