بقلم: الباز عبدالإله
تحولت الخلافات الانتخابية بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة إلى مواجهة علنية بالأسماء والأرقام، بعدما اتهم الأول شريكه في الأغلبية الحكومية باستمالة برلمانيين ومنتخبين وقيادات، قبل أن يرد عليه «البام» باستحضار ما جرى خلال انتخابات 2021، واضعاً أمامه رقماً ثقيلاً: أكثر من 17 برلمانياً سابقاً جرى ترشيحهم آنذاك بألوان الأحرار، بينهم ستة كانوا ينتمون إلى الأصالة والمعاصرة.
بدأ التصعيد يوم 25 غشت 2026، عندما أعلن المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار أن عدداً من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته الترابية تعرضوا، بحسب روايته، لـ«استمالات وضغوط» من طرف حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن الأمر تجاوز حدود التنافس السياسي الطبيعي وأصبح يمس بقواعد المنافسة الديمقراطية.
ولم يكتف الأحرار بصياغة اتهام عام، بل أدرج موقع الحزب الرسمي ثمانية أسماء ضمن الحالات التي أثارها، ويتعلق الأمر بعبد الحي حرطون، ومحمد الجماني، وزينب السيمو، وعثمان بادل، ومنال بادل، وبشرى الوردي، وعبد الحفيظ المكوتي، وعبد القادر الحضوري. كما قال الحزب إن محاولات الاستمالة امتدت إلى عضو في مكتبه السياسي، دون الكشف عن هويته.
الأحرار ذهب أبعد من ذلك، إذ اعتبر أن تعدد الحالات وتواترها وتقارب الأساليب، وفق توصيفه، لم يعد يسمح باعتبار ما يجري انتقالات فردية معزولة، مؤكداً في المقابل أنه «لن يُستدرج إلى الأساليب نفسها» وأنه سيخوض الانتخابات مستنداً إلى حصيلته وبرنامجه وتنظيمه.
لكن جواب الأصالة والمعاصرة، الصادر في 26 غشت، نقل المعركة من حاضر 2026 إلى أرشيف انتخابات 2021.
الحزب نفى «نفياً قاطعاً» ممارسة أي ضغط أو إكراه على منتخبين للانضمام إليه، واعتبر الاتهامات الصادرة عن الأحرار «باطلة»، مؤكداً أن تعزيز صفوفه يتم، بحسب روايته، بواسطة «الحوار والإقناع» واحترام حرية الاختيار والانتماء.
ثم أخرج البام الرقم الذي قلب اتجاه السجال.
بحسب البلاغ الرسمي للحزب، رشح التجمع الوطني للأحرار خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2021 ما يفوق 17 برلمانياً كانوا ينتمون سابقاً إلى خمسة أحزاب سياسية مختلفة، بينهم ستة برلمانيين كانوا ينتمون إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فضلاً عن «عشرات المنتخبين» في مجالس الجماعات الترابية ومجلس المستشارين.
واللافت أن البام لم يقدم في بلاغه لائحة أسماء هؤلاء الـ17، لذلك يبقى الرقم، إلى حدود المعطيات المنشورة، معطى يورده الحزب في سياق رده السياسي على الأحرار.
وهنا تصبح المفارقة رقمية قبل أن تكون خطابية: الأحرار يحتج في 2026 على ثمانية أسماء أوردها موقعه الرسمي وعلى محاولة قال إنها طالت عضواً بمكتبه السياسي، بينما يواجهه البام بسابقة يقول إنها شملت قبل خمس سنوات أكثر من 17 برلمانياً من خمسة أحزاب، ستة منهم من صفوفه.
ورد الأصالة والمعاصرة حمل كذلك رسالة سياسية مباشرة لشريكه الحكومي، إذ أعلن أنه «لن يقبل دروساً من أي طرف» في احترام القانون وقواعد العمل السياسي والمؤسساتي، مؤكداً في الوقت نفسه أن أبوابه ستبقى مفتوحة أمام من يختار الانضمام إليه بحرية.
غير أن عبارة «حرية الاختيار» ليست وحدها التي تحكم وضعية المنتخبين أثناء استمرار انتدابهم.
ويضع الفصل 61 من الدستور حدوداً قانونية واضحة للترحال أثناء مدة الانتداب، إذ ينص على تجريد عضو البرلمان الذي يتخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، على أن تصرح المحكمة الدستورية بشغور المقعد وفق المسطرة القانونية الجاري بها العمل.
وهكذا تدخل المعركة بين الحزبين منطقة أكثر حساسية من مجرد «انتقالات» حزبية: من غادر فعلاً؟ من لا يزال يحمل صفة انتخابية باسم حزبه الأول؟ ومن يتحدث فقط عن ترشيح مستقبلي بعد انتهاء الانتداب؟ وهي أسئلة قانونية لا يحسمها بلاغ سياسي ولا اتهام إعلامي، بل الوقائع والمساطر والمؤسسات المختصة.
المفارقة الأكبر أن هذه الحرب لا تدور بين أغلبية ومعارضة، بل بين حزبين شكلا مع حزب الاستقلال العمود الفقري للأغلبية الحكومية خلال الولاية الحالية، قبل أن تتحول أسابيع ما قبل الانتخابات إلى تبادل علني للاتهامات حول المنتخبين والترشيحات.
أمام المغاربة الآن روايتان رسميتان: الأحرار يقول إن البام يستهدف منتخبيه بالاستمالة والضغط، والبام ينفي ويضع أمام الأحرار سجل 2021 ورقم «أكثر من 17 برلمانياً».
وبين 8 أسماء معلنة في 2026 وأكثر من 17 برلمانياً يستحضرهم البام من انتخابات 2021، لم يعد النقاش فقط حول من انتقل إلى من، بل حول قاعدة سياسية أكثر إحراجاً للطرفين: هل يصبح انتقال المنتخبين «حرية اختيار» عندما يستفيد منه الحزب، ويتحول إلى «استمالة تمس أخلاقيات التنافس» عندما يخسرهم؟
