بقلم: الباز عبدالإله
على رأي المثل: «المكحلة كبيرة والبارود قليل».
هذا هو الانطباع الذي تتركه أرقام تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور بتاريخ 8 يوليوز 2026.
فالرقم ليس بسيطاً: نحو 200.9 مليار درهم من التعديلات التي رفعت أسقف تحمّلات الحسابات الخصوصية للخزينة، بموجب قرارات صادرة عن وزيرة الاقتصاد والمالية.
المشكلة هنا ليست أن هذه المليارات صُرفت أو «تبخرت»، لأن الرقم يمثل تعديلات في الأسقف وليس نفقات منفذة، وإنما في المفارقة بين اتساع الهوامش المالية ومستوى الالتزام الفعلي بالنفقات.
الأرقام وحدها تكشف حجم الفجوة.
فقد ارتفع سقف صندوق تدبير المخاطر المتعلقة باقتراضات الغير المضمونة من طرف الدولة من 58.1 مليون درهم إلى 4.56 مليارات درهم، بينما لم تتجاوز الالتزامات بالنفقات 700 ألف درهم، وهي نسبة يعرضها التقرير عند صفر في المائة بعد التقريب.
أما صندوق الإصلاح الزراعي، فقفز سقفه من 5 ملايين درهم إلى 622.9 مليون درهم، مقابل التزامات لم تتجاوز 100 ألف درهم.
وانتقل سقف صندوق الخدمة الأساسية للمواصلات من 200 مليون درهم إلى نحو 3.97 مليارات درهم، أي قرابة 20 ضعفاً، بينما بلغت الالتزامات 204.5 ملايين درهم فقط، بنسبة 5 في المائة.
كما ارتفع سقف الصندوق الوطني لحماية البيئة والتنمية المستدامة من 150 مليون درهم إلى نحو 1.94 مليار درهم، مقابل التزامات بلغت 106.1 ملايين درهم، أي 5.5 في المائة فقط.
وزارة الاقتصاد والمالية بررت هذه الزيادات بالحاجة إلى الاحتفاظ بجزء من الاعتمادات كاحتياط غير مبرمج، لضمان هامش من المرونة والاستجابة للحاجيات المستجدة خلال السنة المالية.
لكن أرقام المجلس تفتح سؤالاً أثقل حول المعايير التي تحكم قرارات رفع هذه السقوف.
فقد سجل المجلس أن 24 حساباً خصوصياً استفادت من رفع سقف التحمل رغم أن الالتزامات بنفقاتها ظلت دون 50 في المائة من السقف النهائي، معتبراً أن ذلك يشير إلى «محدودية البرمجة» وإلى «غياب معايير أداء محددة لقرارات رفع هذه الأسقف».
والأكثر إثارة أن بعض الحسابات لم تبلغ التزاماتها حتى مستوى السقف الأولي قبل رفعه، ومع ذلك جرى رفع السقف بمعاملات مضاعفة، وهو ما اعتبره المجلس كاشفاً عن «قصور في معايير اتخاذ قرار الرفع»، ودعا إلى مراجعة دقيقة للتقديرات وفق المعطيات الفعلية لكل حساب.
هنا لا يعود السؤال عن مشروعية الآلية نفسها، فهي مؤطرة قانونياً، وإنما عن مدى انسجام قرارات رفع السقوف مع القدرة الفعلية على الالتزام بالنفقات وتنفيذ البرامج، وعن معايير الأداء التي تستند إليها وزارة المالية عند توسيع هذه الهوامش.
فالـ200.9 مليار درهم لا تعني أموالاً اختفت أو أُنفقت بلا أثر، لكنها تكشف مفارقة ثقيلة: أسقف مالية ترتفع بأرقام ضخمة، بينما الالتزامات تظل في 24 حساباً دون النصف، وبعضها لم يبلغ حتى سقفه الأصلي.
الحكومة نجحت في توسيع الهوامش المالية على الورق، لكن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يضع أمام وزارة المالية سؤالاً أكثر إحراجاً: أين معايير الأداء التي تبرر قرارات الرفع؟
