بقلم: الباز عبدالإله
تحول ملف القاصرين المغاربة غير المرافقين الموجودين في سبتة إلى واحدة من أعقد نقاط الاشتباك القانوني والسياسي بين الرباط ومدريد، بعدما أعلن وزير العدل عبد اللطيف وهبي استعداد المغرب للذهاب إلى حد إرسال حافلات لاسترجاعهم، في وقت شددت فيه النيابة العامة الإسبانية، في اليوم نفسه، على أن أي إعادة لا يمكن أن تتم بصورة مباشرة وفورية، وأن وضع كل طفل يجب أن يخضع لدراسة فردية تحدد مصلحته الفضلى.
وقال وهبي، في تصريح للقناة الثانية اليوم الجمعة 21 غشت 2026، إن المغرب يعتبر ملف القاصرين «أولوية قصوى»، وإن التواصل بشأنه مع الجانب الإسباني يجري عبر القنوات الرسمية، مؤكداً استعداد المملكة لاستعادة الأطفال المغاربة وإعادتهم إلى أسرهم وبلدهم، وتوفير الوسائل اللوجستية الضرورية لذلك، بما فيها إيفاد الحافلات.
لكن الاستعداد المغربي يصطدم بمعادلة قانونية إسبانية أكثر تعقيداً من مجرد توفير وسائل النقل.
فقد أكدت المدعية العامة الإسبانية المكلفة بالقاصرين، تيريزا غيسبرت، اليوم نفسه، أن إعادة الأطفال لا يمكن أن تكون «مباشرة وفورية»، وأن السلطات مطالبة أولاً بدراسة الوضع الشخصي والعائلي لكل قاصر، والاستماع إليه، والتحقق من ظروف أسرته في بلد الأصل، قبل تقرير ما إذا كانت عودته تنسجم مع مصلحته الفضلى ولا تعرضه لخطر انعدام الحماية.
وكشفت غيسبرت، في معطى يزيد الملف تعقيداً، أن القاصرين الذين جرى الاستماع إليهم حتى الآن لا يريدون العودة إلى المغرب، وإنما يرغبون في الانتقال إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
وأضافت أن النيابة لم تتلق، بحسب المعطيات التي قدمتها، طلبات من آباء أو أمهات يطالبون بإعادة أبنائهم إلى المغرب، بينما أبلغ بعض أولياء الأمور السلطات برغبتهم في استمرار استفادة أطفالهم من منظومة الحماية الإسبانية.
وهكذا تجد الرباط ومدريد نفسيهما أمام مسارين لا يتطابقان بالكامل: المغرب يقول إنه مستعد لاستقبال قاصريه وإنه يريد الوصول إلى حل نهائي للملف، بينما تفرض المنظومة القانونية الإسبانية المرور عبر تقييم مستقل لكل حالة، بما يعني أن إثبات الجنسية المغربية وحده لا يكفي لاتخاذ قرار الإعادة.
ويزداد المشهد تعقيداً مع تحرك الحكومة الإسبانية في اتجاه نقل جزء من هؤلاء القاصرين بعيداً عن سبتة، بعدما أعلن كاتب الدولة للشباب والطفولة، روبين بيريث كوريا، أن مدريد تأمل في بدء نقل نحو 500 فتاة قاصر إلى شبه الجزيرة خلال «أسابيع قليلة»، باعتبارهن من الفئات الأكثر هشاشة.
غير أن الحكومة الإسبانية أقرت، في الوقت نفسه، بأن المقترح العملي النهائي الخاص بهذه العملية لم يُرسل بعد إلى سلطات سبتة، التي تظل صاحبة الاختصاص القانوني في الوصاية على القاصرين الموجودين داخل المدينة.
وبذلك لم يعد السؤال فقط: هل المغرب مستعد لاستعادة القاصرين؟ بل أصبح أيضاً: من يملك قانونياً سلطة تقرير مصير كل طفل؟
المفوضية الأوروبية دخلت بدورها على خط الملف، وفتحت الباب أمام إمكانية إعادة القاصرين غير المرافقين إلى المغرب، مؤكدة أن قواعد الاتحاد الأوروبي لا تمنع العودة من حيث المبدأ.
