Search
فيسبوك X (Twitter) يوتيوب الانستغرام
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
  • الرئيسية
  • الحكومة Crash
  • بلاغ الغاضبين
  • منو لله
  • السياسي واش معانا؟
  • قالو زعما
  • صوت الشعب
  • وجع اليوم
  • مغاربة كندا
  • أخبار كندا
Home » فشل الإسلاميين في تأسيس تنظيم حقوقي موحد في المغرب
صوت الشعب

فشل الإسلاميين في تأسيس تنظيم حقوقي موحد في المغرب

الباز عبدالإلهالباز عبدالإله2026-09-11لا توجد تعليقات51 دقائق
فيسبوك تويتر واتساب البريد الإلكتروني
شاركها
فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

بقلم: الحيداوي عبدالفتاح

دراسة في البنية والفاعلين ومقارنة مع المسار الحقوقي اليساري

تبحث هذه الدراسة في أسباب عجز التيارات الإسلامية المغربية عن تأسيس تنظيم حقوقي موحد ومستقل وذي قدرة تراكمية، رغم تعرض عدد كبير من أعضائها للاعتقال والمحاكمات والانتهاكات، ورغم انتقال بعضهم من التحفظ على مفاهيم حقوق الإنسان إلى تبني النضال الحقوقي والدفاع عن المعتقلين. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الإخفاق لا يفسر بضعف الرغبة أو نقص عدد المناضلين، بل بعوامل بنيوية تتعلق بتأخر دخول الإسلاميين إلى الحقل الحقوقي، وتعدد مرجعياتهم، وتباين علاقتهم بالدولة، وارتباط قسم من أطرهم بالأحزاب أو الجماعات، وضعف التخصص المؤسساتي، واستمرار التنافس على التمثيلية والشرعية.
وتقارن الدراسة هذا المسار بالتجربة اليسارية، لا باعتبارها تجربة موحدة بالكامل، بل باعتبارها راكمت أسبقية تاريخية وشبكات تنظيمية وخبرة مهنية ومرجعية حقوقية أكثر اتساقا. كما تدمج التيارات السلفية في التحليل، وتبين أن المعتقلين السلفيين وذويهم ومن دافع عنهم أسهموا في إدخال فئات إسلامية جديدة إلى مجال العمل الحقوقي، ولا سيما بعد تفجيرات 16 أيار/مايو 2003، لكن هذا الانخراط ظل في الغالب دفاعيا ومطلبيا ومرتبطا بملف المعتقلين، ولم يتحول إلى مشروع حقوقي شامل قادر على توحيد الإسلاميين.
وتقدم الدراسة، في هذا الإطار، إضافة منهجية مزدوجة: فهي لا تكتفي بوصف الفشل التنظيمي، بل تفكك بنيته إلى مستويات متمايزة (تاريخية ومرجعية وتنظيمية وسياسية ومهنية)، كما تعيد الاعتبار لتجربة السلفيين والمعتقلين السلفيين بوصفها حالة اختبار مركزية لفهم حدود العلاقة بين القمع والفعل الحقوقي. ذلك أن معظم الأدبيات المتوفرة تعامل الملف السلفي بوصفه ملحقا بالملف الإسلامي العام، في حين تظهر هذه الدراسة أن التجربة السلفية تستحق معالجة مستقلة، لما تكشفه من مفارقات تتعلق بعلاقة الفاعل بالدولة وبالتنظيمات الإسلامية الأخرى في آن واحد.
وتنقسم الدراسة إلى تسعة محاور رئيسية: تتناول الأول والثاني نشأة الحقل الحقوقي اليساري ومرجعيته الكونية، ويرصد الثالث تحولات موقف الإسلاميين من حقوق الإنسان عبر مراحله الأربع، ويخصص الرابع لتجربة السلفيين والمعتقلين السلفيين بتفصيل أكبر باعتبارها الحلقة الأكثر دلالة على المفارقة المركزية للدراسة، ويناقش الخامس تجربة منتدى الكرامة، فيما يعرض السادس والسابع أسباب الفشل وقراءة مقارنة مع المسار اليساري، ويختم الثامن والتاسع بأطروحة تركيبية وخاتمة.
وتندرج هذه الدراسة ضمن أدبيات أوسع تناولت العلاقة بين الإسلام السياسي وحقوق الإنسان في سياقات عربية مقارنة، لكنها تتميز عن كثير من هذه الأدبيات بتركيزها على البعد التنظيمي بدل الاكتفاء بالبعد العقدي أو الخطابي. فكثير من الدراسات السابقة حول الموضوع في المغرب تناولت سؤال (هل يؤمن الإسلاميون بحقوق الإنسان؟) بوصفه سؤالا فكريا صرفا، في حين تنطلق هذه الدراسة من سؤال مختلف نوعيا: لماذا لم يترجم هذا الإيمان، حيثما وجد فعلا، إلى مؤسسة قادرة على الاستمرار والتراكم؟ وهذا الانزياح المنهجي، من التحليل العقدي إلى التحليل التنظيمي والسوسيولوجي، هو ما يميز مقاربة الدراسة عن جزء من الأدبيات المتداولة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية مضاعفة في السياق المغربي الراهن، حيث لا تزال ملفات المعتقلين السابقين وذويهم مفتوحة عمليا، كما يظهر من استمرار المطالب بجبر الضرر والتعويض لدى تنسيقيات حديثة النشأة كتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين ، وحيث عملت مؤسسات مثل منتدى الكرامة وجمعية النصير في العمل كل بمنطقها الخاص، من دون أن يفضي ذلك إلى تجاوز التشظي البنيوي الذي تشخصه الدراسة. وبهذا المعنى، فإن الدراسة لا تكتفي بتفسير حالة ماضية، بل تقدم إطارا تحليليا يمكن أن يساعد الباحثين والفاعلين أنفسهم على فهم أسباب استمرار هذا التشظي، وربما على استكشاف الشروط الممكنة لتجاوزه مستقبلا، إن وجدت الإرادة السياسية والمؤسسية اللازمة لذلك لدى مختلف الأطراف المعنية، الدولة والفاعلين الإسلاميين والسلفيين على حد سواء.
الإشكالية والفرضية والمنهج
لم يكن فشل الإسلاميين المغاربة في تأسيس تنظيم حقوقي موحد نتيجة خلاف عابر حول اسم التنظيم أو قيادته، بل نتيجة تفاعل طويل بين التاريخ السياسي والمرجعيات الفكرية وبنية الدولة وطبيعة التنظيمات الإسلامية. فقد دخل اليسار المغربي مجال حقوق الإنسان في مرحلة كان فيها الاعتقال السياسي والتعذيب والاختفاء القسري جزءا من الصراع السياسي خلال ما اصطلح عليه بـ(سنوات الرصاص). أما الإسلاميون فدخلوا المجال متأخرين، وبعد أن أصبح خطاب حقوق الإنسان لغة وطنية ودولية ذات شرعية واسعة، وبعد أن أصبحت بعض فصائلهم نفسها ضحية للاعتقال أو التضييق.
ينطلق البحث من السؤال الآتي: لماذا استطاعت التيارات اليسارية والديمقراطية أن تبني مؤسسات حقوقية ذات حضور واستمرارية نسبيين، بينما عجزت التيارات الإسلامية، على اختلاف مكوناتها، عن تأسيس إطار حقوقي موحد ومستقل؟ ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة: كيف تشكلت الهوية اليسارية للحقل الحقوقي؟ كيف انتقل الإسلاميون من التحفظ أو الرفض إلى الدفاع الحقوقي؟ ما موقع السلفيين والمعتقلين السلفيين في هذا التحول؟ وهل يعود الفشل إلى أزمة فكرية، أم إلى صراع على الموارد والتمثيلية، أم إلى طبيعة الدولة، أم إلى مجموع هذه العوامل؟
تعتمد الدراسة مقاربة تاريخية-مقارنة وسوسيولوجية سياسية. ولا تستخدم كلمة «نجاح» بمعنى الانتصار النهائي في حماية حقوق الإنسان، لأن الحركة الحقوقية المغربية، بما فيها اليسارية، واجهت قيودًا وملاحقات وانقسامات. والمقصود بالنجاح هنا هو القدرة النسبية على الاستمرارية، وتوحيد لغة المطالب، وإنتاج الخبرة، وبناء الشبكات، وتحويل الانتهاكات الفردية إلى قضية عامة.
وتعتمد الدراسة على أدبيات حول الإسلاميين وحقوق الإنسان في المغرب، وعلى تقارير ودراسات تتناول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ومنتدى الحقيقة والإنصاف، ومنتدى الكرامة، وجمعية النصير، واللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين،والتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الاسلاميين فضلا عن قراءة نقدية للخطاب السياسي ومحدودية بعض المعطيات المتداولة. ولذلك ينبغي التمييز بين الوقائع الموثقة، وشهادات الفاعلين، والتفسيرات التي تحتاج إلى مزيد من البحث الميداني.
وتنبغي الإشارة إلى حدود منهجية ثلاث. أولها أن كثيرا من الوقائع المتعلقة بالمعتقلين السلفيين ترد أساسا من تصريحات الفاعلين أنفسهم في الصحافة، وهي مصادر مهمة لكنها ليست بديلا عن أرشيف قضائي أو توثيق مستقل شامل. وثانيها أن مفهوم (الإسلاميين) يغطي فسيفساء واسعة من التيارات، وأن أي تعميم حوله معرض لإغفال فروق دقيقة بين المكونات. وثالثها أن الدراسة تركز على الفاعلين المنظمين، ولا تدعي الإحاطة بكل مبادرة فردية أو محلية للدفاع عن حقوق المعتقلين، والتي يصعب حصرها بدقة.
ومع ذلك، فإن تقاطع مصادر متعددة، حزبية وحقوقية وصحفية وأكاديمية، يتيح رسم خريطة عامة موثوقة نسبيا لمسار التحول، حتى وإن ظلت تفاصيله الدقيقة رهينة بمزيد من البحث الميداني والأرشيفي.
من التأسيس اليساري إلى تعدد الفاعلين في الحقل الحقوقي

