بقلم: الباز عبدالإله
زلزال الحوز لم يكن مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل كشف، منذ 8 شتنبر 2023، حجم الحاجة إلى أن تكون الدولة مستعدة قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.
بعد أسابيع فقط من الزلزال، دخل اتفاق منحة دولية بقيمة خمسة ملايين دولار حيز التنفيذ يوم 26 أكتوبر 2023، في إطار مشروع يستهدف تعزيز المرونة المالية للمغرب في مواجهة المخاطر المناخية والكوارث الطبيعية.
لكن بعد أكثر من عامين، يكشف التقرير النهائي رقم 7360 للمفتشية العامة للمالية، الصادر في يونيو 2026، أن الجزء الأكبر من التمويل ظل بعيداً عن مستوى التنفيذ الذي كان منتظراً.
وحسب الافتحاص، بلغت نسبة «الاستعمال الناقص بشكل كبير» لغلاف المنحة 71.2 في المائة، فيما لم تتجاوز نسبة السحب من التمويل 18.2 في المائة، واستقر معدل الأداء الإجمالي عند 14.85 في المائة فقط خلال الفترة التي شملها التقرير.
هذه الأرقام لا تعني أن 71.2 في المائة من الأموال اختفت أو جرى تبديدها، والتقرير نفسه لا يثبت أي اختلاس، لكنها تفتح سؤالاً مختلفاً لا يقل ثقلاً: لماذا ظل جزء كبير من تمويل مخصص لتعزيز الاستعداد للكوارث دون تعبئة فعلية؟
المشروع لم يكن مخصصاً لإعادة بناء المنازل المتضررة من زلزال الحوز ولا لتقديم تعويضات مباشرة للضحايا، بل كان يستهدف تقوية قدرة الدولة ومؤسساتها على مواجهة الكوارث مستقبلاً، من خلال نمذجة مخاطر الزلازل والفيضانات، وتطوير أدوات لتقدير الخسائر، وتحسين آليات التعويض، وإعداد حلول للحماية المالية من مخاطر الفيضانات.
ومع ذلك، سجلت المفتشية أن 14 عملية شراء، بقيمة إجمالية تبلغ مليونين و740 ألف دولار، ظلت دون التزام، ما دفعها إلى المطالبة بوضع خطة استعجالية لإطلاق العمليات المتأخرة وتحديد آجال واقعية لتنفيذها.
أما المكوّن الثالث من المشروع، المتعلق بتطوير حلول مالية للحماية من مخاطر الفيضانات، فجاءت نتيجته أكثر إحراجاً: صفر من حيث التنفيذ المالي.
وظل مبلغ 650 ألف دولار، أي نحو 5.93 ملايين درهم، مدرجاً للتنفيذ ضمن هذا المكوّن دون التزام، رغم أن الأنشطة المبرمجة تشمل دراسة حلول التأمين ضد الفيضانات ودراسة جدوى استخدام وسائل للرصد عن بعد من أجل تقدير مخاطر السيول المفاجئة.
هنا يصبح السؤال مشروعاً ومباشراً: كيف يمكن لمكوّن مخصص تحديداً لمخاطر الفيضانات أن ينهي الفترة التي شملها الافتحاص بصفر تنفيذ مالي، في بلد يتعرض بشكل متكرر لفيضانات وسيول وتزايد في المخاطر المناخية؟
المفتشية لم تسجل فقط بطئاً في التنفيذ.
التقرير رصد أيضاً استمرار عدم نشاط لجنة قيادة المشروع، وعدم احترام الوتيرة المقررة لاجتماعات اللجنة التقنية، وتعطل اللجنة العلمية وغياب التمثيل الأكاديمي داخلها.
كما سجل عدم إحداث آلية لتلقي الشكايات ومعالجتها، وغياب تقارير للتتبع البيئي والاجتماعي والصحي والأمني، وعدم إنشاء بنية للتدقيق الداخلي داخل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.
بمعنى آخر، الإشكال الذي ترسمه الوثيقة لا يتعلق بعملية شراء واحدة أو إجراء إداري معزول، بل يمتد إلى آليات القيادة والتتبع والرقابة نفسها.
والأكثر حساسية يظهر في ملف إحدى الصفقات.
فحسب المفتشية، جرى اللجوء إلى الإسناد المباشر في إحدى العمليات، غير أن مذكرة تبرير هذا الاختيار استندت إلى أساس تنظيمي اعتبره المفتشون غير ملائم لطبيعة الخدمة، كما لم تثبت بشكل كافٍ توافر الشروط التي تسمح بتجاوز المنافسة.
ولا يتعلق الأمر بتوصيف صحفي أو اتهام سياسي، بل بملاحظة واردة في تقرير افتحاص رسمي.
ثم جاءت الملاحظة الأثقل: غياب محضر للتفاوض بشأن الصفقة.
