يضع الباحث عبد الفتاح الحيداوي يده على تحول سياسي واجتماعي بالغ الحساسية في المغرب، لا يرتبط فقط بارتفاع نبرة الانتقاد أو اتساع دائرة المطالب الاجتماعية، بل بما يعتبره تغيراً أعمق في الطريقة التي أصبح بها جزء من المجتمع ينظر إلى الدولة نفسها، وموقع المؤسسة الملكية ومركز القرار داخل معادلة المسؤولية السياسية.
وبحسب القراءة التي يقدمها الحيداوي، فإن التحول الأخطر لا يكمن في أن المغاربة أصبحوا أكثر جرأة في انتقاد الحكومة أو الأحزاب والبرلمان، وإنما في انتقال النقاش تدريجياً من مساءلة أداء المؤسسات الوسيطة إلى مساءلة بنية القرار نفسها، بما يجعل المواطن أكثر ميلاً إلى النظر إلى الدولة باعتبارها طرفاً سياسياً يمكن مناقشة اختياراته وتحميله المسؤولية عن النتائج، وليس مجرد إطار محايد تتطابق مصالحه تلقائياً مع مصالح المجتمع.
ويزداد هذا التحول حساسية، وفق الحيداوي، عندما يمتد النقاش إلى المؤسسة الملكية، بعدما أصبح جزء من الخطاب العام أكثر استعداداً لمناقشة موقع الملك والسياسات المرتبطة بمركز القرار، وربط بعض النتائج الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمؤسسة الملكية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولا يقرأ الحيداوي ذلك باعتباره مؤشراً آلياً على توجه المغرب نحو ثورة أو قطيعة وشيكة مع النظام، لكنه يعتبره تحولاً لا يمكن التعامل معه بخفة، لأنه يعكس تغيراً في حدود ما أصبح المواطن مستعداً لقوله ومناقشته علناً.
فالثقافة السياسية التي كانت، في مراحل سابقة، تميل إلى الفصل بين الملك وبين نتائج التدبير الحكومي، تواجه اليوم، بحسب تحليله، خطاباً أكثر استعداداً للربط بين مركز القرار الأعلى وبين حصيلة السياسات التي يشعر المواطن بآثارها في حياته اليومية.
هنا تحديداً تظهر، في نظر الحيداوي، المسألة الأكثر خطورة: اتساع المسافة الرمزية والسياسية بين المجتمع والدولة.
فاستقرار الدولة، وفق القراءة ذاتها، لا يصنعه القانون والمؤسسات والأجهزة وحدها، وإنما يقوم كذلك على الثقة والقبول الاجتماعي والاعتقاد بأن النظام السياسي قادر، ولو جزئياً، على الاستجابة لتطلعات الناس وتصحيح اختلالاته.
وحين تبدأ صورة الدولة داخل الوعي الجماعي في التحول من مؤسسة يفترض أنها تمثل المجتمع إلى كيان يقف في الجهة المقابلة منه، يصبح النقاش أكبر بكثير من احتجاج حول الأسعار أو البطالة أو الخدمات.
يقول الحيداوي، في جوهر تحليله، إن الخطورة تبدأ عندما تتحول المشكلات المتفرقة إلى سردية سياسية واحدة يقرأ المواطن من خلالها واقعه كله: غلاء المعيشة، البطالة، ضعف تكافؤ الفرص، تراجع الثقة في الأحزاب، الإحساس بالفارق بين الخطاب الرسمي والحياة اليومية، والشعور بأن المؤسسات التقليدية لم تعد قادرة على نقل المطالب أو إنتاج الحلول.
عندها، لا تعود كل أزمة مستقلة عن الأخرى.
فالاحتقان الجديد يستدعي الاحتقان القديم، والحدث الصغير يستحضر سلسلة طويلة من التجارب السابقة، إلى أن تتشكل ما يسميه الحيداوي «ذاكرة اجتماعية للاحتقان».
وهذه الذاكرة، في نظره، هي التي يمكن أن تجعل حدثاً محدوداً في حجمه المباشر يتحول إلى لحظة سياسية أكبر من أسبابه الأولى، لأن المجتمع لا يقرأه منفرداً، وإنما يضعه داخل سردية أوسع عن الظلم أو التهميش أو غياب العدالة وعدم المساواة.