  1. الأسبقية التاريخية وصناعة الذاكرة الحقوقية
    نشأت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1972، ثم تأسست الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة 1979. ولم تكن هذه النشأة منفصلة عن الصراع السياسي بين الدولة والمعارضة اليسارية والنقابية خلال السبعينيات والثمانينيات. فقد ارتبطت الحقوق، في الوعي التنظيمي الأول، بمناهضة الاعتقال السياسي، والدفاع عن سجناء الرأي، وكشف التعذيب، والمطالبة بالإفراج عن المختفين، ومقاومة الإفلات من العقاب.
    منحت هذه النشأة اليسار ثلاثة موارد حاسمة. أولها المورد الزمني، فقد راكم اليساريون عقودا من الممارسة قبل دخول الإسلاميين المنظم إلى الحقل. وثانيها المورد الشبكي، إذ انتقلت الخبرات من الجامعة والنقابة والحزب إلى الجمعية الحقوقية، ووفرت السجون والمحاكم فضاءات للتعارف وبناء الثقة بين المناضلين. وثالثها المورد الرمزي، فقد ارتبطت صورة المدافع الحقوقي اليساري بذاكرة الضحية والمقاوم وسجين الرأي.
    لا يعني ذلك أن اليسار كان متجانسا أو خاليا من التنافس. فقد عرف انقسامات حزبية وفكرية، كما اختلفت مواقفه من الدولة ومن الإصلاح ومن قضايا الهوية. غير أن هذه الانقسامات لم تمنعه من بلورة لغة حقوقية مشتركة حول الكونية، وعدم قابلية الحقوق للتجزئة، واستقلال العمل الحقوقي عن السلطة التنفيذية.
    وقد تشكل هذا الرصيد التاريخي في مواجهة وقائع محددة صارت لاحقا مرجعا رمزيا للحركة الحقوقية برمتها: قضايا الاختفاء القسري وملف الاعتقال السياسي في مراكز غير معلنة، وقضايا معتقلي اليسار الماركسي اللينيني ومحاكمات الدار البيضاء ومراكش خلال السبعينيات، إضافة إلى القضايا التي طرحتها منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية بخصوص أوضاع السجون المغربية. ولم يكن الخطاب الحقوقي اليساري، في تلك المرحلة، معزولا عن الخطاب السياسي المعارض، بل كان جزءا من أدواته.
    وتوج هذا المسار لاحقا، مطلع الألفية الثالثة، بتجربة هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، التي تعاملت مع ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بين 1956 و1999. ورغم أن هذه الهيئة لم تكن حكرا على اليسار، فإن أغلب ملفاتها ارتبطت بضحايا سياسيين من الحساسية اليسارية والنقابية، وهو ما رسخ صورة اليسار بوصفه الفاعل التاريخي الأول في مجال الذاكرة الحقوقية بالمغرب، ومنحه موقعا تفاوضيا متقدما لدى تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ثم المجلس الوطني لحقوق الإنسان لاحقا.
    ولعبت جمعيات وسيطة، من قبيل منتدى الحقيقة والإنصاف الذي تأسس من رحم ضحايا الاعتقال والاختفاء القسري قبل انبثاق الهيئة الرسمية، دورا مزدوجا: فقد راكمت هذه الأطر خبرة في التوثيق والترافع الذاتي قبل أن تتحول جزئيا إلى شريك مؤسسي في مسار العدالة الانتقالية الرسمية، وهو نمط من التراكم التصاعدي (من المبادرة الأهلية إلى الاعتراف المؤسسي) لم يتكرر بالصورة نفسها في الملف الإسلامي أو السلفي لاحقا، حيث بقيت المبادرات الأهلية في الغالب خارج أي مسار مؤسسي رسمي معترف به من الدولة.
    ولا يمكن فهم هذا التراكم المبكر بمعزل عن الجذور النقابية والحزبية لجيل مؤسسي العصبة المغربية ثم الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، الذين جمع كثير منهم بين العضوية في الاتحاد المغربي للشغل أو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من جهة، والانتماء إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وتيارات ماركسية أخرى من جهة ثانية. وقد أتاح هذا التداخل بين الحقل النقابي والحزبي والحقوقي تدفقا مستمرا للأطر والموارد البشرية بين هذه الفضاءات الثلاثة، بحيث كان بإمكان الجمعية الحقوقية أن تستفيد من قدرة التعبئة النقابية، وأن تستفيد النقابة بدورها من الغطاء الحقوقي في مواجهة الدولة، في تكامل وظيفي لم تتوفر له بيئة مكافئة داخل الحقل الإسلامي حيث ظل التمايز بين الحزب والجمعية والحركة الدعوية أقل نضجا لعقود طويلة.
    ويضاف إلى هذه الموارد الثلاثة مورد رابع أقل حضورا في الأدبيات لكنه لا يقل أهمية، وهو المورد اللغوي والخطابي: فقد طور اليسار الحقوقي، عبر عقود من الممارسة، معجما اصطلاحيا موحدا نسبيا (الانتهاك، الإفلات من العقاب، الضحية، جبر الضرر، سيادة القانون) صار مرجعا مشتركا يسهل التواصل بين مختلف مكوناته وبينها وبين شركائها الدوليين، في حين ظل الخطاب الإسلامي والسلفي أقرب إلى معجم ديني وسياسي مختلط (الظلم، النصرة، المظلومية، الكرامة) لم يُترجم بعد بشكل كامل ومتفق عليه إلى المعجم الحقوقي المعياري الدولي، وهو ما يزيد من صعوبة أي حوار أو تحالف عابر للتيارين.
  2. المرجعية الكونية بوصفها آلية للتوحيد
    اعتمدت المنظمات اليسارية والديمقراطية، بدرجات مختلفة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود والاتفاقيات الدولية مرجعية مركزية. وقد سهل ذلك تحويل قضايا متعددة إلى لغة واحدة: التعذيب انتهاك، والاعتقال التعسفي انتهاك، والتمييز انتهاك، والرقابة على الصحافة انتهاك. لم تكن هذه المرجعية تحل كل الخلافات، لكنها قدمت معيارًا يمكن الاحتكام إليه خارج الانتماءات الحزبية والدينية.
    في المقابل، اعتمدت التيارات الإسلامية على تركيب مرجعي مزدوج. فهي تستند إلى كرامة الإنسان والعدل ورفع الظلم في المرجعية الإسلامية، لكنها تتحفظ على بعض مضامين المرجعية الكونية حين تتصل بالمساواة الجندرية الكاملة، والحريات الفردية، والعقوبات، والإجهاض، والحرية الدينية، والعلاقات الجنسية، وإلغاء عقوبة الإعدام. ولا تكمن المشكلة في وجود مرجعية دينية في حد ذاته، بل في غياب قاعدة منهجية متفق عليها تحدد متى وكيف تترجم هذه المرجعية إلى مواقف حقوقية مشتركة.
    أنتج هذا الوضع فرقا بين حقوق دفاعية يتوافق عليها أغلب الإسلاميين، مثل منع التعذيب والمحاكمة غير العادلة والاعتقال التعسفي، وحقوق خلافية تثير التباين بينهم وبين اليسار، مثل حقوق النساء والحريات الفردية والمساواة وحرية المعتقد. ولذلك أمكن للإسلاميين أن يتعاونوا في حالات الاعتقال والتعذيب، لكنهم عجزوا عن الاتفاق على ميثاق حقوقي شامل.
    ويظهر هذا التمايز بوضوح في نقاشات محددة عرفها المغرب، مثل الجدل حول التحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) خلال التسعينيات ومطلع الألفية، وحول إصلاح مدونة الأحوال الشخصية سنة 2004. ففي حين دعمت أغلب المنظمات اليسارية والنسائية رفع التحفظات باعتبارها مسألة كونية لا تقبل المساومة، انقسم الإسلاميون بين مؤيد لإصلاح تدريجي داخل المرجعية الفقهية، ومتحفظ يرى في بعض بنود الاتفاقية مساسا بالخصوصية الدينية. وقد أنتج هذا الانقسام صعوبة بنيوية أمام أي محاولة لصياغة ميثاق حقوقي إسلامي موحد يشمل قضايا المساواة الجندرية، حتى حين تتوافق مختلف مكوناته على رفض التعذيب والاعتقال التعسفي.
    ومع ذلك، لم يكن هذا الخلاف حول القضايا الخلافية حائلا مطلقا دون كل تعاون. فقد شاركت شخصيات إسلامية، ومن بينها فاعلون قريبون من حركة التوحيد والإصلاح، في ندوات ومبادرات مشتركة مع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان حول قضايا التعذيب ومناهضة الإفلات من العقاب، بما يوضح أن الخلاف كان انتقائيا لا شاملا، وأنه تركز أساسا حول القضايا المرتبطة بالجسد والأسرة والمعتقد، فيما بقي هامش تعاون حقيقي، وإن محدودا، في قضايا الحريات المدنية والسياسية الصرفة.
    تحولات موقف الإسلاميين من حقوق الإنسان
  3. مرحلة الرفض أو الريبة
    خلال السبعينيات، نظر قسم من الإسلاميين إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان باعتبارهما مفاهيم غربية أو أدوات أيديولوجية للمنافسة مع الإسلام. وتغذى هذا الموقف من حداثة نشأة التيارات الإسلامية، ومن صراعها مع اليسار، ومن ضعف خبرتها بالمؤسسات المدنية الحديثة. كما ساهمت لغة التكفير والتخوين والعنف الرمزي في تعميق القطيعة مع اليسار ومع المنظمات الحقوقية ذات الهوية التقدمية.
    ينبغي تناول هذه المرحلة بحذر. فلا يجوز تعميم موقف واحد على كل الإسلاميين، كما لا يجوز اختزال العلاقة في حادثة اغتيال عمر بنجلون أو تحميل جميع التنظيمات اللاحقة مسؤولية جماعية عنها. لكن الذاكرة السياسية لهذا الحدث، والاتهامات المتبادلة حول العنف، أسهما في إنتاج انعدام ثقة تاريخي بين اليساريين والإسلاميين، وجعلا التعاون الحقوقي أصعب.
    وتشترك في هذا الموقف المبكر تيارات إسلامية مختلفة نشأت في سياقات متقاربة، من جماعة الشبيبة الإسلامية إلى النويات الأولى لما سيصبح لاحقا حركة التوحيد والإصلاح، وإن تفاوتت درجة العداء أو التحفظ بينها تجاه خطاب الحقوق والحريات. وقد غذى هذا التحفظ أيضا إدراك بعض الإسلاميين لحقوق الإنسان بوصفها جزءا من منظومة علمانية أوسع تشمل فصل الدين عن الدولة، وهو ما جعل قبولها يبدو، في تلك المرحلة، تنازلا عقديا لا مجرد خيار سياسي.
    وكان هذا التحفظ أكثر حدة داخل الأوساط الأقرب إلى السلفية العلمية التقليدية منه داخل أوساط الإخوانية المغربية الناشئة، لأن الأولى نظرت إلى مفهوم (الحقوق) بوصفه مرتبطا أصلا بمرجعية شرعية إلهية ثابتة لا بإرادة بشرية قابلة للتفاوض والتعديل، بينما كانت التيارات الإخوانية أقرب إلى القبول التدريجي بفكرة العمل المؤسسي الحديث بوصفه وسيلة مشروعة ضمن حدود شرعية. وهذا الفارق المبكر بين الحساسيتين سيترك أثره لاحقا في تفاوت سرعة انخراط كل منهما في الحقل الحقوقي بعد التسعينيات.
  4. مرحلة الاستخدام الانتقائي
    منذ الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات، بدأ الإسلاميون يكتشفون أهمية خطاب الحقوق والحريات في مواجهة الاعتقال والتضييق. أسهمت التحولات الوطنية والدولية في هذا التحول، ومنها اتساع النقاش حول الديمقراطية، وتدويل حقوق الإنسان، وسقوط جدار برلين، وتجربة الجزائر بعد 1991، وتزايد الاعتقالات في صفوف الإسلاميين.
    ظل هذا التبني انتقائيا في البداية. فقد دافع الإسلاميون عن حرية التنظيم والانتخاب والتعبير عندما تعلق الأمر بحقوقهم السياسية، لكنهم لم يقبلوا بالضرورة الحقوق نفسها عندما تعلقت بخصومهم الفكريين أو بالقضايا الاجتماعية والثقافية التي رأوا أنها تمس الهوية الدينية. وهنا ظهر الفرق بين النضال من أجل حماية الجماعة والنضال من أجل مبدأ عام يحمي الجميع.
    وقد تجلى هذا الاستخدام الانتقائي في حملات التضامن التي نظمتها أطر طلابية وحقوقية قريبة من الإسلاميين خلال التسعينيات دفاعا عن معتقلين من التيار نفسه في قضايا محاكمات جماعة الشبيبة الإسلامية السابقين أو قضايا اعتقال طلبة إسلاميين في الجامعات، من دون أن يقترن ذلك بموقف مبدئي عام من حرية التنظيم أو من حقوق الفئات الأخرى. وساهمت تجربة الجزائر بعد إلغاء المسار الانتخابي سنة 1992 في تعميق هذا الوعي، إذ قرأ إسلاميون مغاربة كثيرون في تلك التجربة درسا مفاده أن غياب سند حقوقي ودولي يجعل أي مكسب سياسي إسلامي هشا أمام الدولة والجيش.
    ويمكن أن نضيف هنا أن الصحافة الحزبية والدعوية الإسلامية الناشئة خلال التسعينيات، من قبيل صحف ومجلات قريبة من حركة التوحيد والإصلاح، لعبت دورا مبكرا في تدريب كوادر إسلامية على الكتابة بلغة الحقوق والحريات، وإن كان ذلك غالبا في سياق الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير الخاصة بالتيار الإسلامي نفسه في مواجهة الرقابة، أكثر منه في سياق تبني مبدأ عام لحرية الصحافة والتعبير لكل الأطراف بمن فيهم خصوم التيار الإسلامي الفكريين، بما يعيد إنتاج النمط الانتقائي نفسه الذي تصفه هذه المرحلة.
  5. مرحلة التطبيع الجزئي والمأسسة
    من أواخر التسعينيات إلى 2011، انتقل الإسلاميون الإصلاحيون إلى قدر أكبر من الاندماج السياسي، وظهرت أطر حقوقية ونسائية وقانونية قريبة من حزب العدالة والتنمية أو من حركة التوحيد والإصلاح. كما أسست جماعة العدل والإحسان بنيتها الحقوقية الخاصة، واشتغل محامون وحقوقيون قريبون من التيارات الإسلامية على ملفات المعتقلين.
    لكن المأسسة جاءت متشظية. فقد ظهرت منظمات متخصصة في قضايا النساء أو المعتقلين أو الحريات، ولم تظهر مؤسسة جامعة تتفق عليها العدالة والتنمية والعدل والإحسان والسلفيون والتيارات الإسلامية الأصغر. والسبب أن التنظيم الحقوقي لم يكن مستقلا عن الاختلاف في تصور الدولة: فحزب العدالة والتنمية اختار المشاركة المؤسساتية والتدرج، بينما حافظت جماعة العدل والإحسان على معارضة جذرية للنظام، ودخل السلفيون المجال أساسا بسبب تجربة الاعتقال وما بعد 2003.