التقرير اعتبر أن غياب هذه الوثيقة لا يسمح بإثبات احترام مبادئ الشفافية وحسن استعمال الموارد، كما لا يسمح بتبرير السعر المتعاقد عليه والبالغ 113 ألفاً و459.6 يورو.
وهنا لا يحتاج السؤال إلى أي مبالغة: إذا لم يوجد محضر تفاوض، فما الوثيقة التي تثبت كيف جرى التفاوض على السعر وتبريره؟
المفارقة لم تتوقف عند هذا الحد.
فمنصة تتبع المشتريات التابعة للبنك الدولي أظهرت مبلغاً قدره 125 ألف دولار، بينما أُبرم العقد فعلياً بقيمة 113 ألفاً و459.6 يورو.
كما سجل الافتحاص عدم إدراج الضريبة على القيمة المضافة في المبلغ المصرح به داخل المنصة، وعدم توضيح المقتضيات الضريبية المطبقة بصورة كافية، إلى جانب ملاحظات بشأن فوترة الضريبة من طرف مقدم خدمة غير مقيم.
ولا يعني اختلاف العملة والمبلغ، في حد ذاته، وجود اختلاس أو تضخيم للسعر، وهو ما لا يقوله التقرير أصلاً، لكنه يفرض تفسيراً واضحاً للفارق وطريقة تسجيل العقد وشروطه الضريبية، خصوصاً حين يقترن ذلك بغياب محضر التفاوض.
المشروع كان مقرراً أن يُغلق في 30 يونيو 2026، لكن الجهات المشرفة طلبت تمديده إلى 31 ماي 2028 في إطار إعادة هيكلة المنحة واستدراك التأخر في تنفيذ الأنشطة المتبقية.
وهنا تظهر المفارقة كاملة.
منحة دخلت حيز التنفيذ بعد أسابيع من واحد من أعنف الزلازل التي عرفها المغرب، وكان يفترض أن تعزز قدرة الدولة على الاستعداد للكوارث، تجد نفسها بعد أكثر من عامين أمام 71.2 في المائة من «الاستعمال الناقص»، و14 عملية شراء غير ملتزمة، ومكوّن للفيضانات بصفر تنفيذ مالي، ولجان متعثرة، وصفقة مباشرة دون محضر تفاوض.
كل ذلك لا يسمح بالحديث عن اختلاس، لأن التقرير لم يثبته.
كما أن المفتشية خلصت إلى أن القوائم المالية تعكس بصورة سليمة، في جوانبها الأساسية، الوضعية المالية للمشروع.
لكن سلامة القوائم المالية ليست جواباً عن سؤال الفعالية.
فالمال قد يكون موجوداً ومحاسبياً سليماً، ومع ذلك تظل الغاية التي خُصص من أجلها بعيدة عن التنفيذ.
وهنا تحديداً يقع جوهر الملف.
السؤال ليس: «أين اختفت خمسة ملايين دولار؟»، لأن الوثيقة لا تقول إنها اختفت.
السؤال الأدق والأثقل هو: لماذا تعثر استعمال تمويل خُصص للاستعداد للكوارث؟ ولماذا بقي مكوّن الفيضانات بصفر تنفيذ مالي؟ ولماذا لجأت إحدى العمليات إلى التعاقد المباشر بتعليل اعتبرته المفتشية غير كافٍ لتجاوز المنافسة؟ ولماذا غاب محضر التفاوض الذي يسمح بإثبات كيفية تحديد السعر؟
هذه أسئلة لا تحتاج إلى اتهامات إضافية، لأن التقرير الرسمي يضعها بنفسه على الطاولة.
ومن حق الجهات المشرفة أن تقدم تفسيرها، لكن الرد المقنع لن يكون بعبارات عامة عن الإجراءات والمساطر.
الجواب القابل للتحقق يمر عبر نشر مذكرة تبرير اللجوء إلى الإسناد المباشر، وتوضيح الأساس القانوني الذي اعتمد، والكشف عن الوثائق التي تحدد كيفية التفاوض على السعر في ظل غياب محضر التفاوض الذي سجله الافتحاص، وتفسير الفارق بين بيانات منصة المشتريات والقيمة الفعلية للعقد، ونشر خطة تدارك التأخر ونسبة السحب المحينة وما أُنجز فعلياً بعد نهاية سنة 2025.
زلزال الحوز وقع وانتهت لحظته الأولى، لكن درس الجاهزية لا ينتهي.
الكارثة المقبلة لن تسأل الإدارة إن كانت لجانها قد اجتمعت، ولن تنتظر استكمال المراسلات أو تمديد الآجال.
وبعد ما سجله التقرير رقم 7360، يبقى السؤال الذي يصعب القفز فوقه بسيطاً: من يتحمل مسؤولية أن يبقى تمويل وُضع لتعزيز الجاهزية للكوارث عالقاً بهذا المستوى من التعثر، بينما الكوارث نفسها لا تنتظر أحداً؟
