بقلم: الباز عبدالإله
إذا أردت أن تفهم كيف تُدار بعض المشاريع التنموية، وكيف تضيع فرص مالية ثمينة وسط دهاليز البيروقراطية وضعف التنفيذ، فما عليك إلا قراءة التقرير النهائي للمفتشية العامة للمالية رقم 7410.
التقرير ليس مجرد مراجعة جافة للحسابات، بل وثيقة رسمية ترسم صورة قاتمة عن تدبير مشروع «دعم الإدماج الاقتصادي للشباب» بجهة مراكش–آسفي، بعد تسجيل 33 ملاحظة مست الحكامة والمحاسبة والنفقات والإنجازات الميدانية والنتائج المحققة.
انطلق المشروع سنة 2019 بغلاف مالي قدره 48.2 مليون يورو، كان يعادل حينها نحو 55 مليون دولار، ممولاً بواسطة قرض من البنك الدولي، وكان يفترض أن يفتح أمام شباب الجهة أبواب التشغيل والتكوين والمقاولة.
لكن ماذا كانت النتيجة بعد ست سنوات وتمديد إضافي؟ مراكز أُغلقت، تجهيزات أصبحت مهددة بالضياع، أكثر من 7 ملايين يورو بقيت غير مسحوبة، وستة مؤشرات للنتائج لم تبلغ أهدافها النهائية.
- العجز عن صرف التمويل
يقدم المشروع نموذجاً صريحاً لما يسمى ضعف القدرة على استيعاب التمويل وتحويله إلى إنجازات فعلية.
كان مقرراً إغلاق المشروع في 30 شتنبر 2024، قبل أن يمنحه البنك الدولي سنة إضافية وينقل تاريخ الإغلاق إلى 30 شتنبر 2025، مع فترة سماح لسحب الأموال استمرت إلى غاية 31 مارس 2026.
ورغم ذلك، بقي مبلغ قدره 7 ملايين و84 ألفاً و533 يورو غير مسحوب من القرض.
ولا يعني هذا الرقم وجود أموال مختلسة أو مفقودة، كما لا يعني أنها صُرفت ثم اختفت. المفتشية أوضحت أن المبلغ المتبقي يرتبط بخدمات لم تُنجز داخل المشروع، وأن جزءاً من الاعتمادات الاستثمارية المرتبطة بها ظل مدرجاً في حسابات المديرية الجهوية للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات والمركز الجهوي للاستثمار لمراكش–آسفي.
السؤال هنا ليس: من سرق الأموال؟ فلا دليل في التقرير على السرقة.
السؤال الحقيقي هو: كيف عجز القائمون على المشروع عن تحويل أكثر من 7 ملايين يورو متاحة، رغم تمديد الآجال سنة كاملة، إلى خدمات ومشاريع يستفيد منها الشباب؟
- مراكز شبح وتجهيزات مهددة بالضياع
أكثر ما يثير الاستفزاز في تقرير المفتشية هو وضع مراكز دعم المقاولة والتنمية الاقتصادية المحلية.
التقرير أكد أن هذه المراكز أصبحت مغلقة عند نهاية المشروع، وحذر من وجود مخاطر مرتفعة تهدد استمرارية أنشطتها، رغم التجهيزات والمعدات التي اقتُنيت ووُضعت داخلها.
ولم يتوقف التحذير عند الإغلاق، بل شمل مخاطر ضياع التجهيزات أو تعرضها للتلف أو استخدامها دون ترخيص بعد انتهاء المشروع.
واضطرت المفتشية إلى إصدار توصية ذات طابع استعجالي تدعو إلى إعادة تشغيل المراكز، وحماية المعدات الموجودة داخلها، ووضع إطار يضمن استغلالها وعدم تحولها إلى ممتلكات عمومية مهملة.