لكن المفارقة التي يطرحها الحيداوي أن ارتفاع الوعي السياسي ليس خطراً في حد ذاته.
فالمواطن الأكثر وعياً بحقوقه، والأكثر قدرة على تحليل السياسات العمومية، قد يكون عاملاً لتحديث الدولة وتقوية مؤسساتها، إذا وجد أمامه قنوات حقيقية للمشاركة والمساءلة والاستجابة.
غير أن المواطن نفسه يصبح، في المقابل، أقل استعداداً لقبول الأجوبة العامة والخطابات غير المفسرة، وأكثر إصراراً على معرفة من قرر؟ ومن استفاد؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وما النتيجة التي حصل عليها المجتمع؟
ومن هنا تظهر الفجوة التي يعتبرها الحيداوي شديدة الحساسية: ارتفاع سقف وعي المواطنين وتوقعاتهم بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة.
وكلما اتسعت هذه الفجوة، تحول الوعي السياسي من رافعة محتملة للإصلاح إلى مصدر ضغط دائم على النظام السياسي.
أما السيناريو الأكثر خطورة، وفق التحليل ذاته، فهو انتقال الخطاب من مطالبة الدولة بأن تؤدي وظائفها بشكل أفضل إلى إعادة تعريف الدولة نفسها بوصفها «الآخر» المقابل للمجتمع.
عند هذه النقطة، لا تبقى المشكلة مرتبطة فقط بسياسة حكومية يمكن تغييرها، أو وزير يمكن إعفاؤه، أو برنامج اجتماعي يمكن تعديله، وإنما تصبح العلاقة السياسية والوجدانية بين المواطن ومؤسسات الدولة نفسها موضوعاً للسؤال.
وهنا يحذر الحيداوي من أن القطيعة الأخطر ليست بالضرورة قطيعة سياسية معلنة، بل قطيعة نفسية ورمزية تتآكل خلالها الثقة تدريجياً، حتى تصبح المؤسسات أقل قدرة على إقناع المجتمع بأن أبواب الإصلاح من داخل النظام ما تزال مفتوحة.
لذلك، يرى أن الرهان الحقيقي أمام الدولة المغربية لا ينبغي أن ينحصر في احتواء الاحتجاجات أو مواجهة الأصوات المعارضة، وإنما في منع تحول المسافة السياسية إلى مسافة وجدانية دائمة.
فالاستقرار، بحسب هذا المنظور، لا يعني غياب الاحتجاج، بل وجود مؤسسات تستطيع تحويله إلى حوار، وتحويل المطالب إلى قرارات وسياسات، والاختلاف إلى ممارسة طبيعية داخل النظام السياسي.
أما عندما تفقد الأحزاب والمؤسسات المنتخبة والوسائط التقليدية قدرتها على أداء هذا الدور، فإن المجتمع يبدأ تلقائياً في البحث عن منافذ أخرى للتعبير، بينما تصبح الأزمات المتراكمة أكثر قابلية لإنتاج لحظات سياسية يصعب توقع توقيتها أو شكلها.
ويخلص الحيداوي إلى أن المغرب لا يقف بالضرورة أمام «مشروع ثوري جاهز»، بقدر ما يقف أمام تحول أعمق في الوعي السياسي بالعلاقة بين الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن السؤال، في نظره، ليس كم ارتفع سقف النقد، بل إلى أي حد بقيت الثقة قائمة.
فالأنظمة السياسية تستطيع التعايش مع النقد والاحتجاج والاختلاف، لكنها تواجه مأزقاً أكثر تعقيداً عندما يترسخ لدى قطاعات من المجتمع الاعتقاد بأن مؤسسات الدولة لم تعد تمثلهم أو تستمع إليهم أو تستجيب لمطالبهم.
الخطر، وفق خلاصة الحيداوي، ليس في أن ينتقد المواطن الدولة… بل في أن يبدأ في النظر إليها باعتبارها شيئاً منفصلاً عنه.
وحين تصل العلاقة إلى هذه النقطة، يصبح الإصلاح والحوار واستعادة فعالية المؤسسات أكثر من مجرد خيارات سياسية؛ تتحول إلى شروط مباشرة لمنع «المسافة» بين الدولة والمجتمع من أن تصبح قطيعة يصعب ترميمها.
