بقلم: الباز عبدالإله
تكشف معطيات نمساوية رسمية حديثة أن 32% من المشاركين في مسح أُنجز بالدار البيضاء ومراكش وطنجة يستطيعون الوصول إلى علاجات طبية متقدمة، من قبيل العمليات الجراحية وعلاج السرطان، لكنهم لا يملكون القدرة على تحمل كلفتها.
الرقم ورد ضمن تقرير Morocco: Socio-Economic Survey 2026 الصادر عن وحدة معلومات بلدان المنشأ التابعة للمكتب الاتحادي النمساوي للهجرة واللجوء «BFA»، والمنشور بتاريخ 13 يوليوز 2026.
ولا يتعلق الأمر بمسح يمثل مجموع المغاربة، إذ شمل 600 مشارك تتراوح أعمارهم بين 16 و35 سنة، موزعين بين 203 أشخاص بالدار البيضاء و209 بمراكش و188 بطنجة، وجُمعت المعطيات عبر مقابلات هاتفية بين 9 يناير و25 مارس 2026.
ويؤكد التقرير نفسه أن نتائج المسح ممثلة على مستوى الأسر وليس على المستوى الفردي، وهو قيد منهجي يمنع تعميم نسبه مباشرة على جميع السكان المغاربة.
لكن قراءة تفاصيل الولوج إلى العلاج تكشف أن حاجز الكلفة لا يظهر عند طبيب الأسرة فقط.
فإلى جانب 32% ممن يمكنهم الوصول إلى العلاجات المتقدمة لكن لا يستطيعون تحمل تكلفتها، قال 27% إنهم يستطيعون الوصول إلى طبيب متخصص، مثل طبيب الأسنان أو العيون أو الأطفال، لكنهم لا يستطيعون دفع كلفة الزيارة.
ووصلت النسبة إلى 29% بالنسبة إلى الفحوص والتشخيصات الطبية، من مختبرات وأشعة، بينما قال 18% إن الأدوية متاحة لهم لكنهم غير قادرين على تحمل ثمنها، وبلغت النسبة 14% بالنسبة إلى اللقاحات.
أما بالنسبة إلى الرعاية الطبية الأساسية وطبيب الأسرة، فأفاد 78% بأنهم يستطيعون الوصول إليها وتحمل تكلفة الزيارة، مقابل 17% يستطيعون الوصول إلى الطبيب لكن لا يستطيعون دفع الكلفة، و4% لا تتوفر لهم إمكانية الوصول، فيما لم يقدم 1% جواباً.
وتكشف المقارنة مع مسح سنة 2025 عن تحسن واضح في هذا الجانب، إذ كانت نسبة القادرين على الوصول إلى طبيب الأسرة وتحمل كلفته عند 62%، بينما كان 23% يصلون إلى الطبيب دون القدرة على دفع تكلفة الزيارة.
أي أن نسبة من يستطيعون تحمل الرعاية الأساسية ارتفعت من 62% إلى 78%، فيما تراجعت نسبة العاجزين عن تحمل كلفة طبيب الأسرة من 23% إلى 17%.
غير أن الصورة تصبح أكثر تعقيداً كلما ارتفعت كلفة العلاج، إذ لا يستطيع سوى 39% من المشاركين الوصول إلى العلاجات المتقدمة وتحمل تكلفتها، مقابل 32% يصلون إليها دون القدرة على الدفع، و10% لا يستطيعون الوصول إليها أصلاً، فيما لم يجب 19%.
وتضع هذه المعطيات مسألة إصلاح المنظومة الصحية أمام معيار يتجاوز وجود البنيات الصحية أو التسجيل في أنظمة التغطية، إلى سؤال القدرة الفعلية على أداء تكاليف العلاج عندما يتعلق الأمر بالاختصاصيين والتحاليل والجراحة والأمراض ذات الكلفة المرتفعة.
وكانت الحكومة قد أكدت، خلال اجتماع لجنة قيادة إصلاح المنظومة الصحية في أبريل 2026، أنها تعمل على إرساء منظومة صحية «فعالة ومستدامة ومنصفة» تضمن الولوج العادل إلى الخدمات الصحية، معلنة استكمال برنامج تأهيل 1400 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية والانطلاق في برنامج جديد لإعادة تأهيل 1600 مركز إضافي.
لذلك لا تختزل محاسبة حصيلة القطاع في عدد المستفيدين أو المنشآت المؤهلة أو المواطنين المشمولين بالتغطية الصحية، بل تمتد إلى سؤال أكثر ارتباطاً بحياة الأسر: كم مواطناً يستطيع فعلياً تلقي العلاج الذي يحتاج إليه من دون أن تمنعه الكلفة أو تدفعه إلى تأجيل العلاج أو التخلي عنه؟
فمن يحاسب حصيلة الصحة بمعيار العلاج الذي يصل إليه المواطن ويستطيع دفع كلفته، لا بمعيار الأرقام المعلنة وحدها؟