    وقد اتخذ هذا الانخراط أشكالا متعددة داخل الفضاء القريب من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، من لجان نسائية معنية بقضايا الأسرة والمساواة، إلى مكاتب قانونية تعنى بالمرافعة عن معتقلين محسوبين على التيار الإسلامي عموما. وبقيت هذه الأطر، رغم كفاءتها المهنية المتنامية، مرتبطة تنظيميا أو رمزيا بمرجعيتها الحزبية أو الدعوية، بما يجعل استقلاليتها الحقوقية موضع تساؤل متكرر من خصومها وأحيانا من بعض أعضائها.
  6. مرحلة تحمل المسؤولية الحكومية
    أدى وصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة بعد احتجاجات 2011 إلى تغيير موقع جزء من الإسلاميين. فقد انتقل الحزب من موقع المعارضة والمطالبة إلى موقع إدارة السلطة، ولو ضمن نظام سياسي يحتفظ فيه القصر بموارد القرار الحاسمة في مجالات الأمن والدين والاستراتيجية. نتج عن ذلك توتر بين مقتضيات التضامن الحزبي ومقتضيات الاستقلال الحقوقي.
    يمكن تسجيل إجراءات وتشريعات ذات صلة بتعزيز ضمانات المحاكمة ومناهضة التعذيب والتعاون مع الآليات الدولية، لكن ذلك لا يلغي الانتقادات المتعلقة بالتظاهر وحرية الصحافة والاحتجاج وإصلاح الأمن والسجون. تكمن الأهمية التحليلية لهذه المرحلة في أنها كشفت هشاشة استقلال بعض الأطر الحقوقية القريبة من الحزب. فعندما يصبح الحليف السياسي جزءا من الحكومة، يصبح الدفاع عن الضحية أمام السلطة دفاعا عن خصم سياسي أو عن فاعل داخل الدولة، وتظهر حدود التنظيم الذي لم يفصل بوضوح بين الحزب والجمعية.
    ويمكن توضيح هذه الفرضية بأمثلة من فترة حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني (2011-2021)، التي شهدت من جهة مصادقة المغرب على عدد من الآليات الدولية ومراجعات تشريعية تتعلق بمناهضة التعذيب وضمانات المحاكمة العادلة، ومن جهة أخرى موجات احتجاج اجتماعي وأمني حساسة، أبرزها حراك الريف بين 2016 و2018، الذي وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية خلاله اعتقالات واسعة ومحاكمات وصفت بغير العادلة. وقد وضعت هذه المحطة الأطر الحقوقية القريبة من حزب العدالة والتنمية في موقف حرج فالدفاع الكامل عن معتقلي الحراك كان يعني نقد حكومة يقودها الحزب نفسه، بينما كان التحفظ يعني التفريط في مصداقيتها الحقوقية أمام الرأي العام.
  7. من الحذر إلى الانتقائية إلى التطبيع الهش
    إذا قُرئت هذه المراحل الأربع معا، يظهر أن العلاقة بين الإسلاميين المغاربة وحقوق الإنسان لم تكن تطورا خطيا بسيطا من الرفض إلى القبول الكامل، بل مسارا متعرجا تتقاطع فيه عوامل فكرية وسياسية وأمنية متغيرة الوزن بحسب المرحلة. فما بدا في التسعينيات انتقاليا وانتقائيا أصبح في العقد الأول من الألفية أقرب إلى المأسسة، لكن هذه المأسسة نفسها اصطدمت لاحقا، بعد 2011، بمعضلة العلاقة بالسلطة التي لم تكن مطروحة بالحدة نفسها حين كان الإسلاميون في موقع المعارضة. وبعبارة أخرى، كل مرحلة حلت جزءا من إشكالية المرحلة السابقة، لكنها ولّدت في المقابل إشكالية جديدة لم تكن قائمة من قبل، بما يفسر استمرار حالة اللااستقرار البنيوي في علاقة الإسلاميين بالحقل الحقوقي حتى اليوم.
    السلفيون والمعتقلون السلفيون: من موضوع أمني إلى فاعل حقوقي
  8. خصوصية الموقع السلفي
    لا يشكل السلفيون تيارا واحدا. فهناك سلفيون تقليديون، وسلفيون إصلاحيون، وسلفيون جهاديون.
    ويمكن التمييز، تحليليا، بين أربع فئات فرعية داخل هذا الطيف: سلفية علمية أو تقليدية تعنى أساسا بالعقيدة والفقه وتنأى عن العمل السياسي المباشر، وسلفية جهادية تبنت خطابا مواجها للدولة وللمرجعية الدولية لحقوق الإنسان قبل الاعتقال، وسلفية تعرف أحيانا بالمداخلية، أقرب إلى الولاء للسلطة ومعادية لمفهوم المعارضة السياسية أصلا، وسلفية سياسية أو ما بعد إصلاحية ظهرت بعد 2011 حين حاول بعض رموزها السابقين، تأسيس أحزاب أو أطر سياسية معلنة. وتختلف علاقة كل فئة بحقل حقوق الإنسان اختلافا جوهريا، بما يجعل الحديث عن (موقف سلفي موحد) من حقوق الإنسان أمرا غير دقيق منهجيا.
    وخلفت تفجيرات 16 أيار/مايو 2003 في الدار البيضاء، التي استهدفت خمسة مواقع في آن واحد وأسفرت عن مقتل نحو خمسة وأربعين شخصا إلى جانب المفجرين أنفسهم وعشرات الجرحى، صدمة أمنية ومجتمعية كبرى دفعت الدولة إلى اعتماد قانون مكافحة الإرهاب واعتقال المئات في الأسابيع والأشهر التالية. ووثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش والجمعية المغربية لحقوق الإنسان، شكاوى تتعلق بالاحتجاز في أماكن غير معلنة، وبالتعذيب أثناء الاستنطاق، وبمحاكمات جماعية استغرقت وقتا قصيرا نسبيا مقارنة بعدد المتهمين وثقل التهم الموجهة إليهم. وقد شكلت هذه الشكاوى، أكثر من أي إطار نظري مسبق، المدخل الفعلي الذي دفع أسر المعتقلين ثم المعتقلين أنفسهم إلى تبني لغة حقوق الإنسان.
    وتزداد خصوصية الموقع السلفي تعقيدا بالنظر إلى علاقته المتوترة، لا بالدولة الأمنية فحسب، بل بالحقل الديني الرسمي. فبينما استندت الحركات الإسلامية الحزبية، كحركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، إلى قدر من الاعتراف الرسمي بالتدريج، ظل الخطاب السلفي في نسخته غير المعتمدة رسميا محل شك بنيوي من الحقل الديني الرسمي نفسه، الذي يفضل نموذج التدين(الأشعري المالكي الصوفي) بوصفه الهوية الدينية الرسمية للدولة. وقد أدى هذا التوتر المزدوج الأمني من جهة والديني الرسمي من جهة أخرى إلى تضييق هامش المناورة المتاح أمام أي تنظيم حقوقي يريد الدفاع عن السلفيين بصفتهم تلك تحديدا، لا بصفتهم مجرد ضحايا انتهاكات إجرائية عامة.
    بعد تفجيرات الدار البيضاء في 16 أيار/مايو 2003، شنت الدولة حملة أمنية واسعة طالت مشتبهين في انتمائهم إلى التيارات الجهادية، ورافق ذلك اتهام منظمات حقوقية بوقوع انتهاكات في الاعتقال والتحقيق والمحاكمة. في هذه البيئة، أصبحت قضية المعتقلين السلفيين مدخلا عمليا لظهور مبادرات حقوقية إسلامية.
  9. جمعية النصير
    ظهرت جمعية النصير للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين سنة 2004، في سياق أعقب الاعتقالات الواسعة التي تلت أحداث 16 ماي 2003، وما رافقها من اتساع دائرة المعتقلين الإسلاميين وأسرهم. وقد انصب اهتمام الجمعية في بدايتها على الدفاع عن المعتقلين، ومتابعة أوضاعهم، وتقديم المساعدة القانونية، إلى جانب التضامن مع أسرهم ومساندتها في مواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للاعتقال.
    ويمثل تأسيس جمعية النصير مرحلة مهمة في انتقال قضية المعتقلين الإسلاميين من كونها قضية داخلية تخص المعتقل وأسرته ومحيطه الدعوي إلى قضية يجري التعبير عنها داخل فضاء جمعوي وحقوقي. فقد بدأت لغة المطالبة تتجاوز الدفاع عن البراءة أو الاعتراض على الأحكام إلى استخدام مفردات مثل الكرامة، والعدالة، ورفع الظلم، والحق في المحاكمة العادلة، وتحسين ظروف الاعتقال.
    وفي هذا السياق، لم تكن المرجعية الإسلامية غائبة عن خطاب الجمعية، بل ظلت حاضرة من خلال مفردات النصرة والتكافل والتضامن. غير أن أهمية التجربة تكمن في أن هذه المفردات بدأت تتقاطع مع لغة حقوقية حديثة، بما أتاح للمحيط السلفي المعتقل أو المتضامن معه أن يدخل تدريجيا إلى مجال من مجالات الفعل المدني التي كانت لها تقاليد سابقة داخل الحركة الحقوقية المغربية.
    كما أن تجربة جمعية النصير كشفت عن صعوبة الفصل بين المطلب الحقوقي والمطلب الجماعي. فالدفاع عن المعتقل لم يكن يتعلق فقط بوضعه القانوني، وإنما كان يرتبط أيضا بعلاقته بأسرته ومحيطه الاجتماعي، وبصورة أوسع بموقع التيار السلفي داخل المجال العام بعد اعتقالات 2003. ولذلك تحولت الجمعية، مع مرور الوقت، إلى إحدى القنوات التي جرى من خلالها التعبير عن قضية المعتقلين الإسلاميين خارج أسوار السجن.
    ومن هنا يمكن النظر إلى مرحلة النصير باعتبارها مرحلة التأسيس الحقوقي الأول: الانتقال من ردود الفعل الفردية والعائلية إلى إنشاء إطار جمعوي يحاول تنظيم الدفاع عن المعتقلين، وإنتاج خطاب يمكن من خلاله مخاطبة الدولة والمؤسسات والمجتمع.
    3 اللجنة المشتركة: انتقال القضية إلى الفعل الاحتجاجي
    إذا كانت جمعية النصير قد أسهمت في تأسيس الإطار الجمعوي للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، فإن اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين التي ظهرت سنة 2011 مثلت مرحلة مختلفة من حيث طبيعة العمل وأدواته.
    فقد جاء تأسيس اللجنة في سياق سياسي واجتماعي جديد اتسم بحراك 2011، واتساع هامش الاحتجاج والتعبئة، الأمر الذي انعكس على قضية المعتقلين الإسلاميين نفسها. ولم تعد المطالب مقتصرة على المساعدة القانونية أو التضامن الاجتماعي، وإنما اتجهت نحو التعبئة والاحتجاج والضغط على المؤسسات.
    اعتمدت اللجنة في نشاطها على مجموعة من الأدوات، من بينها البيانات والتواصل الإعلامي والوقفات الاحتجاجية وتنظيم الإضرابات عن الطعام والاحتجاج أمام المؤسسات الرسمية، فضلا عن التواصل مع أسر المعتقلين والمعتقلين السابقين. وهكذا انتقلت القضية تدريجيا من نموذج يقوم أساسا على الدفاع عن المعتقل إلى نموذج يقوم على تنظيم قضية المعتقلين وتحويلها إلى ملف حقوقي وسياسي حاضر في المجال العام.
    وكان من أبرز التحولات في هذه المرحلة أن اللجنة لم تعد تتوجه فقط إلى الدولة وأجهزتها، بل أصبحت توجه النقد أيضا إلى الفاعلين السياسيين الذين وصلوا إلى السلطة. وظهر ذلك بصورة خاصة في انتقاداتها لحكومة وحزب العدالة والتنمية، على خلفية ما اعتبرته اللجنة عدم تنفيذ تعهدات أو وعود مرتبطة بملف المعتقلين الإسلاميين.
    وتكتسب هذه النقطة أهمية تحليلية خاصة لأنها تكشف عن تحول داخل الخطاب نفسه: فالسلفي الذي كان ينظر إليه سابقا باعتباره خارج المجال السياسي أصبح يستخدم لغة الحقوق لمساءلة فاعل سياسي إسلامي موجود داخل السلطة. وبذلك أصبح الانتماء الإسلامي المشترك غير كاف لتوحيد المواقف إذ أصبحت قضية الاعتقال والحقوق والحريات معيارا مستقلا للحكم على أداء الفاعلين السياسيين.
    ومن أبرز أدوات الاحتجاج التي رافقت هذا المسار الإضراب عن الطعام. فقد لجأ عدد من المعتقلين، منذ سنة 2003 وبشكل متقطع في السنوات اللاحقة، إلى هذه الوسيلة للمطالبة بتحسين ظروف الاعتقال أو الاحتجاج على أوضاعهم أو المطالبة بالإفراج.
    وتكتسب هذه الأداة أهمية لأنها تكشف عن نوع من انتقال تقنيات الاحتجاج بين الحقول السياسية والحقوقية. فالإضراب عن الطعام كان جزءا من تقاليد الاحتجاج التي راكمتها الحركة الحقوقية والسياسية المغربية، ولا سيما داخل تجارب اليسار والاتحاديات خلال العقود السابقة. غير أن استخدام المعتقلين الإسلاميين لهذه الأداة لم يكن، في بداياته، نتيجة تنسيق مباشر ومنظم مع تلك التيارات، وإنما جاء في سياق بحث المعتقلين أنفسهم عن أدوات فعالة لإيصال مطالبهم والضغط على إدارة السجون والسلطات.
    وبذلك يمكن القول إن المعتقلين الإسلاميين لم يكتفوا بتطوير خطاب حقوقي خاص بهم، بل بدأوا أيضا في تبني بعض أشكال الفعل الاحتجاجي التي كانت قد تطورت داخل تجارب سياسية وحقوقية أخرى، مع إعادة توظيفها ضمن سياقهم الخاص.
    3 التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين: من الاعتقال إلى جبر الضرر والإدماج
    تمثل التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين محطة جديدة في تطور الفعل الحقوقي المرتبط بالمعتقلين الإسلاميين في المغرب. فإذا كانت جمعية النصير، التي ظهرت سنة 2004، قد ركزت أساسا على الدفاع عن المعتقلين ومساندة أسرهم، ثم جاءت اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين سنة 2011 لتوسع مجال التعبئة والاحتجاج، فإن تنسيقية قدماء المعتقلين الإسلاميين تنقل مركز الاهتمام إلى مرحلة مختلفة: مرحلة ما بعد الإفراج.
    وقد تأسست التنسيقية في مارس 2024، حيث حرر بيانها التأسيسي بتاريخ 20 مارس 2024، بعد اجتماع مجموعة من المعتقلين الإسلاميين السابقين وتداولهم في الأوضاع التي وجدوا أنفسهم فيها بعد انتهاء فترات الاعتقال. وتشير الوثائق والتغطيات المنشورة حول التأسيس إلى أن الدافع الأساسي كان الإحساس بوجود فجوة بين انتهاء العقوبة القانونية وبين انتهاء آثار الاعتقال اجتماعيا وصحيا واقتصاديا.