أي منطق هذا الذي يسمح بإنشاء مراكز وتجهيزها، ثم إغلاق أبوابها بعد انتهاء التمويل؟
وهل كان الهدف بناء خدمة مستدامة لفائدة الشباب، أم تنفيذ صفقات واقتناء تجهيزات قبل تركها دون نموذج واضح للاستمرار؟
- لجان لم تجتمع ومشروع بلا بوصلة
يكشف التقرير أن الخلل لم يكن مالياً أو تقنياً فقط، بل مس جوهر حكامة المشروع.
فلم تُفعّل اللجنة الوزارية للتشغيل، ولم تُحدث لجنة للتنسيق داخل عمالة مراكش، كما لم تعقد لجنة التنسيق الجهوية ولا لجان التنسيق الإقليمية أي اجتماع خلال سنة 2025، وهي سنة إغلاق المشروع وحسم مصير خدماته وتجهيزاته.
ولم تحترم مختلف هيئات الحكامة دورية اجتماعاتها طوال مرحلة التنفيذ، كما لم تدرس لجان التنسيق الإقليمية برنامج العمل والميزانية السنوية لسنة 2025 قبل المصادقة عليه.
وسجل الافتحاص غياب خريطة شاملة للمخاطر، والتأخر في تحيين خريطة المخاطر المالية، وعدم وضع محاسبة خاصة ومندمجة وممركزة تسمح بالتتبع المالي الدقيق للمشروع.
كما لم تُحترم الدورية الشهرية لإعداد القوائم المالية، وتأخر نظام المعلومات المخصص لتتبع وتقييم برامج الإدماج الاقتصادي للشباب.
مشروع بقيمة 55 مليون دولار كان يُدار، وفق خلاصات المفتشية، وسط تعدد المتدخلين وعدم استقرار فرق التنفيذ وضعف التنسيق والمراقبة.
- أموال متاحة ونتائج تحت الأهداف
تكشف الأرقام المالية فجوة ثقيلة بين البرمجة والإنجاز.
فقد حُددت توقعات الالتزامات الاستثمارية في 168 مليون درهم، بينما توقفت الإنجازات المالية عند 108 ملايين درهم فقط.
الفرق بلغ 60 مليون درهم، أي فجوة قدرها 35.8 في المائة بين ما كان مقرراً وما تحقق فعلياً.
ولم يتجاوز المعدل الإجمالي لإصدار نفقات البرنامج المؤهلة ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية 41.67 في المائة خلال سنة 2025، مع تفاوتات بين أقاليم الجهة.
أما ميدانياً، فلم يبلغ المشروع أهدافه النهائية في ستة مؤشرات من أصل 17 مؤشراً للنتائج.
وسُجل تفاوت ترابي حاد في الإدماج بعد التكوين التأهيلي، إذ بلغت النسبة 72 في المائة بإقليم آسفي، مقابل 26 في المائة فقط بإقليم قلعة السراغنة، بفارق يصل إلى 46 نقطة.
ولم تُنجز خلال 2025 عملية التكوين الموجهة إلى غير الحاصلين على الشهادات، رغم أنها كانت مبرمجة أصلاً ضمن خريطة التكوين التأهيلي لسنة 2024.
كما أُغلق المشروع دون تشغيل المرصد الجهوي لسوق الشغل، ودون إنجاز التقييم النهائي داخل الآجال المحددة.
- صفقات متأخرة ونزاع يقترب من 10 ملايين درهم
رصد التقرير عدم تنفيذ أو تأخر عدد من الطلبات المبرمجة، من بينها تقييم أثر المشروع الذي قُدرت كلفته بمليونين و500 ألف درهم.
كما لم يُطلق طلب العروض الجديد المقرر سنة 2025 لاقتناء منظومة متكاملة لتحديد ملفات المستفيدين وتقييم كفاءاتهم وتتبع إدماجهم، بعدما أُعلن طلب العروض السابق غير مثمر مرتين.
