كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن مفارقة لافتة ترافق انتقال المغرب، لأول مرة، إلى فئة البلدان ذات التنمية البشرية المرتفعة، بعدما أظهرت المعطيات أن الدخل القومي الإجمالي التقديري للفرد لدى الرجال يعادل أكثر من أربعة أضعاف مستواه لدى النساء.
وأورد المجلس، في تقريره السنوي برسم سنة 2024، أن مؤشر التنمية البشرية للمغرب ارتفع من 0.659 سنة 2015 إلى 0.710 سنة 2023، ما مكّن المملكة، لأول مرة، من دخول فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة وفق تصنيف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
غير أن هذا التقدم العام يخفي فجوة اقتصادية واسعة بين الجنسين. فوفق بيانات سنة 2023 المعتمدة في قياس التنمية البشرية، بلغ الدخل القومي الإجمالي التقديري للفرد، محسوباً بتعادل القوة الشرائية، نحو 13,990 دولاراً لدى الرجال، مقابل 3,221 دولاراً فقط لدى النساء.
وبحساب النسبة بين الرقمين، يعادل الدخل التقديري للرجل نحو 4.3 مرات نظيره لدى المرأة، بفارق يصل إلى 10,769 دولاراً للفرد، ما يكشف أن الانتقال إلى تصنيف أعلى في التنمية البشرية لم يترافق مع استفادة اقتصادية متقاربة بين النساء والرجال.
ولا يمثل الرقمان متوسط الأجر الشهري الذي يتقاضاه الرجال والنساء داخل الوظائف نفسها، بل يتعلقان بمؤشر أوسع للدخل التقديري حسب الجنس، يعتمد ضمن منهجيته على المشاركة في النشاط الاقتصادي وحصة كل جنس من السكان النشيطين والمداخيل المتولدة عن العمل، مع احتساب تعادل القوة الشرائية.
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة، لأن قراءة الرقم باعتباره مجرد «فجوة أجور» قد تكون مضللة؛ إذ يرتبط جزء كبير من الهوة أصلاً بضعف وجود النساء في سوق الشغل.
فخلال سنة 2025، لم يتجاوز معدل نشاط النساء 19 في المائة، مقابل 68.5 في المائة لدى الرجال، فيما بلغ معدل تشغيل النساء 15.1 في المائة فقط، مقابل 61.1 في المائة عند الرجال.
وتظهر هذه المعطيات أن الفجوة الاقتصادية لا تبدأ عند احتساب الأجر بعد الحصول على وظيفة، بل قبل ذلك بكثير، عند مستوى الولوج أصلاً إلى النشاط الاقتصادي وفرص الشغل والاستمرار داخل سوق العمل.
ويضاف إلى ذلك العبء الكبير للعمل غير المؤدى عنه. فقد أورد المجلس، استناداً إلى المعطيات المتاحة حول استعمال الزمن والعمل المنزلي والرعائي، أن النساء يقضين نحو خمس ساعات يومياً في الأعمال المنزلية والرعاية غير المؤدى عنهما، مقابل 43 دقيقة فقط لدى الرجال.
كما استند المجلس إلى تقديرات الحساب الفرعي للأسر التي أعدتها المندوبية السامية للتخطيط، والتي تشير إلى أن احتساب قيمة العمل المنزلي غير المؤدى عنه داخل الحسابات الوطنية قد يجعله يعادل نحو 19.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، منها 16.4 نقطة مئوية تعود إلى مساهمة النساء.
وتكتسب الأرقام بعداً سياسياً أكبر عند مقارنتها بالأهداف التي أعلنتها الحكومة في بداية ولايتها، إذ وضعت ضمن التزاماتها رفع معدل نشاط النساء إلى أكثر من 30 في المائة في أفق سنة 2026.
لكن معدل النشاط المسجل سنة 2025 ظل عند 19 في المائة فقط، أي أقل بأكثر من 11 نقطة مئوية من الحد الأدنى للهدف الذي حددته الحكومة لنفسها في أفق 2026، وهو ما يجعل المسافة بين الالتزام المعلن والنتيجة الفعلية كبيرة.
وتضع هذه المفارقة السياسات العمومية أمام سؤال يتجاوز عدد البرامج المعلنة لفائدة النساء إلى أثرها الحقيقي: هل نجحت التدابير الحكومية في إزالة العوائق التي تمنع المغربيات من دخول سوق الشغل والبقاء داخله؟
فرفع مشاركة النساء اقتصادياً لا يرتبط فقط بإحداث مناصب الشغل، بل كذلك بتوفير شروط موازية، من حضانات وخدمات للرعاية والنقل والحماية الاجتماعية وبيئة عمل تسمح بالتوفيق بين المسؤوليات الأسرية والنشاط المهني.
وبذلك، فإن انتقال المغرب إلى فئة التنمية البشرية المرتفعة يظل تطوراً مهماً على مستوى المؤشر الوطني، لكنه يكشف في الوقت نفسه حدود قراءة المتوسطات وحدها، لأنها قد تخفي تفاوتات كبيرة داخل المجتمع نفسه.
فالتنمية لا تقاس فقط بارتفاع متوسط البلاد في مؤشرات الصحة والتعليم والدخل، وإنما أيضاً بمدى استفادة مختلف فئات المجتمع بصورة متقاربة من الفرص والموارد التي ينتجها هذا التقدم.
وبين دخل تقديري يبلغ 3,221 دولاراً للمرأة و13,990 دولاراً للرجل، ومعدل نشاط نسائي لا يتجاوز 19 في المائة مقابل هدف حكومي يفوق 30 في المائة، تتحول قضية التمكين الاقتصادي للنساء من شعار عام إلى اختبار رقمي واضح لنتائج السياسات الحكومية.
وإذا كان المغرب قد نجح في عبور عتبة «التنمية البشرية المرتفعة»، فإن الأرقام تضع أمامه عتبة أخرى أكثر صعوبة: تقليص الفجوة داخل هذا التقدم نفسه، حتى لا يرتفع متوسط البلاد بينما يبقى جزء كبير من نسائها بعيداً عن فرص الدخل والعمل والاستقلال الاقتصادي.