    تكمن أهمية هذه التجربة في أنها تعيد تعريف موضوع القضية. فلم يعد السؤال الأساسي هو: كيف ندافع عن المعتقل داخل السجن؟ وإنما أصبح: ماذا يحدث للمعتقل بعد خروجه من السجن؟
    فبحسب البيان التأسيسي، ترى التنسيقية أن سنوات الاعتقال وما ارتبط بها من ظروف محاكمة وإقامة داخل السجن، وما يصفه البيان بالتعذيب والمعاملة القاسية، تركت آثارا اجتماعية وصحية ونفسية استمرت بعد الإفراج. ومن ثم فإن انتهاء الاعتقال، في تصور التنسيقية، لا يعني بالضرورة انتهاء آثاره.
    وهنا تظهر فكرة أساسية في خطاب التنسيقية: العقوبة القانونية لها نهاية، لكن آثارها الاجتماعية قد تستمر. وقد انعكس ذلك في مطالب تتعلق بالشغل والسكن والصحة والإدماج الاجتماعي، إضافة إلى جبر الضرر المادي والمعنوي.
    وتشير تغطية صحفية في مارس 2024 إلى أن المعتقلين السابقين ربطوا تأسيس التنسيقية تحديدا بمشكل غياب الإدماج الاجتماعي والتأهيل الصحي بعد الاعتقال، وطالبوا بالإدماج في سوق الشغل والسكن اللائق والتطبيب للحالات التي ترتبت عليها أزمات نفسية وعضوية.
    تتمحور المطالب التي أعلنتها التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين حول تصور يتجاوز حدود المطالبة بالإفراج أو الاعتراض على ظروف الاعتقال، لينتقل إلى معالجة الآثار التي خلفتها تجربة الاعتقال على المعتقلين السابقين وأسرهم، وما ترتب عنها من أضرار مادية ومعنوية واجتماعية وصحية. وفي مقدمة هذه المطالب يأتي جبر الضرر، باعتباره مدخلاً أساسياً لمعالجة ما تعتبره التنسيقية انتهاكات تعرض لها المعتقلون خلال فترة الاعتقال، وهو ما يعكس تحولاً في طبيعة الخطاب الحقوقي من التركيز على إنهاء الاعتقال وتحسين شروطه إلى المطالبة بالإنصاف عن الأضرار التي ترتبت عليه بعد انتهاء العقوبة. وبذلك لم تعد قضية المعتقل السابق، وفق هذا التصور، تنتهي بمجرد خروجه من السجن، وإنما تستمر من خلال الآثار التي قد تظل حاضرة في حياته القانونية والاجتماعية والاقتصادية.
    ويتصل مطلب جبر الضرر بصورة مباشرة بمطلب الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، إذ ترى التنسيقية أن مغادرة السجن لا تعني بالضرورة استعادة المعتقل السابق لوضعه الذي كان عليه قبل الاعتقال. ولذلك تطرح مسألة الإدماج في سوق الشغل، والحصول على السكن اللائق، واستعادة القدرة على بناء حياة اجتماعية واقتصادية مستقرة، باعتبارها جزءاً من معالجة آثار الاعتقال وليس مجرد مطالب اجتماعية منفصلة عن الملف الحقوقي. ويكشف هذا الجانب عن اتساع دائرة الخطاب الذي تتبناه التنسيقية، بحيث لم يعد يقتصر على الحقوق المدنية والسياسية، بل أصبح يشمل أيضاً الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، انطلاقاً من أن رد الاعتبار للمعتقل السابق لا يتحقق فقط من خلال معالجة وضعه القانوني، وإنما يحتاج كذلك إلى تمكينه من استعادة موقعه داخل المجتمع والحد من الآثار الممتدة التي يمكن أن تنتج عن سنوات السجن وما رافقها من انقطاع عن الدراسة أو العمل وتفكك في المسار الاجتماعي والمهني.
    ويأخذ البعد الصحي مكانة متقدمة ضمن هذا التصور، خصوصا بالنسبة إلى المعتقلين السابقين الذين تقول التنسيقية إنهم يعانون من آثار جسدية أو نفسية مرتبطة بسنوات الاعتقال. وقد أصبح هذا الجانب أكثر حضوراً في خطابها خلال نهاية سنة 2025، عندما تحدث المنسق العام للتنسيقية مصطفى كريمي عن الحاجة إلى مواكبة طبية للحالات التي تعاني من أمراض مستعصية أو مزمنة، وربط ذلك بمفهوم أوسع لجبر الضرر. وهنا يتضح أن التنسيقية لا تنظر إلى جبر الضرر باعتباره تعويضا ماديا فقط، وإنما باعتباره مسارا متعدد الأبعاد يشمل معالجة الآثار الصحية، وتوفير المواكبة اللازمة، والمساعدة على إعادة بناء الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمعتقل السابق.
    ومن ثم، يمكن فهم مجموع هذه المطالب باعتباره انتقالا من خطاب يركز على وضع المعتقل داخل المؤسسة السجنية إلى خطاب يهتم بما بعد السجن، أي بما يحدث للمعتقل بعد استعادة حريته، وبكيفية معالجة الآثار التي تظل ملازمة له ولأسرته. فالمطلوب، في تصور التنسيقية، لا يقتصر على الاعتراف بالضرر، وإنما يمتد إلى اتخاذ إجراءات تمكن المعتقل السابق من تجاوز آثاره واستعادة قدرته على الاندماج في المجتمع. وبهذا المعنى، يجتمع جبر الضرر والإدماج الاجتماعي والاقتصادي والتأهيل والمواكبة الصحية ضمن تصور واحد يقوم على أن العدالة بالنسبة إلى المعتقل السابق لا تكتمل بمجرد انتهاء الاعتقال، وإنما تتطلب معالجة تبعاته وضمان شروط تمكنه من استعادة حياة مستقرة وكريمة.
    حدد البيان التأسيسي للتنسيقية مجموعة من الوسائل السلمية لتحقيق أهدافها، من بينها الشكايات والمراسلات، ومقابلة مسؤولي الإدارات المعنية، وتنظيم الندوات الصحفية والحقوقية، والتنسيق مع الهيئات والجمعيات ذات الصلة وطنياً ودولياً.
    لكن تجربة 2025 أظهرت توسع هذه الأدوات لتشمل الاحتجاج الميداني والترافع المؤسساتي. ففي 30 يونيو 2025 نظمت التنسيقية وقفة أمام البرلمان بالرباط للمطالبة بجبر الضرر وتحقيق العدالة الاجتماعية، بمشاركة عدد من الفاعلين السياسيين والحقوقيين. وقد أكدت خلال هذه المحطة أن تحركها يقوم على العمل السلمي والحقوقي، ودعت الهيئات الحقوقية الوطنية والدولية إلى دعم الملف.
    وهكذا أصبحت التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين تتحرك تدريجيا على ثلاثة مستويات متوازية، أولها المستوى الحقوقي والمؤسساتي، من خلال التواصل مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومحاولة إدخال ملفها إلى قنوات الحوار المؤسساتي، وثانيها المستوى السياسي والتشريعي، عبر الاحتجاج أمام البرلمان والتوجه إلى الفاعلين والأحزاب السياسية، وثالثها المستوى المدني والحقوقي، من خلال تنظيم الندوات والانفتاح على الجمعيات والهيئات الحقوقية. ويعكس هذا التعدد في مجالات التحرك انتقال التنسيقية من مجرد التعبير عن مطالب فئة من المعتقلين السابقين إلى محاولة بناء قضية ذات امتدادات حقوقية وسياسية ومجتمعية أوسع.
    وتعد محطة 11 يونيو 2025 من أبرز محطات هذا المسار، حين عقدت التنسيقية لقاء رسميا مع وفد من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، بهدف عرض ملفها المطلبي والدفاع عن حقوق أعضائها. وبحسب البلاغات المنشورة، ضم وفد المجلس عبد الرفيع حمضي، مدير الرصد والحماية، إلى جانب خالد الحجامي وعضوة أخرى من المجلس. وأفادت التنسيقية بأن اللقاء عرف تفاعلا إيجابيا، وأن ممثلي المجلس أبدوا استعدادا لمعالجة الملف وفق القانون والإنصاف، كما أعلن عن رفع الملف إلى الجهات الحكومية المختصة، وعلى رأسها رئاسة الحكومة. وتكتسب هذه المحطة أهميتها من كونها نقلت التنسيقية من مجرد طرح مطالبها في المجال العام إلى فتح قناة مباشرة مع مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، بما أعطى للملف بعدا مؤسساتيا واضحاً
    غير أن هذه القناة لم تؤد، وفق ما يظهر من تحركات التنسيقية اللاحقة، إلى تسوية نهائية للملف. ففي أغسطس 2025 صدرت مواقف عن التنسيقية تنتقد ما اعتبرته التفافا على جوهر مطالبها وعدم تحقيق ما كانت تنتظره من اللقاء السابق، وهو ما دفعها إلى مواصلة الاحتجاج والترافع. ومن هنا بدأ خطابها يعرف تحولا تدريجيا في طبيعة المفاهيم التي يستند إليها، فبعد أن كان التركيز منصبا أساسا على الإدماج الاجتماعي وجبر الضرر وتسوية أوضاع المعتقلين السابقين، أخذ الخطاب يتجه بصورة متزايدة نحو مفاهيم أكثر ارتباطا بالعدالة الانتقالية، مثل الاعتراف والذاكرة ورد الاعتبار وجبر الضرر وعدم التكرار.
    وقد برز هذا التحول بصورة أوضح في الندوات والفعاليات التي شاركت فيها التنسيقية أو نظمتها بتنسيق مع هيئات حقوقية ومدنية. وفي 12 دجنبر 2025 احتضنت دار المحامين بالدار البيضاء ندوة بعنوان (العدالة الانتقالية الغائبة: حالة المعتقلين الإسلاميين السابقين)، نظمتها اللجان العمالية المغربية بتنسيق مع التنسيقية، وجرى خلالها تناول قضية المعتقلين السابقين من زوايا متعددة، من بينها العدالة الانتقالية وجبر الضرر والإدماج وتوثيق الشهادات. ويكشف هذا التطور عن تحول مهم في طبيعة تقديم القضية إذ بدأت قضية المعتقل الإسلامي السابق تنتقل من كونها قضية اجتماعية خاصة بفئة محددة إلى قضية تطرح داخل قاموس حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، بما يحمله ذلك من محاولة لإعادة تعريف التجربة السابقة ليس فقط باعتبارها سنوات من الاعتقال، وإنما باعتبارها تجربة لها آثار ممتدة على الأفراد وأسرهم ومسارهم الاجتماعي والمهني.
    وفي السياق نفسه، برزت الشهادة الشخصية باعتبارها إحدى أدوات الترافع وبناء الذاكرة. فلم يعد النقاش مقتصرا على المطالب المكتوبة والبيانات السياسية، وإنما أصبحت شهادات المعتقلين السابقين حاضرة في عدد من الفعاليات الحقوقية لتقديم رواية عن الاعتقال والمحاكمة وظروف السجن وما بعد الإفراج. وتكتسب الشهادة أهمية خاصة من الناحية البحثية، لأنها تؤدي وظيفة مزدوجة فهي من جهة تعبير عن الضرر كما يرويه أصحاب التجربة، ومن جهة أخرى وسيلة للمساهمة في بناء ذاكرة جماعية حول مرحلة الاعتقالات التي أعقبت أحداث 16 ماي. وبذلك بدأت تجربة المعتقل السابق تتحول من مجرد تجربة فردية إلى مادة للتوثيق والترافع، ومن الذاكرة الشخصية إلى محاولة بناء ذاكرة جماعية تستند إلى الشهادات.
    وبالتوازي مع هذا التحول في الخطاب، ظهرت محاولة أخرى تتمثل في توسيع دائرة التحالفات خارج المجال الإسلامي. فقد شارك في بعض أنشطة التنسيقية حقوقيون وشخصيات من اليسار ومنظمات حقوقية، كما جرى التنسيق مع هيئات مدنية وحقوقية مختلفة. وفي الوقفة أمام البرلمان، على سبيل المثال، حضر ممثلون عن الحزب الاشتراكي الموحد والرابطة العالمية للحقوق والحريات. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تشير إلى محاولة إعادة بناء التحالفات على أساس حقوقي بدلا من الأساس الأيديولوجي فإذا كان الدفاع عن المعتقلين الإسلاميين في مراحل سابقة يجري بدرجة كبيرة داخل محيطهم الاجتماعي والدعوي، فإن التنسيقية في هذه المرحلة تحاول تقديم القضية باعتبارها قضية حقوقية يمكن أن يتقاطع حولها إسلاميون ويساريون وحقوقيون ومستقلون، بما يسمح بإخراجها من دائرة التضامن الداخلي إلى فضاء حقوقي ومدني أوسع.
    ولم يتوقف هذا المسار عند سنة 2025، بل واصلت التنسيقية خلال 2026 الضغط الميداني والمؤسساتي. ففي أبريل 2026 أعلنت عن تنظيم وقفة أمام مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالرباط، في إطار مواصلة الترافع من أجل إنصاف قدماء المعتقلين وتسوية أوضاعهم. كما ظهر خلال أغسطس 2026 توجه أكثر وضوحا نحو مخاطبة الأحزاب السياسية مباشرة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية، حيث بدأ قدماء المعتقلين الإسلاميين في طرق أبواب الأحزاب والمطالبة بإدراج قضيتهم ضمن النقاش السياسي والحقوقي. ويعكس هذا التطور اتساع تصور التنسيقية لطبيعة المشكلة فلم تعد القضية، في خطابها، مرتبطة فقط بسنوات الاعتقال وما رافقها من أضرار، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا باستمرار بعض آثار تلك المرحلة بعد الإفراج، وما ترتب عنها من صعوبات في الإدماج والحياة الاجتماعية والمهنية ورد الاعتبار.
    وبذلك يمكن قراءة مسار التنسيقية خلال هذه المرحلة باعتباره انتقالا تدريجيا من المطالبة الاجتماعية المباشرة إلى بناء ملف حقوقي ذي أبعاد مؤسساتية، ثم إلى محاولة إدخاله في إطار أوسع يستند إلى مفاهيم العدالة الانتقالية والذاكرة والشهادة، بالتوازي مع السعي إلى توسيع دائرة الحلفاء خارج المجال الإسلامي والوصول في النهاية إلى الفاعلين السياسيين والأحزاب. ولا يعني هذا الانتقال بالضرورة أن التنسيقية تخلت عن مطالبها الأولى، وإنما يكشف عن تطور في أدوات الترافع وفي اللغة التي تقدم بها قضيتها، من المطالبة بجبر الضرر والإدماج وتسوية الأوضاع إلى محاولة بناء سردية حقوقية أكثر شمولا حول تجربة الاعتقال وآثارها المستمرة. ومن هذه الزاوية، فإن تجربة التنسيقية تمثل حالة جديرة بالدراسة لفهم كيفية انتقال قضية المعتقلين الإسلاميين السابقين من فضاء التضامن الداخلي إلى المجال الحقوقي والمؤسساتي، ثم إلى المجال السياسي، وكيف تحاول هذه الفئة إعادة تعريف موقعها في المجتمع المغربي بعد سنوات من الاعتقال، ليس فقط من خلال المطالبة بالإنصاف، وإنما أيضا من خلال إنتاج الشهادة والذاكرة وبناء شبكات جديدة من الترافع والتحالف.
