لم يقدم عبد الرحيم بوعيدة خروجه من حزب الاستقلال باعتباره مجرد رد فعل على ضياع تزكية انتخابية، بل اختار أن يضع قراره داخل سياق سياسي أشد حساسية: ثمن انتقاد الحكومة من داخل حزب يشارك فيها.
وفي فيديو نشره عبر صفحته على «فيسبوك»، خرج بوعيدة بخطاب غير معتاد في موسم توزيع التزكيات، قائلاً بوضوح: «أنا اليوم كنخلص ثمن الهضرة اللي كنت كنقول، وثمن المواقف اللي اتخذت، وثمن الانتقاد اللي وجهت للحكومة من حزب مشارك فيها».
بهذه العبارة، نقل النائب البرلماني والرئيس السابق لجهة كلميم واد نون النقاش من سؤال: من حصل على التزكية؟ إلى سؤال سياسي أكثر إحراجاً لحزب الاستقلال وقيادته: كم تبلغ كلفة أن يكون البرلماني عضواً في الأغلبية لكنه يرفض الصمت عن اختيارات حكومتها؟
بوعيدة استحضر مداخلاته داخل البرلمان وانتقاداته للحكومة، وقال إنه كان يدرك أن هذه اللحظة قد تأتي، خصوصاً عندما يختار السياسي، وفق تعبيره، ألا يقرأ «الورقة اللي كيجيبو ليه»، وأن يقول «لا» داخل حزب يحتاج إلى الانضباط.
وكانت أقسى رسائله تلك التي وجهها إلى الطريقة التي تُفهم بها الحياة الحزبية، عندما قال إن بعض الأحزاب «كيبغوك تكون حاضر في المقرات ولكن غايب في المواقف»، مضيفاً بعبارة أكثر مباشرة: «تصفق ماشي تعارض.. دافع على القرار ماشي على المواطن».
الرسالة هنا تتجاوز عبد الرحيم بوعيدة نفسه. فإذا كان نائب ينتمي إلى حزب مشارك في الحكومة يعتبر أن انتقاد الحكومة ساهم في إبعاده عن حسابات التزكية، فإن القضية تتحول تلقائياً إلى نقاش حول حدود استقلالية البرلماني داخل أحزاب الأغلبية: هل يمثل الناخبين أولاً، أم يصبح ملزماً بالدفاع عن كل اختيارات الحكومة التي يشارك حزبه فيها؟
بوعيدة لم يتهم قيادة الحزب بشكل مباشر بمعاقبته، لكنه ترك السؤال مفتوحاً بطريقة سياسية محسوبة.
فبعدما أكد أن من حق القيادة اختيار مرشحيها، عاد ليسأل عن «المعيار السياسي» الذي أدى إلى اختيار شخص آخر مكانه، قبل أن يطرح السؤال الذي يلخص مضمون خرجته: «واش المشكل فالكفاءة ديالي، ولا فالمسار ديالي، ولا فواحد الشخص ما بغاش يسكت؟».
وهنا يصبح قرار التزكية أكثر من مجرد ترتيب انتخابي داخلي.
فبوعيدة يضع الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، ولو ضمنياً، أمام معادلة سياسية واضحة: نائب اختار خلال الولاية أن يحتفظ بمسافة نقدية من الحكومة التي يشارك فيها حزبه، ثم وجد نفسه خارج الاختيار الانتخابي للحزب.
وزاد بوعيدة من حدة السؤال عندما قال إن الشخص الذي وقع عليه الاختيار بدلاً منه «متابع قضائياً»، وهي معطيات أوردها في الفيديو ضمن دفاعه عن موقفه وتساؤله عن المعايير التي حكمت الاختيار، ليعيد إلى الواجهة أسئلة الموقف والكفاءة والانضباط والحساب الانتخابي في توزيع التزكيات.
ولم يخف بوعيدة أنه كان قادراً على اختيار الطريق الأسهل؛ البقاء داخل الحزب وانتظار وعود أو ترتيبات أخرى.
لكنه قال إنه رفض أن تتحول السياسة بالنسبة إليه إلى البحث عن منصب أو تزكية، معلناً موقفاً شديد الوضوح: «مفضلني نخسر التزكية على أنني نخسر راسي ونخسر مواقفي».
وهذه العبارة تختصر الرواية السياسية التي يقدم بها بوعيدة خروجه، باعتباره نتيجة لمسار من المواقف والانتقادات، وليس مجرد رد فعل على عدم حصوله على التزكية.
وفي مقابل رواية بوعيدة، قدم علال العمراوي، رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، رواية مختلفة. وقال العمراوي، في تصريح للقناة الثانية، إن بوعيدة كان يتمتع بحرية التعبير عن مواقفه داخل الحزب، وإنه لم يتعرض لأي تضييق بسبب آرائه، وهي رواية تضع الملف أمام قراءتين مختلفتين لخلفيات الخروج من حزب الاستقلال.
ومن هذه الزاوية، لا تقف استقالة بوعيدة من حزب الاستقلال عند حدود تدبير أحد ملفاته الانتخابية، بل تفتح نقاشاً أوسع حول موقع الحزب داخل الأغلبية الحكومية نفسها. فالاستقلال يقدم نفسه كحزب ذي هوية سياسية وتاريخ تنظيمي مستقل، لكنه يشارك منذ 2021 في حكومة يقودها التجمع الوطني للأحرار، ما يجعل خروج صوت استقلالي منتقد للحكومة بهذه الطريقة مادة سياسية يصعب اختزالها في نزاع شخصي حول التزكية.
بوعيدة حرص، في المقابل، على ترك باب الاحترام مفتوحاً أمام قواعد الحزب ومناضليه، مؤكداً أنه يغادر «بلا حقد» وبلا إساءة إلى الأشخاص الذين اشتغل معهم، لكنه حسم في المقابل أنه لم يعد يرى نفسه داخل الاختيار السياسي الحالي.
والأهم أن الرجل لم يغلق الباب وراءه سياسياً، فحين وصل إلى سؤال وجهته المقبلة، رفض الكشف عن خطوته التالية، قائلاً إن القرار أكبر من أن يمنحه جواباً متسرعاً، قبل أن يترك جملة قد تكون بداية فصل سياسي جديد: «هذه الاستقالة ماشي نهاية المسار السياسي ديالي.. هي نهاية مرحلة، وربما بداية مرحلة جديدة».
وبذلك، لا يطوي بوعيدة مجرد خلاف حول تزكية انتخابية، بل يترك خلفه سؤالاً أكثر إحراجاً لحزب الاستقلال وهو يدخل الاستحقاقات المقبلة: إلى أي حد يمكن لنائب من الأغلبية أن ينتقد حكومتها، ويحتفظ بمسافة نقدية من اختياراتها، ثم يحتفظ في الوقت نفسه بموقعه داخل الحسابات الانتخابية للحزب؟
