عاد فوزي لقجع إلى ملف أسعار اللحوم من بوابة السياسة، لكن تصريحه الجديد أعاد إلى الواجهة مساراً يمتد منذ 2024، كان خلاله الوزير المنتدب المكلف بالميزانية جزءاً من قرارات حكومية مرتبطة بدعم استيراد الأغنام، ووقف استيفاء رسوم الاستيراد، وإعادة تكوين القطيع، قبل أن يعود اليوم للحديث عن وصول ثمن اللحم إلى 150 و160 درهماً.
وقال لقجع، الخميس 27 غشت 2026، خلال لقاء لحزب الأصالة والمعاصرة بجماعة أولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح: «ما يمكنش نخليو المغاربة يمشيو يشريو اللحم بـ150 ولا 160 درهم»، قبل أن يصف من حوّلوا فرحة الأسر خلال عيد الأضحى إلى قلق بسبب غلاء اللحوم بـ«الإرهابيين الحقيقيين»، معلناً أن القدرة الشرائية للمغاربة ستكون من أولويات المرحلة المقبلة.
لكن أزمة اللحوم لم تكن جديدة على لقجع.
يوم 31 أكتوبر 2024، كان المسؤول الحكومي نفسه داخل لجنة المالية بمجلس النواب يدافع عن تدخل الحكومة لمواجهة الخصاص عبر دعم استيراد الأغنام بمبلغ 500 درهم عن كل رأس.
وأقر لقجع آنذاك بأن الإجراء لم يحقق النتيجة المنتظرة، مؤكداً أن الهدف من الدعم «لم يكن إغناء فلان وفلان»، قبل أن يتحدث عن النتيجة المسجلة «رغم هذه المجهودات الجبارة مالياً».
كان ذلك إقراراً واضحاً بأن المال العمومي تحرك لدعم الاستيراد، لكن أثر التدخل الحكومي لم يصل إلى الأسعار بالشكل الذي كان ينتظره المستهلك.
ولم يكن لقجع يتحدث عن الملف من خارج دائرة القرار، فقد كان الوزير المكلف بالميزانية خلال مرحلة اتخذت فيها الحكومة إجراءات مالية وجمركية متتالية لتسهيل استيراد الأغنام والأبقار واللحوم ومحاولة تخفيف الضغط على السوق الوطنية.
وبعد أسابيع قليلة من إقراره بمحدودية نتائج دعم الاستيراد، انتقل لقجع إلى وصفة أخرى تقوم على إعادة بناء القطيع الوطني من الداخل.
قال يوم 12 نونبر 2024 إن الأولوية ينبغي أن تنصب على استعادة القطيع لعافيته بعد سنوات الجفاف، مضيفاً بوضوح: «لا يجب ذبح الإناث من الأغنام والأبقار»، مع التشديد على مواصلة دعم الأعلاف وتحسين ظروف المربين إلى حين استعادة القطيع قدرته على تلبية حاجيات السوق.
وأصبح التشخيص أكثر وضوحاً خلال يناير 2025، عندما ربط لقجع استمرار غلاء اللحوم بعدم إعادة تشكيل القطيع الوطني، معتبراً أن الحفاظ على النعاج القادرة على التوالد يمثل أساساً ضرورياً لتجديد الثروة الحيوانية، ومشدداً على ضرورة الكف عن ذبحها.
كانت الوصفة المعلنة، بهذا المعنى، واضحة: الحفاظ على الإناث، ودعم الأعلاف، وإعادة تكوين القطيع، مع اللجوء إلى الاستيراد كإجراء انتقالي لتغطية الخصاص.
ولم تبق هذه التوجهات في حدود التصريحات.
أطلقت الحكومة لاحقاً برامج لترقيم إناث الماشية ومراقبة الاحتفاظ بها، وربطت ذلك بدعم مباشر للمربين، مع تخصيص منحة تصل إلى 400 درهم عن كل أنثى من الأغنام و300 درهم عن كل أنثى من الماعز الموجهة للتكاثر، على أن يرتبط جزء من الدعم بالتحقق من استمرار الاحتفاظ بهذه الإناث وعدم ذبحها.