    من المساندة الحقوقية إلى بناء إطار مدني: المعتقلون الإسلاميون وتنسيقية الكرامة واليقظة
    لم يكن مسار المعتقلين الإسلاميين السابقين في المغرب مسارا أنتجته احتجاجاتهم الداخلية وحدها، بل ساهمت فيه، منذ مراحل مبكرة، شبكة من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين والمدنيين الذين انخرطوا في الدفاع عن قضيتهم، سواء من خلال الترافع الحقوقي والقانوني، أو تنظيم الندوات واللقاءات، أو فتح قنوات التواصل مع المؤسسات السياسية والحقوقية.
    وتكتسي هذه الشبكة أهمية خاصة لأنها تكشف عن انتقال قضية المعتقلين الإسلاميين من كونها ملفا يخص مجموعة من المعتقلين وعائلاتهم إلى قضية أصبحت تتقاطع فيها حقوق الإنسان، والسياسة، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإدماج. ومن بين الأسماء التي برزت في هذا المسار الدكتور محمد حقيقي نائب رئيس الرابطة العالمية للحقوق والحريات وممثلها بالمغرب إلى جانب الفاعل السياسي العلمي الحروني، بما يجعل دراسة العلاقة بين هؤلاء الفاعلين والمعتقلين السابقين مدخلا لفهم التحولات التي عرفها العمل المدني المرتبط بهذا الملف.
    يمثل الدكتور محمد حقيقي أحد أبرز الحقوقيين الذين رافقوا قضية المعتقلين الإسلاميين خلال مرحلة مبكرة من تشكل إطارهم الترافعي. فقد ورد اسمه مستشارا حقوقيا للجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين. كما شارك في أنشطة وندوات نظمتها اللجنة حول أوضاع المعتقلين والسجون وحقوقهم.
    وتكشف مداخلاته عن محاولة نقل القضية من مستوى الاحتجاج المباشر إلى مستوى بناء حجة حقوقية وسياسية. ففي ندوة نظمتها اللجنة المشتركة سنة 2016 حول تدبير السجون المغربية، شارك محمد حقيقي إلى جانب عدد من الفاعلين الحقوقيين، من بينهم رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومحامون وحقوقيون. وهذا النوع من اللقاءات لم يكن مجرد مناسبة لإصدار مواقف تضامنية، بل وفر للمعتقلين السابقين فضاء للتعبير عن تجربتهم وربطها بالنقاش العام حول حقوق الإنسان والسجون.
    وفي تصريحات أخرى، ذهب حقيقي إلى أن معالجة ملف معتقلي السلفية تحتاج إلى قرار سياسي، وربط ذلك بالحاجة إلى طي صفحة الاعتقال والانتقال إلى مرحلة جديدة، كما أشار إلى مطالب إطلاق السراح وجبر الضرر وإلى اتفاق 25 مارس 2011.
    وهنا تظهر أهمية دوره فوجود حقوقي من خارج البنية التنظيمية للمعتقلين ساعد على تحويل بعض مطالبهم من لغة الاحتجاج إلى لغة حقوقية قابلة للتداول أمام المؤسسات والهيئات السياسية والمدنية.
    و يكتسب اتفاق 25 مارس 2011 أهمية خاصة في دراسة هذه المرحلة، لأنه جمع بين ممثلين عن المعتقلين الإسلاميين وممثلين عن مؤسسات رسمية وحقوقية، بحضور شخصيات حقوقية من بينها مصطفى الرميد ومحمد حقيقي. وتصف مصادر اللجنة المشتركة الاتفاق بأنه تضمن وعودا بإطلاق سراح المعتقلين على دفعات، ومعالجة الملفات العالقة، وتفعيل العفو، وضمان الحقوق السجنية.
    ومن الناحية التحليلية، يمكن النظر إلى هذه المحطة باعتبارها لحظة انتقال في طبيعة العلاقة بين المعتقلين والفاعلين الحقوقيين. فالمعتقل لم يعد يتحرك فقط باعتباره صاحب مطلب احتجاجي، وإنما أصبح جزءا من عملية تفاوض وترافع تتطلب وسطاء وفاعلين يمتلكون القدرة على مخاطبة المؤسسات بلغة مختلفة.
    وهذا ما جعل الفاعل الحقوقي الدكتور محمد حقيقي يؤدي وظيفة مزدوجة: نقل مطالب المعتقلين إلى المجال المؤسساتي، وفي الوقت نفسه مساعدة المعتقلين على إعادة صياغة قضيتهم باعتبارها قضية حقوقية وسياسية وليست فقط قضية أمنية.
    وإذا كان محمد حقيقي يمثل في هذا المسار نموذج الفاعل الحقوقي الذي رافق المعتقلين وساندهم في الترافع عن قضيتهم، فإن العلمي الحروني يمثل نموذجا آخر يقوم على توسيع القضية نحو المجال السياسي والمدني.
    الحروني أصبح لاحقا المنسق الوطني لتنسيقية الكرامة واليقظة للعدالة الانتقالية، وهي هيئة تشكلت في سياق نقاش أوسع حول الاعتقال السياسي والعدالة الانتقالية. وقد جاء تأسيسها بعد ندوة حول (الاعتقال السياسي بالمغرب: بين رد الاعتبار ورهان طي صفحة الاعتقال التعسفي)، نظمت في مقر الحزب الاشتراكي الموحد بتمارة سنة 2024، قبل أن يتم الإعلان عن تأسيس الإطار المدني الجديد وتشكيل سكرتاريته الوطنية.
    وهنا تبرز دلالة مهمة: العلاقة التي كانت في مرحلة معينة علاقة تضامن أو مساندة بين فاعلين حقوقيين وسياسيين وبين المعتقلين السابقين، بدأت تتحول تدريجيا إلى عمل مدني مشترك.
    فبعض المعتقلين السابقين لم يعودوا مجرد موضوع للدفاع الحقوقي، وإنما أصبحوا أنفسهم جزءا من الهيئات التي تنتج الخطاب الحقوقي وتشارك في الندوات وتطرح المطالب أمام الرأي العام.
    ان تأسيس تنسيقية الكرامة واليقظة يمثل تحولا مهما في طبيعة الخطاب.
    فالمطالب لم تعد تقتصر على إطلاق سراح المعتقلين الموجودين في السجون، وهي المطالب التي كانت في قلب عمل اللجنة المشتركة، وإنما اتسعت لتشمل قضايا جبر الضرر، ورد الاعتبار، وإعادة الإدماج، والرعاية اللاحقة، وحفظ الذاكرة، ومنع تكرار الانتهاكات.
    وتنص الأهداف المعلنة للتنسيقية على تعزيز ثقافة المصالحة الوطنية والسلم الاجتماعي، وحفظ الذاكرة الجماعية، والدفع نحو إصلاحات سياسية وتشريعية مرتبطة بالعدالة الانتقالية، ودعم برامج إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني والرعاية اللاحقة للمعتقلين المفرج عنهم.
    وهذا التحول مهم من الناحية البحثية، لأنه يعني أن قضية المعتقلين السابقين بدأت تتحرك من مرحلة المطالبة بالحرية إلى مرحلة السؤال عن ما بعد الحرية.
    فالمشكلة، بالنسبة إلى عدد من المعتقلين السابقين، لم تنته بمجرد انتهاء مدة الاعتقال. فقد ظهرت قضايا أخرى مرتبطة بالإدماج الاجتماعي والمهني، والصحة النفسية والاجتماعية، وجبر الضرر، واستعادة المكانة الاجتماعية، والتعامل مع آثار سنوات السجن.
    لعبت الندوات دورا مهما في هذا التحول.
    فالندوة لم تعد مجرد مناسبة إعلامية للتعريف بملف المعتقلين، وإنما أصبحت فضاء يجتمع فيه المعتقل السابق والحقوقي والسياسي والأكاديمي والصحفي، وهو ما يسمح بإعادة صياغة القضية ضمن مفاهيم أوسع.
    ومن أبرز الأمثلة الحديثة الندوة الصحافية التي نظمتها تنسيقية الكرامة واليقظة في الرباط في أكتوبر 2025 تحت شعار(شهادات التعذيب، سؤال الإنصاف، ومقاربة العدالة)وقد قسمت أشغالها إلى ثلاث جلسات: شهادات المعتقلين السابقين وعائلاتهم، ثم الأبعاد السياسية والحقوقية والقانونية، ثم البحث عن خارطة طريق ومقاربة لطي قضية المفرج عنهم.
    واللافت في هذه الندوة أن المعتقلين السابقين لم يكونوا مجرد ضيوف أو موضوع للحديث بل قدموا شهاداتهم بأنفسهم، وشاركوا في النقاش حول مستقبل قضيتهم.
    وهذا يوضح التحول من (الدفاع عن المعتقلين) إلى (تمكين المعتقلين السابقين من الدفاع عن قضيتهم بأنفسهم)
    ربما تكون هذه النقطة هي الأهم في دراسة العلاقة بين المعتقلين الإسلاميين السابقين والفاعلين الحقوقيين.
    ففي المرحلة الأولى كان الفاعل الحقوقي يقوم بدور الوسيط: يستمع إلى المعتقل، ويشرح قضيته، ويترافع عنه أمام المؤسسات، ويساعد على تنظيم الندوات واللقاءات.
    أما في المرحلة اللاحقة، فقد أصبح المعتقل السابق نفسه فاعلا مدنيا، يشارك في صياغة المطالب، ويحضر اللقاءات، ويقدم الشهادات، وينخرط في التنسيقيات والهيئات التي تدافع عن قضيته.
    وهذا التحول يمكن قراءته باعتباره انتقالا من المظلومية إلى الفعل المدني.
    وإذا كانت تجربة اللجنة المشتركة وتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الاسلاميين قد ساهمت في خلق شكل من أشكال التنظيم الجماعي للمعتقلين الإسلاميين، فإن تجربة تنسيقية الكرامة واليقظة تفتح مجالا مختلفا، يتمثل في إدماج قضية هؤلاء المعتقلين السابقين داخل خطاب أوسع للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان.
    تكشف تجربة محمد حقيقي والعلمي الحروني عن أن مسار قضية المعتقلين الإسلاميين لم يكن خطا تنظيميا واحدا.
    فقد تشكلت حول القضية شبكة من العلاقات ضمت المعتقلين السابقين، والحقوقيين، والمحامين، والسياسيين، والجمعيات الحقوقية، والإعلاميين، والأكاديميين.
    ومن هذه الزاوية يمكن فهم تنسيقية الكرامة واليقظة ليس باعتبارها مجرد تنظيم جديد، وإنما باعتبارها نتيجة لتراكم سابق من العلاقات والخبرات واللقاءات والندوات.
    فالنقاش الذي بدأ حول الاعتقال والسجن والمحاكمة وحقوق المعتقلين أخذ يتوسع تدريجيا ليشمل سؤالاً أكبر: كيف يمكن معالجة آثار الاعتقال بعد انتهائه؟ وكيف يمكن إدماج المعتقلين السابقين؟ وكيف يمكن الاعتراف بما يعتبرونه أضرارا لحقت بهم؟ وكيف يمكن إدراج هذه التجربة ضمن تصور أوسع للعدالة الانتقالية؟
    وهذا يفسر أيضا حضور المعتقلين السابقين داخل هذه التجربة الجديدة، باعتبارهم ليسوا فقط مستفيدين من الدعم الحقوقي، وإنما شركاء في إنتاج الخطاب والمطالب.
    يمكن القول إن دراسة مسار المعتقلين الاسلاميين في المغرب تكشف عن ثلاث مراحل مترابطة، بدأت بمرحلة الدفاع عن المعتقل، حيث كان الاهتمام منصبا على المطالبة باطلاق السراح، وتحسين ظروف الاعتقال، وضمان المحاكمة العادلة، إلى جانب الترافع الحقوقي والقانوني حول الملفات المرتبطة بالمعتقلين. ومع مرور الوقت، انتقل عدد من المفرج عنهم من موقع الفرد المتضرر من تجربة الاعتقال إلى موقع الفاعل الجماعي، فظهرت التنسيقيات واللجان، وتوسعت الانشطة الاحتجاجية والحقوقية، وأصبح المعتقلون السابقون يسعون إلى التعبير عن مطالبهم بشكل جماعي والتواصل مع المؤسسات والهيئات الحقوقية والسياسية. ثم تطور هذا المسار تدريجيا نحو مرحلة اتسعت فيها طبيعة المطالب لتتجاوز مسألة الاعتقال والافراج، لتشمل جبر الضرر المادي والمعنوي، ورد الاعتبار، واعادة الادماج، وحفظ الذاكرة، والرعاية اللاحقة، والمطالبة بضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.
    وفي هذا السياق يمكن فهم ظهور تنسيقية الكرامة واليقظة باعتبارها جزءا من مرحلة جديدة في مسار المعتقلين الاسلاميين السابقين، حيث لم يعد السؤال المركزي مرتبطا فقط بما اذا كان المعتقل قد خرج من السجن، وانما بما حدث له بعد الخروج، وكيف استمرت آثار تجربة الاعتقال في حياته وفي علاقته بالمجتمع وبالمؤسسات، وما الذي يمكن ان تقوم به الدولة والمجتمع المدني لمعالجة هذه الاثار. فعملية الافراج لا تعني بالضرورة انتهاء تبعات الاعتقال، اذ قد تستمر اثاره الاجتماعية والنفسية والمادية والمهنية لسنوات، وهو ما جعل بعض المعتقلين السابقين ينتقلون من المطالبة بالخروج من السجن الى المطالبة بمعالجة ما ترتب عن سنوات الاعتقال من اضرار.
    ولم يتشكل هذا المسار بفعل المعتقلين السابقين وحدهم، بل ساهم فيه تفاعل عدد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين والمدنيين مع قضية المعتقلين. وقد لعب هؤلاء الفاعلون ادوارا مختلفة في مراحل متعددة، سواء من خلال الدفاع الحقوقي، او الترافع القانوني، او فتح قنوات التواصل مع المؤسسات، او المساهمة في نقل القضية من دائرة المطالب الفردية الى المجال العام. ومن بين هؤلاء يمكن الاشارة الى الدكتور محمد حقيقي، الذي كان له حضور في المجال الحقوقي، وساهم في مواكبة قضية المعتقلين والتنسيق مع عدد من الفاعلين، كما يمكن الاشارة الى العلمي الحروني الذي شكل انخراطه في مرحلة لاحقة امتدادا لهذا التفاعل بين المعتقلين السابقين وفاعلين من خارج دائرتهم التنظيمية والفكرية.
    ومن هذه الزاوية، تمثل تنسيقية الكرامة واليقظة محطة في تطور مسار المعتقلين الاسلاميين السابقين، لانها تعكس انتقال القضية من مرحلة الدفاع عن المعتقل الى مرحلة تنظيم المعتقلين السابقين، ثم الى مرحلة اوسع تتقاطع فيها المطالب الحقوقية مع قضايا جبر الضرر ورد الاعتبار واعادة الادماج والذاكرة وعدم تكرار الانتهاكات. كما تكشف التجربة عن اهمية الفاعلين الذين تحركوا خارج الدائرة المباشرة للمعتقلين، سواء كانوا حقوقيين او سياسيين او مدنيين، في فتح المجال امام هذه القضية لكي تتحول من ملف يخص افرادا تعرضوا للاعتقال الى قضية لها حضور داخل المجال الحقوقي والمدني، وتصبح قابلة للنقاش والترافع امام المؤسسات والمجتمع.

