لم يقرأ امحمد الهلالي، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية والقيادي السابق بحركة التوحيد والإصلاح، بيان جماعة العدل والإحسان الداعي إلى مقاطعة انتخابات 23 شتنبر 2026 باعتباره مجرد تكرار لموقف سياسي قديم، بل رأى فيه إشارات إلى ما وصفه بتحول عميق في لغة الجماعة ومفاهيمها وأهدافها السياسية.
الهلالي قال، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك الأربعاء 9 شتنبر، إن أكثر ما استوقفه في بيان الجماعة ليس قرار المقاطعة في حد ذاته، وإنما «لغة ومفاهيم الخطاب السياسي المؤسس لهذا الموقف وما حمله من قيم وأهداف جديدة».
وبحسب قراءته، فإن خطاب العدل والإحسان أخذ يتجه تدريجياً نحو مزيد من الواقعية السياسية، مبتعداً عن قاموس ظل حاضراً لعقود داخل أدبيات الجماعة، من قبيل «الحكم الراشد» بديلاً عن «الحكم الجبري» و«الحكم العاض»، ومفاهيم «الزحف» و«القومة» والرهان على التغيير من أعلى.
الهلالي استعاد في هذا السياق مرحلة كان فيها خطاب الجماعة مرتبطاً أيضاً بفكرة «التوبة العمرية» ورد الأموال المنهوبة، كما ورد في روح رسالة «الإسلام أو الطوفان»، ليقارن ذلك بما يعتبره لغة سياسية جديدة بدأت تظهر في بيانات الدائرة السياسية وتصريحات مسؤولي الجماعة.
التحول، وفق الهلالي، لا يظهر فقط في الكلمات، بل حتى في السقف السياسي نفسه.
فبدل الحديث عن «الزحف»، يرى أن الجماعة باتت تستعمل تعبير «النضال المتواصل»، وبدل «الحكم الراشد» ظهر مفهوم «الحكم الرشيد»، فيما برزت مطالب من قبيل الحرية والكرامة و«فتح أفق سياسي جديد يقوم على إرادة شعبية حرة ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات واسعة».
بالنسبة للهلالي، هذه ليست مجرد تعديلات لغوية عابرة.
فهو يعتبر أن الجماعة تنتقل تدريجياً من خطاب ذي أفق ثوري وعقائدي إلى خطاب سياسي أقرب إلى «الخيار الديمقراطي والسقف الإصلاحي»، وأن المطالبة بمؤسسات منتخبة بصلاحيات واسعة تمثل تحولاً مهماً مقارنة بأدبيات سابقة كانت تجعل «الخلافة على منهاج النبوة» جزءاً مركزياً من تصورها السياسي.
وذهب الهلالي أبعد من ذلك، معتبراً أن ما يجري قد يمثل «أهم مراجعة تشهدها جماعة سياسية معارضة، معارضة نسقية»، وهو توصيف يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز الانتخابات الحالية إلى مستقبل الجماعة نفسها داخل المشهد السياسي المغربي.
هل تكون مقاطعة انتخابات 23 شتنبر مجرد محطة أخيرة في مرحلة طويلة من الابتعاد عن المشاركة الانتخابية؟
الهلالي يطرح السؤال بصيغة أكثر وضوحاً، متسائلاً عما إذا كان موقف المقاطعة الحالي مجرد «همزة وصل بين مرحلتين»، أو «الوقت الفاصل بين شوطين سياسيين في مباراة الانخراط في المشاركة السياسية الكاملة».
وفي قراءته، تبدو الجماعة وكأنها أصبحت تميز بين مستويات مختلفة من المشاركة: مشاركة مبدئية مقبولة، ومشاركة مدنية ومجتمعية قائمة، مقابل مشاركة انتخابية تظل مرفوضة بسبب الشروط السياسية الحالية، لا بسبب رفض مبدئي دائم للانتخابات في حد ذاتها.
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في تدوينة الهلالي.
فإذا كانت الجماعة قد انتقلت فعلاً من رفض سياسي ذي خلفية عقائدية شاملة إلى رفض مرتبط بـ«الشروط الحالية»، فإن ذلك قد يعني، وفق هذه القراءة، أن باب المشاركة لم يعد مغلقاً من حيث المبدأ، وإنما مؤجلاً إلى حين توفر شروط تعتبرها الجماعة مناسبة.
الهلالي وجد ما يدعم هذا الاستنتاج في الفقرة التي ختمت بها الدائرة السياسية بيانها، والتي دعت إلى «نضال متواصل من أجل الحرية والكرامة والحكم الرشيد، من أجل فتح أفق سياسي جديد يقوم على إرادة شعبية حرة ومؤسسات منتخبة ذات صلاحيات واسعة».
عبارات قليلة، لكنها كانت كافية بالنسبة للهلالي لطرح واحد من أكبر الأسئلة حول مستقبل الجماعة:
هل بدأت العدل والإحسان فعلاً مغادرة لغة «القومة والزحف» نحو لغة الإصلاح والمؤسسات المنتخبة؟ وهل تكون مقاطعة 2026 آخر مقاطعة قبل انتقال سياسي أكبر؟
الجواب لا تقدمه الجماعة إلى حدود الآن.
لكن تدوينة الهلالي تضع بيان 9 شتنبر خارج خانة «مقاطعة انتخابية جديدة»، وتدفع إلى قراءته باعتباره ربما مؤشراً على مراجعة أعمق قد تعيد رسم موقع أكبر جماعة إسلامية معارضة داخل المشهد السياسي المغربي.
