بقلم: الباز عبدالإله
بينما دخل المغرب فعلياً المرحلة المؤدية إلى الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تكشف معطيات منشورة بشأن طلبات عروض أطلقتها قطاعات تابعة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يقودها محمد المهدي بنسعيد، عن تزامن لافت بين الأسابيع الأخيرة من الولاية الحكومية وبرمجة عدد من المساطر التعاقدية، بينها عملية حُدد آخر أجل لها في اليوم الأخير من الحملة الانتخابية.
المعطيات المتاحة تكشف أن قطاع التواصل أطلق طلب العروض المفتوح رقم 05/2026 لتنظيم الدورة الرابعة والعشرين للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة، بكلفة تقديرية تبلغ نحو 3 ملايين و190 ألف درهم، فيما حُدد يوم 17 شتنبر 2026 لفتح العروض، أي وسط الحملة الانتخابية وقبل ستة أيام فقط من توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
ولا يقف التقاطع بين أجندة طلبات العروض والأجندة الانتخابية عند هذا الحد.
طلب عروض آخر يحمل رقم 02/2026، أطلقه قطاع التواصل لاقتناء اللوازم المكتبية والمستهلكات المعلوماتية في حصتين منفصلتين، حُدد آخر أجل لإيداع عروضه يوم الثلاثاء 22 شتنبر 2026 على الساعة الحادية عشرة صباحاً.
والمفارقة أن هذا التاريخ يصادف اليوم الأخير من الحملة الانتخابية، قبل فتح مكاتب التصويت لاختيار أعضاء مجلس النواب في اليوم الموالي، الأربعاء 23 شتنبر.
وبالتوازي مع ذلك، أطلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل طلب العروض رقم 06/DAAF/FNAC/2026 المتعلق بتصميم وإنجاز وتنفيذ سلسلة عروض باستعمال 800 طائرة مسيرة مضيئة بالعاصمة الرباط، خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 8 شتنبر، وحددت كلفته التقديرية في نحو 5 ملايين و320 ألف درهم، على أن يكون 28 غشت آخر أجل لتقديم العروض.
وبجمع القيمتين التقديريتين المعلنتين فقط لطلب الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة وعروض الطائرات المسيرة، يصل المبلغ إلى أكثر من 8.51 ملايين درهم، أي ما يفوق 851 مليون سنتيم، دون احتساب طلب شراء اللوازم المكتبية والمستهلكات المعلوماتية الذي لا تظهر قيمته التقديرية ضمن البيانات المفتوحة التي جرى الاطلاع عليها.
الأرقام في حد ذاتها لا تثبت وجود مخالفة، كما أن إطلاق طلب عرض لا يعني أن المبلغ صُرف أو أن الصفقة أُسندت بالفعل.
غير أن السؤال الذي تضعه روزنامة وزارة بنسعيد على الطاولة يتعلق أساساً بالتوقيت: ما الذي يبرر برمجة فتح عروض وتلقي ملفات تعاقدية خلال الأسابيع الأخيرة من الولاية الحكومية وقبيل الاستحقاق التشريعي، في وقت يتزامن فيه أحد هذه المواعيد مع اليوم الأخير من الحملة الانتخابية؟
وتزداد حساسية التوقيت بالنظر إلى دخول البلاد المرحلة المؤدية إلى الاقتراع، فيما حددت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لأغراض تأطير التعددية في الخدمات السمعية البصرية، فترة انتخابية تمتد من 15 غشت إلى 22 شتنبر 2026، على أن تنطلق الحملة الانتخابية الرسمية يوم 10 شتنبر وتنتهي منتصف ليلة 22 شتنبر.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في حق الإدارة في ضمان استمرارية المرفق العام، ولا بإصدار حكم مسبق على قانونية هذه المساطر، وإنما بحق الرأي العام في معرفة سبب اختيار هذه المواعيد تحديداً، وما إذا كانت الحاجات موضوع طلبات العروض تفرض فعلاً هذه البرمجة في ظرف انتخابي شديد الحساسية، وما هي آجال تنفيذ الالتزامات التي قد تنشأ عنها.
وزارة بنسعيد قد تكون أمام إجراءات إدارية عادية من الناحية المسطرية، لكن عندما يصبح 17 شتنبر موعداً لفتح عروض بأكثر من 3 ملايين درهم، و22 شتنبر موعداً لإغلاق طلب آخر، و23 شتنبر موعداً للانتخابات، فإن التوقيت نفسه يتحول إلى معطى إخباري يستحق التفسير.
والسؤال هنا لا يحتاج إلى تأويلات سياسية بقدر ما يحتاج إلى توضيح رسمي مباشر: لماذا اختارت وزارة الشباب والثقافة والتواصل هذه الفترة بالذات لبرمجة هذه العمليات؟ وهل كان بالإمكان إطلاق بعضها في وقت أبكر، أو تأجيل ما لا يكتسي طابع الاستعجال إلى ما بعد اتضاح ملامح المرحلة الحكومية المقبلة؟