أسباب فشل التوحيد الحقوقي الإسلامي
يبدو للوهلة الاولى ان اشتراك التيارات الاسلامية في المرجعية الدينية كان يمكن ان يكون اساسا كافيا لتأسيس اطار حقوقي جامع، يدافع عن كل من تعرض للاعتقال او التعذيب او المحاكمة غير العادلة، بصرف النظر عن انتمائه التنظيمي. غير ان هذا الافتراض يخلط بين نوعين مختلفين من الروابط: رابط هوياتي واسع يجمع اشخاصا وجماعات متعددة، ورابط مؤسسي عملي يقوم على ميثاق واضح، وقواعد للعضوية، واستقلال في القرار، ومنهج موحد في التوثيق والتقاضي والتفاوض.
في الحالة المغربية، لم يكن الاسلاميون كتلة سياسية واحدة. فقد ضم الحقل الاسلامي حزبا مندمجا في المؤسسات، وجماعة معارضة ذات مشروع سياسي شامل، وتيارات سلفية متعددة، ثم مجموعات صنفتها الدولة ضمن السلفية الجهادية وربطتها بملفات الارهاب. لذلك السؤال: ما موقف كل طرف من الدولة، ومن الديمقراطية، ومن العنف، ومن شرعية القوانين الوضعية، ومن التفاوض مع السلطة؟ وهذه اسئلة تحدد طبيعة العمل الحقوقي اكثر مما يحددها الانتماء الديني العام.
كما ينبغي تصحيح صورة المقارنة مع اليسار. لم يتوحد اليسار المغربي توحدا كاملا، ولم تكن الجمعية المغربية لحقوق الانسان حزبا يساريا بالمعنى التنظيمي. لكن بعض مكونات اليسار نجحت في تحويل مرجعية كونية للحقوق الى لغة عمل مستقلة نسبيا عن الخلافات الحزبية. وتصف مصادر مؤسسية الجمعية المغربية لحقوق الانسان بانها تأسست سنة 1979، وتعمل على حماية الكرامة والدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتستند الى الاتفاقيات الدولية ذات الطبيعة الكونية، مع امتلاكها شبكة من الفروع المحلية.
المقارنة الصحيحة اذن ليست بين اسلاميين موحدين ويسار موحد، بل بين تجربة راكمت ميثاقا حقوقيا ومؤسسات وفروعا وارشيفا، وحقل اسلامي بقيت فيه المبادرات الحقوقية اقرب الى الجماعة او الحزب او ملف المعتقلين التابع لهذا التيار. وهذا هو سبب تحول التضامن من قيمة اخلاقية عامة الى تضامن انتقائي، محدود المدة، ومشروط بالقرب السياسي والتنظيمي.
اولا: لماذا لم يكن الاسلام وحده كافيا لبناء اطار حقوقي مشترك؟
اظهرت دراسة عن الاسلاميين وحقوق الانسان في المغرب ان دخول الاسلاميين الى المجال الحقوقي كان متاخرا، وان علاقتهم بالخطاب الكوني لحقوق الانسان ظلت متاثرة بالصراع مع اليسار وبالتحفظ على ما يعدونه مساسا بالخصوصية الاسلامية. كما رصدت الدراسة انتقالا تدريجيا من الرفض او التعامل الانتقائي مع حقوق الانسان الى انشاء جمعيات ومنتديات حقوقية، مع بقاء التوتر بين المرجعية الاسلامية والمفهوم الكوني للحقوق.
من هنا يمكن فهم اول سبب للتشظي: التيارات الاسلامية لم تتفق قبل تأسيس المؤسسة على معنى الاستقلال الحقوقي. بعضها نظر الى حقوق الانسان باعتبارها اداة للدفاع عن المعتقلين الاسلاميين، وبعضها قبل بها باعتبارها قيمة عامة، وبعضها تحفظ على اجزاء منها، وبعضها ربط العمل الحقوقي بمشروعه في تغيير الدولة والمجتمع. وعندما تكون الحقوق اداة ظرفية وليست قاعدة عامة، يصبح من الصعب الدفاع عن الخصم كما يدافع المرء عن القريب.
يكشف النظر في طبيعة الفعل الحقوقي الذي أحاط بقضية المعتقلين الإسلاميين عن اختلاف جوهري بين منطق الدفاع الحقوقي القائم على مرجعية كونية، ومنطق التضامن التنظيمي الضيق الذي قد ينشأ داخل الجماعة أو حولها. فالإطار الحقوقي الكوني لا يجعل الانتماء السياسي أو الفكري للمعتقل معيارا أساسيا للدفاع عنه، وإنما ينطلق من واقعة الانتهاك وثبوت الحاجة إلى الإنصاف، بصرف النظر عن هوية الشخص أو طبيعة الأفكار التي يتبناها. أما التضامن التنظيمي الضيق، فيتأسس بدرجة أكبر على الانتماء إلى الجماعة أو القرب منها، بحيث تصبح العلاقة بين المدافع والمتهم جزءاً من دوافع الدفاع ومحدداته.
ويظهر هذا الاختلاف بصورة أوضح في معيار الدفاع نفسه. فالعمل الحقوقي يفترض الدفاع عن ضمانات المتهم وحقوقه القانونية دون حسم مسألة الذنب مسبقا إذ إن وظيفة الحقوقي ليست إصدار حكم قضائي، وإنما مراقبة احترام شروط المحاكمة العادلة، وتوثيق الانتهاكات، والدفع نحو إنصاف المتضرر وفق القانون. في المقابل، قد يميل التضامن التنظيمي إلى التبرئة أو التبرؤ بحسب الهوية، فيصبح الدفاع مرتبطا بموقع الشخص داخل الجماعة أو بدرجة قربه منها، وقد يتغير الموقف تبعا للموقف من المتهم أكثر مما يتغير تبعا للانتهاك ذاته.
وينعكس الاختلاف كذلك على طبيعة العلاقة بالدولة. فالإطار الحقوقي الكوني يقوم، في الأصل، على بناء مسافة نقدية مع مؤسسات الدولة، تسمح بالمراقبة المستقلة وتوثيق الانتهاكات واللجوء إلى آليات التقاضي والترافع. أما التضامن التنظيمي الضيق فقد يتجه، بحسب الظرف، إلى التفاوض السياسي أو الوساطة أو البحث عن تسويات مرتبطة بملف محدد، وهو ما يجعل علاقته بالدولة أكثر ارتباطا بموازين القوة والظرف السياسي وبإمكانات الوساطة المتاحة.
ويبرز الفارق أيضا في مسألة الاستمرارية. فالعمل الحقوقي المؤسسي يستطيع أن يتحول إلى ممارسة مستمرة تتجاوز الأشخاص والملفات، لأنه يستند إلى مؤسسة وعضوية وأرشيف وشبكات وفروع وآليات اشتغال يمكن أن تستمر بعد انتهاء قضية بعينها. أما اللجنة التي تنشأ حول ملف أو ظرف محدد، فإن استمرارها غالبا ما يبقى مرتبطا باستمرار القضية التي أنتجتها، وقد تتراجع فاعليتها بانتهاء الظرف أو تغير أولوياته.
ومن هنا تبرز مسألة قابلية التوسع باعتبارها أحد أهم الفوارق بين النموذجين. فالخطاب الحقوقي، من حيث مبدئه، قابل لاستيعاب المختلف والخصم، لأن معيار الانخراط فيه لا يقوم على وحدة الهوية أو الانتماء الفكري، وإنما على وحدة المبدأ المتعلق بحماية الحقوق والحريات وضمان المحاكمة العادلة والإنصاف. ولذلك يمكن أن يتحول الدفاع عن قضية محددة إلى مدخل لبناء إطار مدني أوسع، يستوعب أشخاصا لا يتشاركون بالضرورة الخلفية الفكرية أو التنظيمية نفسها. أما التضامن التنظيمي الضيق، فتبقى قدرته على التوسع محدودة بحدود الجماعة أو شبكات القرب منها، الأمر الذي يجعل الانتقال من الدفاع عن أفراد الجماعة إلى بناء قضية مدنية عامة أكثر صعوبة.
وبهذا المعنى، فإن التحول من المساندة القائمة على التضامن التنظيمي إلى العمل الحقوقي المؤسسي لا يمثل مجرد تغيير في أدوات الدفاع، وإنما يعكس انتقالاً في تعريف القضية نفسها: من قضية ترتبط بهوية مجموعة محددة وبأعضائها، إلى قضية يمكن تقديمها باعتبارها جزءا من سؤال أوسع يتعلق بالعدالة والإنصاف وضمانات المحاكمة وحماية الحقوق. وهذا التحول هو الذي يتيح للقضية أن تنتقل من نطاق التضامن الداخلي إلى المجال المدني والحقوقي الأوسع، وأن تصبح قابلة للترافع أمام المؤسسات والهيئات الحقوقية والسياسية خارج حدود الجماعة الأصلية.
ثانيا: لماذا يخاف كثير من الاسلاميين والحقوقيين من الدفاع عن السلفيين الجهاديين؟
الخوف هنا متعدد المستويات، ولا يصح اختزاله في الجبن او الخيانة او النفاق. يوجد اولا خوف اخلاقي وسياسي من ان يفهم الدفاع عن المعتقل على انه دفاع عن العنف. بعد تفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو 2003، صار مجرد الانتساب الى دوائر دينية او سلفية كافيا في بعض الحالات لانتاج شبهة امنية واجتماعية. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش اعتقالات واسعة بعد التفجيرات، وذكرت ان ما لا يقل عن الفين احتجزوا في الاشهر التالية بحسب منظمات حقوقية، مع اتهامات بتجاوز مدد الحراسة النظرية، وانتزاع اعترافات تحت الاكراه، وحرمان بعض المعتقلين من الضمانات الاساسية للدفاع.
في مثل هذا السياق، يخشى الفاعل الاسلامي المعتدل من ان يؤدي الدفاع عن المعتقلين الى ربطه اعلاميا وتنظيميا بتيار جهادي، او ان تستعمل السلطة هذا الدفاع دليلا على التعاطف مع الارهاب. ويخشى الحزب الذي يشارك في المؤسسات من خسارة رصيده الانتخابي ومن اتهامه بالتساهل مع الامن العام. اما الجماعة المعارضة فتخشى ان تتحول الى غطاء لتيار لا تتفق معه في المنهج ولا في تصور التغيير. وحتى الحقوقي المستقل قد يخشى ان يفقد ثقة الجمهور او ان يتعرض للملاحقة اذا لم يوضح الفارق بين حماية حقوق المتهم وتبني فكره.
يوجد ثانيا خوف من التناقض الداخلي. فبعض الجماعات التي تطالب باحترام حرية التعبير والمحاكمة العادلة عندما يتعلق الامر باعضائها، لا تملك دائما الموقف نفسه من خصومها الفكريين او من القضايا التي تمس تصورها للهوية والاخلاق. لذلك يصبح الدفاع عن السلفي الجهادي اختبارا حقيقيا لكون الحقوق مبدأ عاما لا امتيازا للجماعة. وكلما كان المبدأ الحقوقي غير محسوم، تراجعت القدرة على خوض هذا الاختبار.
يوجد ثالثا خوف من الغموض في تعريف الفئة المدافع عنها. فمصطلح السلفية الجهادية جمع اشخاصا متفاوتين: من تورط فعلا في التخطيط او التنفيذ، ومن تبنى خطابا متشددا من دون مشاركة في العنف، ومن اعتقل بسبب صلة عائلية او دعوية او اجتماعية، ومن شملته حملات واسعة بعد اعتداءات عنيفة. عدم التمييز بين هذه الحالات يضعف المطالبة بالعدالة. وفي المقابل، استعمال تهمة الارهاب بصورة واسعة يمنع التمييز ويجعل الرأي العام يتعامل مع الجميع ككتلة واحدة.
رابعا، تخشى بعض الاطراف ان يصبح الحوار مع المعتقلين بديلا عن المساءلة القضائية. وقد ظهر هذا التوتر في المبادرات التي ناقشت اعادة ادماج السلفيين المعتقلين. فبحسب تحليل كارنيغي سنة 2013، شارك في حوار مغربي عدد من الحقوقيين والمحامين والباحثين وممثلين عن مؤسسات رسمية وقيادات سلفية سابقة، وكان الهدف تخفيف الاستقطاب وفتح نقاش حول الادماج والحقوق. لكن مبادرات اخرى غابت عنها.
وهنا تكمن عقدة مهمة: عندما تربط الدولة الافراج او العفو باظهار التوبة او مراجعة الافكار، ينتقل الملف من سؤال قانوني الى سؤال ايديولوجي. قد تكون مراجعة العنف والتخلي عنه خطوة ضرورية لاعادة الادماج، لكنها لا ينبغي ان تلغي حق المتهم في المحاكمة العادلة او ان تجعل الاعتراف الفكري شرطا لاثبات البراءة. كما ان التوبة السياسية لا تعوض التحقيق في التعذيب ولا جبر ضرر من ثبتت براءته.
ثالثا: لماذا بقيت المبادرات الاسلامية متفرقة؟
اول سبب مؤسسي هو تبعية المنتدى الحقوقي للفاعل السياسي. منتدى الكرامة مثل محاولة مهمة لادخال ملف المعتقلين الاسلاميين الى المجال الحقوقي، واقام حوارات شاركت فيها جمعيات ومحامون وباحثون. غير ان قربه من حزب العدالة والتنمية جعل بعض الفاعلين ينظرون اليه باعتباره مرتبطا بحسابات الحزب وصورته السياسية. وقد اشارت كارنيغي الى ان المبادرة كانت مرتبطة بمنتدى الكرامة المحسوب على الحزب، والى ان بعض المشاركين شككوا في امكان فصل الهدف الحقوقي عن التنافس السياسي.
لا يعني هذا ان كل مواقف المنتدى كانت غير حقوقية، ولا ان قربه السياسي يبطل كل عمل قام به. لكنه يوضح المشكلة البنيوية: عندما تكون الجمعية الحقوقية امتدادا لحزب او جماعة، يصعب عليها اقناع المختلفين بانها ستدافع عنهم بالقدر نفسه. وحتى اذا كانت قيادتها صادقة، فان صورة التبعية وحدها قد تمنع التعاون.
السبب الثاني هو اختلاف علاقة التيارات بالدولة. الحزب المندمج في المؤسسات يحتاج الى الحفاظ على قنوات التفاوض، والجماعة المعارضة لا تريد ان تمنح الدولة شرعية من دون تغيير سياسي، والتيار السلفي الجهادي يواجه اصلا اتهاما امنيا ثقيلا. لذلك لا يتحمل الجميع الكلفة نفسها عند اعلان موقف مشترك. وفي تحليل العلاقة بين الاسلاميين والحركة الحقوقية المغربية، يظهر ان طبيعة العلاقة مع الدولة اثرت مباشرة في نوع المؤسسات التي انشاها الاسلاميون وفي درجة انخراطها في العمل الحقوقي.