ورُصدت كذلك اعتمادات لدعم الأعلاف ومواكبة المربين والحفاظ على القطيع، ضمن برنامج أوسع لإعادة تكوين الثروة الحيوانية بعد سنوات الجفاف والتراجع المسجل في أعداد رؤوس الماشية.
لاحقاً، بدأت الحكومة تعلن عن نتائج هذه السياسة.
وقالت وزارة الفلاحة، يوم 14 ماي 2026، إن برنامج إعادة تكوين القطيع، إلى جانب تحسن الظروف المناخية وارتفاع الولادات، ساهم في استعادة توازن القطيع الوطني، الذي أصبح يناهز، بحسب الأرقام الرسمية المعلنة، 40 مليون رأس.
وأعلنت الوزارة أيضاً أن عرض الأغنام والماعز المخصصة لعيد الأضحى تراوح بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب مقدر بما بين 6 و7 ملايين رأس، أي إن العرض المخصص لهذه المناسبة، وفق المعطيات الحكومية نفسها، أصبح أكبر من الطلب.
وهنا يأخذ تصريح لقجع الجديد ثقلاً سياسياً مختلفاً.
فالمسؤول نفسه تحدث سنة 2024 عن «مجهودات جبارة مالياً»، وأقر بأن إحدى وصفات الدعم لم تأت بالنتيجة المنتظرة، ثم دعا إلى عدم ذبح الإناث وإعادة تكوين القطيع ودعم الأعلاف.
وتحولت هذه التوجهات لاحقاً إلى برامج رسمية، ودعم مباشر، وترقيم للإناث، واعتمادات مالية كبيرة، قبل أن تعلن الحكومة أن القطيع استعاد توازنه.
لكن لقجع يعود اليوم ليقول إن شراء المغاربة للحم بـ150 أو 160 درهماً وضع لا يمكن القبول به، ويتحدث عن «الإرهابيين الحقيقيين» الذين أفسدوا فرحة الأسر بسبب الغلاء.
وهنا يصبح السؤال أكبر من ثمن كيلوغرام من اللحم.
إذا كان القطيع قد استعاد توازنه بحسب وزارة الفلاحة، وإذا تحركت برامج الدعم للحفاظ على الإناث ودعم الأعلاف والمربين، وإذا كانت الحكومة قد أعلنت وفرة في عرض الأغنام والماعز الموجهة لعيد الأضحى، فلماذا بقي السعر النهائي قادراً على بلوغ المستويات التي يشتكي منها لقجع نفسه؟
ومن يقصد المسؤول الحكومي تحديداً بعبارة «الإرهابيين الحقيقيين»؟
هل يوجد الخلل عند المنتج، أم في حلقات الوساطة والتوزيع، أم في تكلفة الإنتاج، أم في المسافة بين الضيعة والمجزرة والجزار؟
أم أن السياسة الحكومية استطاعت إعادة بناء أعداد القطيع، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في ضمان انتقال أثر تلك السياسة إلى جيب المستهلك؟
طرح هذه الأسئلة يصبح أكثر مشروعية عندما تصدر الشكوى من وزير كان حاضراً داخل دائرة القرار المالي طوال المراحل التي عرفها الملف.
فالمواطن لا يشتري عدد رؤوس القطيع المعلن عنها في البلاغات الرسمية، ولا يضع رقم 40 مليون رأس في ثلاجته.
المعيار الذي يلمسه مباشرة هو الثمن الذي يجده عند الجزار.
ولهذا، عندما ينتقل لقجع من الحديث عن «مجهودات جبارة مالياً» سنة 2024 إلى الحديث عن لحم بـ160 درهماً و«إرهابيين حقيقيين» سنة 2026، فإن السؤال لم يعد فقط: من رفع أسعار اللحوم؟
السؤال أصبح أيضاً: ماذا أنتجت كل تلك الأموال والقرارات، ومن يقدم للمغاربة حصيلة الطريق الممتد من دعم الاستيراد إلى دعم الاحتفاظ بالنعاج قبل أن تبدأ وعود «المستقبل»؟
