بقلم: الباز عبدالإله
كشف سطر واحد في البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة عن خلل تقني قابل للتحقق، بعدما وضع الحزب هدفاً وطنياً معروفاً للطاقات المتجددة داخل مؤشر مختلف عن المؤشر الذي تعتمده الدولة رسمياً.
ففي برنامجه الرسمي للانتخابات التشريعية لسنة 2026، وتحديداً ضمن «ميثاق الأمان» المتعلق بالأمن الاستراتيجي الطاقي، يتعهد الحزب بـ«تسريع إنجاز استراتيجية الطاقات المتجددة والرفع من نسبتها في الاستهلاك الكهربائي من 46% إلى 52%».
وتبدو الجملة، للوهلة الأولى، منسجمة مع أحد أشهر أهداف الاستراتيجية الطاقية المغربية، والمتمثل في بلوغ نسبة 52 في المائة من الطاقات المتجددة.
لكن العودة إلى الوثائق والمعطيات الرسمية تكشف أن المؤشر ليس هو نفسه.
فالهدف الوطني المحدد في أفق سنة 2030 لا يتعلق بوصول الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة من الاستهلاك الكهربائي، وإنما برفع حصتها إلى أكثر من 52 في المائة من القدرة الكهربائية المنشأة.
والفرق بين المؤشرين ليس مجرد اختلاف في الصياغة أو الترجمة، بل يتعلق بمقياسين مختلفين تماماً.
فالقدرة الكهربائية المنشأة تقيس القوة الاسمية لمحطات الإنتاج الموجودة داخل المنظومة، ويُعبّر عنها بالميغاواط أو الغيغاواط، بينما يقيس الاستهلاك الكهربائي كمية الطاقة المستهلكة خلال فترة زمنية معينة، ويُعبّر عنها بالميغاواط ساعة أو الغيغاواط ساعة.
وبالتالي يمكن أن تمثل مصادر الطاقة المتجددة نسبة مرتفعة من القدرة المركبة، بينما تكون حصتها من الكهرباء المنتجة أو المستهلكة فعلياً مختلفة، بسبب عدد ساعات التشغيل، وتقلب إنتاج الطاقة الشمسية والريحية، ومستويات الطلب، وقدرات التخزين، والقيود المرتبطة بالشبكة الكهربائية.
وتزداد المفارقة وضوحاً عند العودة إلى نقطة الانطلاق التي اختارها البرنامج، وهي 46 في المائة.
فوفق الأرقام التي قدمتها وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أمام لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة بمجلس النواب، بلغت القدرة الكهربائية الوطنية المنشأة نحو 12.1 جيغاواط عند متم غشت 2025، منها حوالي 5600 ميغاواط من مصادر متجددة، أي قرابة 46 في المائة من إجمالي القدرة المنشأة.
ويؤكد التقرير السنوي للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب برسم سنة 2024 الاتجاه نفسه، إذ سجل بلوغ القدرة الكهربائية الوطنية المنشأة 12017 ميغاواط، مع تجاوز حصة الطاقات المتجددة 45 في المائة، قبل أن يعيد التأكيد على أن الهدف الوطني يتمثل في رفعها إلى أكثر من 52 في المائة من القدرة الكهربائية المنشأة بحلول سنة 2030.
وبذلك تتطابق نقطة الانطلاق البالغة 46 في المائة والهدف المحدد في 52 في المائة مع سلسلة الأرقام الرسمية الخاصة بالقدرة الكهربائية المنشأة، فيما وضعهما برنامج البام تحت مؤشر مختلف هو «الاستهلاك الكهربائي».
الرقمان، إذن، ليسا مختلقين ولا خاطئين في حد ذاتهما.
فنسبة 52 في المائة تمثل هدفاً وطنياً رسمياً ارتبط بالقدرة الكهربائية المنشأة، ونسبة 46 في المائة استُعملت رسمياً لقياس مستوى التقدم في المؤشر نفسه، لكن الخلل يكمن في نقل الرقمين من خانة «القدرة الكهربائية المنشأة» إلى خانة «الاستهلاك الكهربائي».
غير أن المفارقة لا تتوقف عند هذا الحد.
فإذا اعتُبر أن استعمال عبارة «الاستهلاك الكهربائي» مجرد خطأ في الصياغة وأن المقصود الحقيقي هو القدرة المنشأة، فإن برنامج الحزب يواجه إشكالاً ثانياً.
ذلك أن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب أعلن، ضمن مخطط التجهيز للفترة 2025-2030، أن المشاريع المبرمجة يفترض أن تسمح بوصول حصة الطاقات المتجددة إلى نحو 56 في المائة من القدرة الكهربائية المنشأة ابتداءً من نهاية سنة 2027.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كان المقصود في برنامج البام هو فعلاً القدرة المنشأة، فلماذا يقدم الحزب نسبة 52 في المائة باعتبارها هدفاً ضمن برنامجه للسنوات المقبلة، في وقت يتحدث فيه المخطط الرسمي الجاري للمكتب الوطني للكهرباء عن بلوغ 56 في المائة ابتداءً من نهاية سنة 2027؟
هل يتعلق الأمر بهدف انتخابي جديد فعلاً، أم بإعادة نقل الهدف التاريخي المرتبط بأفق 2030 دون تحيينه وفق المسار الاستثماري الذي تعلنه المؤسسة العمومية المكلفة بالمنظومة الكهربائية؟
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية أكبر لأن حزب الأصالة والمعاصرة لا يقدم الأرقام داخل وثيقة داخلية أو أرضية للنقاش، بل ضمن برنامج انتخابي يصفه الحزب نفسه بأنه «التزام ثابت وقطعي» أمام المغاربة، ويعلن أن التزاماته قابلة للتطبيق والتتبع ومقرونة بكلفتها وآليات تمويلها.
كما أن الحزب شارك طوال الولاية المنتهية ضمن الأغلبية الحكومية التي تحملت المسؤولية السياسية عن تدبير قطاع الطاقة، ما يجعل الدقة في نقل أحد أبرز المؤشرات الاستراتيجية الرسمية أمراً مفترضاً داخل وثيقة أُعدت لتقديم تصور الحزب للسنوات الخمس المقبلة.
وهنا يضع البرنامج نفسه أمام احتمالين واضحين.
إذا كان الحزب يتعهد فعلاً بوصول الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة من الاستهلاك الكهربائي، فأين المعطيات الرسمية التي تثبت أن هذه الحصة تبلغ حالياً 46 في المائة من الاستهلاك؟ وما المنهجية المعتمدة لاحتسابها؟ وكيف سيقاس الانتقال من 46 إلى 52 في المائة؟
أما إذا كان المقصود هو القدرة الكهربائية المنشأة، كما تشير الأرقام والوثائق الرسمية، فإن البرنامج يكون قد وضع رقمين صحيحين تحت اسم مؤشر خاطئ، قبل أن يفتح سؤالاً إضافياً حول جدوى التعهد بنسبة 52 في المائة في وقت تشير فيه توقعات المؤسسة العمومية المختصة إلى إمكانية بلوغ 56 في المائة ابتداءً من نهاية سنة 2027.
وفي الحالتين، لا يتعلق الأمر بمجرد رقم ناقص أو زائد، بل باسم المؤشر نفسه الذي بُني عليه التعهد.
وحين يتعلق الأمر ببرنامج انتخابي يقدَّم باعتباره قابلاً للقياس والتتبع والمحاسبة، فإن الكلمة الموضوعة بجانب النسبة المئوية ليست تفصيلاً لغوياً؛ بل تصبح جزءاً من الحساب نفسه.