وكشف الافتحاص عن نشوء نزاع تعاقدي بين المديرية الجهوية للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات بمراكش والجهة المسيرة لفضاءات تشغيل الشباب.
ويتعلق النزاع بغرامات تأخير بلغت 3 ملايين و984 ألف درهم، وعدم أداء مقابل خدمات بقيمة 6 ملايين درهم، أي نحو 9 ملايين و984 ألف درهم بين الغرامات والخدمات غير المؤداة.
وسجل المفتشون تأخراً كبيراً في المصادقة على مخرجات الجهة المسيرة لمراكز دعم المقاولة، إلى درجة الاستعانة بخبير خارجي لم يكن مقرراً في البداية للتحقق من بعض الخدمات والموافقة على أداء مستحقاتها.
أرقام تختصر حجم الخلل
- 55 مليون دولار قيمة القرض عند توقيعه.
- 48.2 مليون يورو القيمة الأصلية للتمويل.
- سنة إضافية مُنحت لإنهاء المشروع.
- 7.084 ملايين يورو بقيت غير مسحوبة.
- 33 ملاحظة سجلتها المفتشية العامة للمالية.
- 168 مليون درهم استثمارات مبرمجة.
- 108 ملايين درهم فقط إنجازات مالية.
- 60 مليون درهم هي الفجوة بين البرمجة والإنجاز.
- 35.8 في المائة نسبة الفارق المالي.
- 41.67 في المائة فقط معدل إصدار نفقات البرنامج المؤهلة خلال 2025.
- 6 مؤشرات من أصل 17 لم تبلغ أهدافها النهائية.
- 72 في المائة نسبة الإدماج بآسفي مقابل 26 في المائة بقلعة السراغنة.
- 2.5 مليون درهم لتقييم أثر لم يُنجز في موعده.
- 9.984 ملايين درهم موضوع غرامات وخدمات غير مؤداة ضمن نزاع تعاقدي.
ولكي لا تختلط المسؤولية التدبيرية بالشبهة الجنائية، فإن المفتشية العامة للمالية منحت القوائم المالية للمشروع رأياً دون تحفظ، معتبرة أنها تعكس وضعيته المالية في جوانبها الأساسية.
أي إن التقرير لا يثبت اختلاساً أو سرقة للمال العام.
لكنه يثبت شيئاً لا يقل خطورة سياسياً وإدارياً: ضعف الحكامة، والعجز عن تنفيذ خدمات مبرمجة، وإغلاق مراكز بعد تجهيزها، وعدم تحقيق عدد من المؤشرات، وترك أكثر من 7 ملايين يورو دون استغلال رغم تمديد المشروع.
أُطلق المشروع سنة 2019 قبل الحكومة الحالية، لكن تمديده وإغلاقه النهائي ومتابعة نتائجه جرت خلال ولايتها، ما يضع الوزارة المكلفة بالإدماج الاقتصادي وباقي المؤسسات المنفذة أمام أسئلة لا يمكن دفنها مع إغلاق القرض.
من يتحمل مسؤولية الخدمات التي لم تُنجز؟ لماذا أُغلقت مراكز دعم المقاولة؟ أين توجد تجهيزاتها اليوم؟ لماذا لم تجتمع لجان الحكامة خلال سنة الإغلاق؟ ولماذا لم يُنجز التقييم النهائي في موعده؟
الفضيحة التي يكشفها التقرير ليست سرقة مثبتة لـ55 مليون دولار، بل إهدار فرصة كان يمكن أن تغير حياة آلاف الشباب، قبل أن ينتهي المشروع بمراكز مغلقة، وتجهيزات مهددة، وملايين غير مستغلة، ونتائج لم تصل إلى أهدافها.
“المصدر: تقرير المفتشية العامة للمالية المنشور لدى البنك الدولي” (https://documents.worldbank.org/curated/en/099090626041015489/pdf/P151169-ceadc738-d9dc-4d9d-afc8-252a88702073.pdf)