لكن هذا الموقف لا يلغي الضمانات القانونية الفردية التي تفرضها القواعد الإسبانية والأوروبية المتعلقة بحماية القاصرين، وهو ما جعل منظمة «Save the Children» تشدد على أنه لا يمكن افتراض إعادة جميع الأطفال مسبقاً، وأن كل حالة تحتاج إلى تقييم مستقل يحدد الحل الأكثر انسجاماً مع مصلحة الطفل.
وبذلك تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: بروكسيل تقول إن العودة ممكنة قانونياً، والرباط تقول إنها مستعدة لاستقبال القاصرين، بينما تصر النيابة الإسبانية على أن الطريق إلى العودة يمر عبر ملف مستقل لكل طفل.
الملف يحمل أيضاً ثقلاً سياسياً يتجاوز قضية القاصرين.
فوهبي أعاد، في التصريح نفسه، فتح قضية سبتة ومليلية، مؤكداً تشبث المغرب بما يعتبره «حقوقه التاريخية والجغرافية» في المدينتين، ومشدداً على أن الرباط تريد إبقاء الملف ضمن الحوار المستمر مع مدريد.
غير أن هذا الخطاب المغربي يقابله موقف إسباني معلن أكثر صرامة، إذ أكدت مدريد، عقب تصريحات سابقة لوهبي خلال الأزمة الأخيرة، أن سيادتها على سبتة ومليلية ليست موضوعاً قابلاً للتفاوض، فيما شددت وزارة الخارجية الإسبانية ووزيرة الدفاع مارغريتا روبليس على رفض فتح نقاش حول سيادة المدينتين.
ويأتي هذا الاشتباك السياسي والقانوني بعد موجة العبور الكبيرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، والتي تركت أعداداً كبيرة من المهاجرين داخل المدينة، بينهم مئات القاصرين غير المرافقين، ودفعت إسبانيا والاتحاد الأوروبي والمغرب إلى البحث عن مخارج لأزمة تجاوزت سريعاً بعدها الأمني لتتحول إلى ملف إنساني وقانوني وسياسي.
المغرب يستند، من جهته، إلى سجل واسع في مكافحة الهجرة غير النظامية، إذ أحبطت السلطات، بحسب أرقام رسمية، 78,685 محاولة للهجرة السرية خلال سنة 2024، كما أنقذت 18,645 شخصاً في البحر خلال السنة نفسها.
غير أن أزمة سبتة الأخيرة قلبت جزءاً من النقاش رأساً على عقب.
فبعد سنوات كان السؤال الأوروبي موجهاً أساساً إلى المغرب بشأن منع المهاجرين من الوصول إلى الحدود، أصبح جزء من النقاش اليوم يتعلق بمن وصل بالفعل إلى سبتة، ومن يملك سلطة تقرير إعادته، وما إذا كان إعلان الرباط استعدادها لاسترجاع مواطنيها القاصرين كافياً لإنهاء الملف.
وهنا تظهر حدود الحل اللوجستي الذي عرضه وهبي.
الحافلات موجودة في العرض السياسي المغربي، لكن الطريق القانوني نحو ركوب القاصرين فيها يمر أولاً عبر ملفات فردية، والاستماع إلى كل طفل، وتقييم وضعه الشخصي والعائلي ومصلحته الفضلى، تحت إشراف مؤسسات حماية القاصرين والنيابة الإسبانية.
وبين رباط تقول «نحن مستعدون لاسترجاعهم»، وبروكسيل تعتبر العودة ممكنة من حيث المبدأ، ومدريد تتحرك لنقل مئات القاصرات إلى شبه الجزيرة، ونيابة عامة ترفض أي إعادة مباشرة قبل دراسة كل ملف، يبدو أن قضية الأطفال مرشحة لأن تتحول إلى واحد من أطول فصول أزمة سبتة، وليس إلى مجرد عملية نقل يمكن حسمها بإرسال الحافلات إلى الحدود.
