سقطت، اليوم الخميس 10 شتنبر 2026، رهانات العودة السريعة إلى المحاكم، بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب استمرار الإضراب عن العمل، لتدخل المواجهة حول قانون مهنة المحاماة مرحلة جديدة، هذه المرة بعدما أصبح القانون نافذاً ولم يعد مجرد مشروع معروض للنقاش.
القرار لم يخرج من تسريب أو من مصدر مهني مجهول، بل أُعلن خلال الندوة الصحفية التي عقدتها الجمعية بالرباط، حيث أكد رئيسها، النقيب الحسين الزياني، أن مواصلة الإضراب جاءت عقب تداول داخل مؤسسات الجمعية، منهياً عملياً حالة الترقب التي سبقت موعد 10 شتنبر.
الأقوى في كلام الزياني لم يكن إعلان استمرار التوقف فقط، بل تحميله الحكومة مسؤولية الطريقة التي دُبّر بها الملف، معتبراً أنها أخفقت في معالجة ورش قانون المهنة بالشكل المطلوب، إلى درجة أن الأزمة، بحسبه، أنهكت المهنة وأثقلت كاهل العدالة وانعكست سلباً على المتقاضين.
هنا يصبح السؤال أكبر من مجرد خلاف تقني بين وزارة العدل وأصحاب البذلة السوداء.
إذا كانت أزمة قانون مهني انتهت إلى توقف واسع عن تقديم الخدمات داخل المحاكم، وإلى تداعيات يقول رئيس أكبر إطار جامع لهيئات المحامين إنها أنهكت المهنة وأثقلت العدالة ومست المتقاضين، فمن يتحمل المسؤولية السياسية عن وصول العلاقة بين مكون أساسي من مكونات العدالة والحكومة إلى هذا المستوى من الانسداد؟
الزياني حرص، في الوقت نفسه، على رسم خط فاصل بين الخلاف مع الحكومة وبين الدولة، مؤكداً أن المحامين لا يعتبرون أنفسهم في مواجهة معها، وإنما يشكلون جزءاً منها، في رسالة واضحة نحو حصر النزاع في طريقة تدبير الملف، وعدم تحويل الأزمة المهنية إلى مواجهة مع مؤسسات الدولة.
لكن هدوء هذه الرسالة لم يمنع الجمعية من التمسك بورقتها الأكثر ثقلاً: استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية.
وتجد الحكومة نفسها بذلك أمام مفارقة ثقيلة؛ فالقانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة دخل حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026، لكن نفاذ النص لم ينه الاحتجاج، بل استمرت الهيئات المهنية في المطالبة بإسقاطه ومواصلة الأشكال الاحتجاجية، دفاعاً عما تعتبره استقلال المهنة وحصانة الدفاع وتنظيمها الذاتي.
والقصة لم تبدأ أصلاً عند نشر القانون.
قبل ذلك بعشرة أيام، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 277/26 م.د بتاريخ 10 غشت 2026، معلنة تعذر البت في الإحالة المتعلقة بمدى مطابقة القانون للدستور، بعدما لم تُرفق الإحالة بالنسخة المطابقة لأصل النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين في القراءة الثانية.
ذلك الخلل لم يمر بالنسبة إلى جمعية هيئات المحامين باعتباره مجرد تفصيل إجرائي، بل سبق لها أن أثارت بشأنه أسئلة مرتبطة بملابسات الإحالة والمسؤوليات المؤسساتية والسياسية المترتبة عنها.
واليوم، وبعد دخول القانون حيز التنفيذ، جاءت ندوة الرباط لتقول عملياً إن نشر النص في الجريدة الرسمية لم يغلق الملف.
بل انتقلت الأزمة من سؤال: هل سيمر القانون؟ إلى سؤال أكثر إحراجاً: كيف ستُطبق مقتضيات قانون ينظم مهنة أساسية داخل منظومة العدالة، بينما الإطار الجامع لهيئات المحامين يواصل رفضه ويستمر في التوقف عن العمل؟
ولهذا، فإن إعلان 10 شتنبر ليس مجرد تمديد لحركة احتجاجية.
إنه إعلان بأن رهان الزمن لم يكسر موقف الهيئات المهنية، وأن دخول القانون حيز التنفيذ لم يُنه الخلاف، وأن الحكومة تجد نفسها أمام أزمة لم يعد ممكناً قياسها فقط بعلاقتها بالمحامين، بل أيضاً بكلفة استمرارها على المحاكم والملفات والمتقاضين.
الزياني قال إن المحامين ليسوا في مواجهة مع الدولة.
لكن استمرار الإضراب اليوم يضع الحكومة مباشرة أمام السؤال الذي لم يعد قابلاً للتأجيل: إذا كانت الأزمة قد أنهكت المهنة وأثقلت العدالة وأضرت بالمتقاضين، فمن يتحمل مسؤولية إخراجها من الطريق المسدود؟