السبب الثالث هو المنافسة على تمثيل المعتقلين. هل تتولى الملف هيئة مستقلة؟ ام لجنة شكلتها العائلات؟ ام محامون قريبون من جماعة بعينها؟ ام حزب يملك قنوات مع الدولة؟ عندما لا توجد قواعد متفق عليها، تتحول هذه الاسئلة الى صراع على الشرعية. وقد ذكرت كارنيغي ان اللجنة المشتركة كانت تمثل عددا كبيرا من المعتقلين، لكنها تحفظت على بعض صيغ الحوار التي رات انها تقدم اعادة تشكيل المواقف على المطالب الحقوقية المباشرة.
السبب الرابع هو ضعف التراكم المهني. المؤسسة الحقوقية تحتاج الى ارشيف للاعتقالات، وقاعدة بيانات للملفات، ومحامين متخصصين، وفرق للتوثيق، وعلاقات مع منظمات وطنية ودولية، وقدرة على متابعة الملف بعد انحسار الاهتمام الاعلامي. اما اللجان التي تنشأ بعد الاعتقالات فتظل غالبا مرتبطة بموجة احتجاج او بمجموعة عائلات. وهذا لا يقلل من تضحيات اعضائها، لكنه يجعلها اكثر عرضة للتعب والتفكك والاعتماد على افراد محدودين.
السبب الخامس هو اثر الذاكرة الصراعية بين الاسلاميين واليساريين. فقد ارتبط المجال الحقوقي في المغرب تاريخيا بالدفاع عن معتقلي اليسار والمعارضين السياسيين، ثم دخل الاسلاميون هذا المجال في وقت كان بعضهم ينظر الى الحقوقية باعتبارها خطابا غربيا او اداة خصوم سياسيين. وتبين الدراسة المتخصصة ان تاريخ المواجهة بين الاسلاميين والحقوقيين غير الاسلاميين عمق الشكوك المتبادلة، وان بعض الاسلاميين تعاملوا مع الحقوق بوصفها اداة في الصراع قبل ان تتحول تدريجيا الى مجال مؤسسي.
السبب السادس هو غياب خطاب عام يضع ضحايا الارهاب وحقوق المتهمين في اطار واحد. يمكن ان تكون للضحايا حقوق في الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، ويمكن للمتهمين حقوق في الدفاع والمحاكمة العادلة في الوقت نفسه. لكن الخطابات المتنافسة كثيرا ما تضع الطرفين في مواجهة اخلاقية: اما التضامن مع الضحايا، واما الدفاع عن المعتقلين. هذا الاختيار الزائف يخدم الاستقطاب ويضعف الحقوق.
رابعا: هل نجح اليسار فعلا حيث فشل الاسلاميون؟
نجح بعض اليسار في بناء مرجعية حقوقية اكثر قابلية للتنظيم، لكنه لم ينجح دائما في تجاوز كل الانقسامات. كما ان المنظمات الحقوقية ذات الخلفية اليسارية ليست محايدة سياسيا بالضرورة، وقد اختلفت هي ايضا في ملفات الدولة والاحتجاج والهوية. الفارق الاساسي ليس في نقاء اليسار ولا في فساد الاسلاميين، بل في التوقيت والتراكم واللغة المؤسسة.
لقد استفادت الحركة الحقوقية اليسارية من عقود من التنظيم، ومن خبرة الاعتقال السياسي، ومن بناء شبكات محامين ونشطاء، ومن تحويل قضية المعتقل الى قضية حقوقية عامة. كما ان مرجعيتها المعلنة لم تكن انتماء المعتقل الى اليسار، بل تعرضه لانتهاك يمكن اثباته. وهذا ما جعلها قادرة، ولو بدرجات متفاوتة، على الدفاع عن خصومها عندما تتوافر لديها قناعة بوقوع الانتهاك.
في المقابل، دخل كثير من الاسلاميين المجال الحقوقي من بوابة مظلومية جماعتهم. كان ذلك مفهوما تاريخيا، لان الاعتقالات هي التي دفعتهم الى انشاء لجان ومحامين ومنتديات. لكن المؤسسة التي تولد من ملف خاص لا تصبح جامعة الا اذا انتقلت من عبارة (انصر معتقلي جماعتنا) الى قاعدة تقول(ندافع عن كل شخص تنتهك حقوقه، بما في ذلك من نختلف معه).
كما ان الدولة ادارت مكونات الحقل الاسلامي بدرجات مختلفة من الادماج والتضييق والوساطة الامنية. هذا التفاوت جعل التعاون بين الاسلاميين اكثر كلفة. فالشخص الذي يفاوض السلطة لا يريد الظهور كحليف لمن تعتبرهم السلطة خطرا امنيا، والشخص المعارض لا يريد ان يذوب في مؤسسة قريبة من الحزب او الدولة. والنتيجة ان ادارة الدولة للملفات بصورة منفصلة ساهمت في منع تشكل صوت حقوقي جامع، حتى لو لم تكن هي العامل الوحيد.
حلقة مفرغة لا أسباب منفصلة
الأهم من سرد هذه الفوارق منفردة هو إدراك أنها تعمل كحلقة متصلة: فتعدد المشاريع السياسية بين العدليين والسلفيين وحزبيي العدالة والتنمية يمنع الاتفاق على ميثاق حقوقي مشترك، وغياب هذا الميثاق يبقي الولاء للحزب أو للجماعة فوق الولاء للمؤسسة الحقوقية، وهذا الغموض التنظيمي يغذي التنافس على تمثيل ملف (من هو المعتقل الإسلامي الذي يستحق الدفاع؟)، وهو تنافس تستثمره الدولة لإدارة كل مكون على حدة، في وقت تحول فيه الذاكرة الصراعية القديمة مع اليسار دون الاستفادة من تراكمه المهني عبر تحالف واسع. لذلك فإن أي إصلاح جزئي -كصياغة ميثاق مشترك دون حسم علاقة الحزب بالجمعية، أو الدعوة لتوحيد الدفاع عن المعتقلين دون معالجة استقلالية التمويل والتمثيل- يميل إلى الانتكاس بعد زخم أولي قصير، لأن بقية الأسباب البنيوية تظل فاعلة وتعيد إنتاج التشظي.
واخيرا الجامع العقدي وحده لا يصنع مؤسسة حقوقية موحدة. فبينما حول اليسار مرجعية سياسية-حقوقية مشتركة (كونية الحقوق) إلى أساس تنظيمي عابر لخلافاته الحزبية، ظل الإسلاميون -من عدليين وسلفيين جهاديين وحزبيين- محكومين بتفاوت عميق في علاقتهم بالدولة وبأولوياتهم التنظيمية، بحيث تحول (الإسلام) إلى رابط رمزي لا إلى برنامج عمل حقوقي مشترك. وتبقى تجارب جزئية مثل اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين او التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلامين شواهد على محاولات التوحيد، لكنها محاولات محكومة سلفا بحدود تنظيمية ضيقة.
خاتمة
لا يجوز القول إن الإسلاميين المغاربة فشلوا في كل ممارسة حقوقية. فقد أسسوا أطرا للدفاع عن المعتقلين، وشاركوا في منتديات وشبكات، ودافع بعض المحامين والناشطين عن ضحايا ينتمون إلى تيارات مختلفة، وأسهم المعتقلون السابقون والسلفيون في إدخال قضية التعذيب والمحاكمة العادلة إلى المجال العام. كما أن منتدى الكرامة وسائر المبادرات لم تكن مجرد واجهات، بل حققت أعمالًا ملموسة في التوثيق والترافع والتضامن.
لكن هذه النجاحات بقيت مجزأة. فلم تتشكل مؤسسة جامعة تستوعب العدالة والتنمية والعدل والإحسان والسلفيين وبقية التيارات الإسلامية، وتفصل العمل الحقوقي عن التنافس الحزبي، وتتبنى ميثاقًا يساوي بين حقوق الحليف وحقوق الخصم. وقد أعاد وصول الإسلاميين إلى الحكومة إبراز المشكلة بدل حلها، لأن العلاقة بالسلطة جعلت استقلال بعض الأطر موضع شك.
أما اليسار، فقد نجح نسبيًا لأنه امتلك الأسبقية والذاكرة والشبكات والمرجعية المهنية، ولأنه استطاع تحويل تجارب السجن والاضطهاد إلى مؤسسات مستمرة. ومع ذلك، لا يمكن تحويل هذه النتيجة إلى حكم نهائي على المستقبل. فقد يتجاوز الإسلاميون فشلهم إذا انتقلوا من حقوق الجماعة إلى حقوق المواطن، ومن رد الفعل إلى التوثيق الاستباقي، ومن الارتباط الحزبي إلى الاستقلال، ومن المرجعية الانتقائية إلى ميثاق يقر بأن الحقوق مترابطة وغير قابلة للتجزئة.
وتظل هذه الإمكانية مرهونة أيضا بتطور موقف الدولة نفسها من فكرة وجود عمل حقوقي إسلامي أو سلفي مستقل وفاعل، ذلك أن أي تحول ذاتي لدى الفاعلين الإسلاميين والسلفيين، مهما بلغ عمقه، سيظل محدود الأثر ما لم يقترن بهامش سياسي وقانوني حقيقي يتيح لهذا العمل أن يتأسس ويستمر ويتراكم بمعزل عن الحسابات الأمنية والسياسية الظرفية.
وعليه، فإن إدماج السلفيين في تاريخ الحركة الحقوقية ضروري، لا لأنهم يمثلون كل الإسلاميين، بل لأن تجربتهم تكشف بوضوح المفارقة المركزية: قد يدفع القمع جماعةً إلى تبني النضال الحقوقي، لكن القمع وحده لا يبني حركة حقوقية موحدة. الذي يبنيها هو التوافق على المواطن، والمؤسسة، والاستقلال، والكونية العملية، وقبول الدفاع عن الحقوق حتى عندما يكون المستفيد منها خصما فكريا أو سياسيا.
وتبقى هذه الخلاصة قابلة للمراجعة في ضوء تطورات لاحقة. فاستمرار ظهور أطر جديدة لقدماء المعتقلين الإسلاميين والسلفيين في السنوات الأخيرة، بموازاة استمرار عمل جمعية النصير ومنتدى الكرامة كل بمساره الخاص، يشير إلى أن الملف لا يزال حيا وقابلا لإعادة التشكل. وتفتح هذه الدراسة، في ختامها، ثلاثة مسارات بحثية مستقبلية: أولها دراسة ميدانية معمقة لمسارات المعتقلين السابقين الفردية بعد الإفراج عنهم، لفهم شروط تحولهم إلى فاعلين حقوقيين أو ابتعادهم عن هذا المسار؛ وثانيها تحليل مقارن لتجارب سلفية مشابهة في سياقات عربية أخرى، كالأردن ومصر وتونس، لاختبار مدى عمومية الفرضية البنيوية المقترحة هنا وثالثها دراسة أثر التحول الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل علاقة الأجيال الإسلامية الشابة بمفهوم حقوق الإنسان، بمعزل عن الأطر التنظيمية التقليدية التي تناولتها هذه الدراسة.
وفي المحصلة، فإن الدرس الأعم الذي تقترحه هذه الدراسة يتجاوز الحالة المغربية نفسها: فالانتقال من موقع الضحية إلى موقع المؤسسة الحقوقية ليس نتيجة تلقائية للقمع، ولا مجرد مسألة وقت أو إرادة، بل هو مشروط ببنية فرص سياسية ومرجعية وتنظيمية ومهنية متكاملة. وحين تغيب هذه البنية، فإن أصدق التجارب الفردية في المعاناة والمقاومة قد تبقى حبيسة الذاكرة الفردية أو الجماعية الضيقة، من دون أن تتحول إلى رأسمال مؤسسي قابل للتوريث والتراكم عبر الأجيال، وهو بالضبط ما آلت إليه تجربة الإسلاميين والسلفيين المغاربة مع حقوق الإنسان حتى الآن، رغم غناها الإنساني والسياسي العميق.
المراجع
[1] Mohamed Wazif, Islamists and Human Rights in Morocco, Arab Reform Initiative, 2018
[2] James Ron and Shannon Golden, The Human Rights Sector in Morocco: Evidence from Activists and the Public, 2014
[3] Post-Islamist Transformations in Morocco: Collaboration and Competition between Salafist Activists, Muslim Democrats, and Authoritarian Monarchy
[4] Morocco’s Salafis: In Search of a Comprehensive Solution, Carnegie Endowment for International Peace, 2013
[5] Party Politics for Morocco’s Salafis?, Carnegie Endowment for International Peace, 2012
[6] The Human Rights Movement in Morocco: The Dialectic of Influence, Arab Reform Initiative, 2018
[7] الجمعية المغربية لحقوق الإنسان: المرجعية والبرامج والبيانات الرسمية
[8] Human Rights Watch, Background: The State of Human Rights in Morocco, 2005
[9] Amnesty International, Human Rights in Morocco and Western Sahara
[10] Political Islam in Morocco: Negotiating the Kingdom’s Liberal Space
[11] Policing the Organizational Threat in Morocco: Protest and Human Rights Defense Social Movement Organizations
[12] الذكرى الأربعون لتأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، 2019
[13] Human Rights Watch, Human Rights in Morocco, 1995
[14] U.S. Department of State, 2023 Country Reports on Human Rights Practices: Morocco
[15] المصدر الأساسي لتحليل جمعية النصير واللجنة المشتركة ومنتدى الكرامة ومراحل تحول الإسلاميين
[16] Islamists and Human Rights in Morocco, Arab Reform Initiative publication page
[17] محمد الفزازي، ويكيبيديا (سيرة ومسار قضائي): https://ar.wikipedia.org/wiki/محمد_الفزازي
[18] سجناء السلفية بالمغرب يطلقون مبادرة جديدة للمصالحة مع الدولة، العربية نت، 2013: https://www.alarabiya.net/articles/2013/02/05/264571
[19] من نحن؟ الموقع الرسمي للجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين: https://www.ccddi.org/من-نحن؟/
[20] عبر ندوة حقوقية.. منتدى الكرامة يخلد الذكرى 15 لتأسيسه، موقع حركة التوحيد والإصلاح، 2020: https://alislah.ma/
[21] علاقة المغرب بالتيارات السلفية.. تصحيح أم توظيف؟ SWI swissinfo.ch: https://swissinfo.ch/
[22] معتقلون إسلاميون سابقون يؤسسون تنسيقية بالجنوب للمطالبة بجبر الضرر والتعويض، العمق المغربي: https://al3omk.com/1177722.html

