رسم رشيد آيت بالعربي، المحامي بهيئة القنيطرة، خطاً فاصلاً داخل معركة قانون المحاماة، بين الاعتراض المهني والسياسي على النص وبين توظيف غضب أصحاب البذلة السوداء في مهاجمة مؤسسات الدولة ورموزها، بعدما وجّه رسالة شديدة اللهجة إلى من قال إنهم يحاولون استغلال احتجاجات المحامين وانتقاداتهم لتصفية حسابات لا علاقة لها بجوهر المعركة المهنية.
واعتبر آيت بالعربي، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، أن «معركة المحامين أشرف وأطهر من أن يستغلها المارقون ضد مؤسسات الدولة ورموزها»، مؤكداً أن الخلاف مع الحكومة والبرلمان بشأن القانون الجديد لم يكن، بالنسبة إلى المحامين، في أي لحظة بوابة للطعن في الدولة أو ثوابتها، ولا مبرراً لتحويل قضية مهنية إلى منصة لـ«القصف العشوائي» ضد مؤسسات البلاد.
التدوينة جاءت بعد ثمانية أشهر من المواجهة التي خاضتها هيئات المحامين ضد عدد من مقتضيات القانون الجديد المنظم للمهنة، وهي مواجهة يقول آيت بالعربي إن أصحاب البذلة السوداء خاضوها وهم متمسكون بالقانون والدستور ومبادئ المواطنة، يناقشون مؤسسات بلدهم ويجادلونها وينتقدونها، أحياناً بليونة وأحياناً بقسوة، لكن دون تجاوز ما وصفه بالخطوط الحمراء في النقاش.
ويضع آيت بالعربي هنا فاصلاً حاداً بين انتقاد المؤسسات من داخل الدولة وبين اتخاذ قضية المحامين ذريعة للهجوم عليها، مشدداً على أن المحامين المغاربة لم يكونوا يوماً في حاجة إلى من يتحدث باسمهم أو يحول تدويناتهم ومواقفهم إلى ذخيرة في معارك سياسية وشخصية لا علاقة لهم بها.
وقال، في واحدة من أقوى عبارات تدوينته، إن المحامين حين ينتقدون الحكومة أو البرلمان يفعلون ذلك «مرفوعي الرؤوس» ومن داخل بلدهم، معتبراً أنهم ليسوا مضطرين إلى مغادرة التراب الوطني حتى يعبروا عن آرائهم أو يوجهوا انتقاداتهم.
وأضاف أن تاريخ المحاماة المغربية يشهد على وجودها في الصفوف الأمامية للدفاع عن الحقوق والحريات والديمقراطية والوحدة الوطنية وثوابت البلاد، كما أن دفاعها عن حرية الرأي والتعبير كان، بحسبه، جزءاً من معركة أوسع حتى يتمكن المغاربة من ممارسة هذه الحرية بمسؤولية داخل الوطن وخارجه.
ولم يخف آيت بالعربي حدة غضبه ممن اتهمهم بـ«التلصص» على تدوينات المحامين وتحريف مضمونها، قبل إعادة توظيفها خارج سياقها. وقال، مخاطباً أحد منتقديه دون أن يسميه، إن من يريد تناول قانون المحاماة ومعركة أصحاب البذلة السوداء كان عليه أولاً أن يبحث ويفهم طبيعة الملف قبل إطلاق الأحكام، لأن الأمر يتعلق، بحسب تعبيره، بموضوع يحتاج إلى معرفة وتكوين قبل الخوض فيه.
ويؤكد المحامي أن نشر القانون في الجريدة الرسمية لا يعني نهاية المواجهة المهنية، قائلاً إن المحامين دافعوا عن استقلال مهنتهم وحصانتها قبل إخراج مشروع القانون وخلال مناقشته والتصويت عليه في البرلمان، «وسيستمرون في ذلك حتى بعد نشر هذا القانون في الجريدة الرسمية».
بهذا الموقف، يبعث آيت بالعربي برسالتين في اتجاهين مختلفين: الأولى إلى مؤسسات الدولة، مفادها أن المحامين سيواصلون الاعتراض على ما يعتبرونه مساساً باستقلال مهنتهم مهما بلغت حدة الخلاف؛ والثانية إلى كل من يحاول توظيف هذه المعركة خارج سياقها، مفادها أن اعتراض المحامين لا يمنح أحداً تفويضاً لاستعمال المحاماة في مواجهاته الخاصة مع مؤسسات الدولة.
وبلغة أكثر حدة، شدد على أن «المحاماة في المغرب أشرف وأطهر وأنقى من أن يتم تلويثها بكلام ساقط أو استعمالها لتصفية حسابات شخصية مع مؤسسات الدولة»، رافضاً أن تتحول مواقف المحامين وصورهم وتدويناتهم إلى مادة للإساءة إلى أي مغربي أو مؤسسة مغربية، فبالأحرى إذا تعلق الأمر برمز للمغاربة.
وتكشف تدوينة آيت بالعربي عن خط سياسي دقيق داخل معركة القانون الجديد: رفض النص أو انتقاد الحكومة لا يعني الاصطفاف ضد الدولة، والدفاع عن استقلال المحاماة لا يعني فتح الباب أمام من يريد توظيف غضب أصحاب البذلة السوداء لإسقاط معاركه الخاصة على مؤسسات البلاد.
رسالة يمكن اختصارها في معادلة واحدة: المحامون مستمرون في معركتهم، لكنهم يرفضون أن يركبها أحد.