[23] الجمعية المغربية لحقوق الانسان: التعريف والاهداف والبنية التنظيمية
[24] مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
[25] محمد وظيف، الاسلاميون وحقوق الانسان في المغرب، مبادرة الاصلاح العربي، 2018
[26] هيومن رايتس ووتش، المغرب: حقوق الانسان عند مفترق الطرق، 2004
[27] سناء كريم، سلفيو المغرب: بحثا عن حل شامل، كارنيغي، 2013
[28] منظمة العفو الدولية، المغرب والصحراء الغربية: التقرير السنوي عن حالة حقوق الانسان
[29] مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان: ملاحظات

شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
السابقمن كان يراقب «مفتاح الدعم»؟ 18.4 مليون شخص داخل منظومة الهوية ولم يُسحب نحو 90% من قرض الـ70 مليار سنتيم
التالي من «لعنة الله على الكاذبين» إلى «صفقة المدارس».. دفاع لقجع يهتز أمام قرار مشترك في ملف دعم الأغنام بـ43.7 مليار سنتيم
الباز عبدالإله

المقالات ذات الصلة

«اختلاس ومخدرات وتضارب مصالح».. آيت بلعربي يحذّر من مشهد سياسي يشوّه صورة البلاد

2026-09-11

لا عودة إلى المحاكم.. الزياني يحسمها: الإضراب مستمر والحكومة في قفص أزمة أنهكت العدالة

2026-09-10

الهلالي يقرأ تحولا داخل العدل والإحسان: هل تكون مقاطعة 2026 آخر محطة قبل المشاركة السياسية؟

2026-09-10
اترك تعليقاً إلغاء الرد

الأخيرة

بين احتجاجات الشارع وأجوبة الوزير… هل يكفي الباراسيتامول لعلاج منظومة الصحة؟

2025-09-30

نداء ولاء ووفاء إلى السدة العالية بالله… الوضع لم يعد يحتمل والتدخل الملكي العاجل بات ضرورة

2025-09-30

العرّاب والانتخابات… حين لا تهتز أوركسترا الحكم بصوت الصندوق

2025-08-30

لم يكن الناطق الرسمي للحكومة هو الوحيد الذي أصدر البلاغات هذا الأسبوع

2022-03-10
أخبار خاصة
السياسي واش معانا؟ 2026-09-11

من «لعنة الله على الكاذبين» إلى «صفقة المدارس».. دفاع لقجع يهتز أمام قرار مشترك في ملف دعم الأغنام بـ43.7 مليار سنتيم

​بقلم: الباز عبدالإله «لعنة الله على الكاذبين».. حين يلجأ مسؤول حكومي يتولى حقيبة الميزانية إلى لغة…

فشل الإسلاميين في تأسيس تنظيم حقوقي موحد في المغرب

2026-09-11

من كان يراقب «مفتاح الدعم»؟ 18.4 مليون شخص داخل منظومة الهوية ولم يُسحب نحو 90% من قرض الـ70 مليار سنتيم

2026-09-11
إتبعنا
  • Facebook
  • YouTube
  • TikTok
  • WhatsApp
  • Twitter
  • Instagram
الأكثر قراءة
الأكثر مشاهدة

بين احتجاجات الشارع وأجوبة الوزير… هل يكفي الباراسيتامول لعلاج منظومة الصحة؟

2025-09-30759 زيارة

نداء ولاء ووفاء إلى السدة العالية بالله… الوضع لم يعد يحتمل والتدخل الملكي العاجل بات ضرورة

2025-09-30659 زيارة

العرّاب والانتخابات… حين لا تهتز أوركسترا الحكم بصوت الصندوق

2025-08-30586 زيارة
اختيارات المحرر

من «لعنة الله على الكاذبين» إلى «صفقة المدارس».. دفاع لقجع يهتز أمام قرار مشترك في ملف دعم الأغنام بـ43.7 مليار سنتيم

2026-09-11

فشل الإسلاميين في تأسيس تنظيم حقوقي موحد في المغرب

2026-09-11

من كان يراقب «مفتاح الدعم»؟ 18.4 مليون شخص داخل منظومة الهوية ولم يُسحب نحو 90% من قرض الـ70 مليار سنتيم

2026-09-11

مع كل متابعة جديدة

اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً

© 2026 جميع الحقوق محفوظة.

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter