بقلم: الباز عبدالإله
دخل الكاتب والباحث إدريس الكنبوري بقوة على خط انتخابات 23 شتنبر، واضعاً المشهد السياسي أمام معادلة حادة: من يصفهم بـ«قوى الفساد» ينزلون بكل ثقلهم إلى الانتخابات، مستعينين بالمال والوعود والنفوذ، بينما يختار جزء من القوى التي تقدم نفسها باعتبارها إصلاحية البقاء خارج المعركة.
الكنبوري لم يتوقف عند حدود انتقاد المال الانتخابي أو الوعود التي تتكاثر خلال الحملات، بل ذهب أبعد، معتبراً أن الصراعات التي تظهر بين بعض القوى السياسية لا تعني، في نظره، وجود تناقض حقيقي بينها عندما يتعلق الأمر بالمصالح والفساد.
واستعمل في وصف هذه الصراعات واحدة من أقسى عبارات تدوينته، قائلاً إنها تشبه «خصومات اللصوص الذين إذا تصارعوا ظهر المسروق»، قبل أن يحدد أن «المسروق» المقصود هنا هو المال العام.
وبحسب قراءته، قد تختلف أسماء الأحزاب وشعاراتها، وقد تدخل في مواجهات انتخابية وسياسية حادة حول المقاعد والمواقع والنفوذ، لكن ذلك لا يمنعها، عندما تتقاطع المصالح، من أن تتصرف كأنها جبهة واحدة.
وهنا ينتقل الكنبوري إلى المفارقة التي يبني عليها جوهر موقفه.
ففي الوقت الذي تستطيع فيه القوى التي يصفها بالفاسدة تجاوز صراعاتها حين تكون المصالح على المحك، تبقى القوى التي تعتبر نفسها جزءاً من معسكر الإصلاح متفرقة بفعل الاختلافات السياسية والفكرية والإيديولوجية.
ومن هنا يطرح سؤالاً مباشراً: ماذا سيحدث لو استطاعت هذه القوى تجاوز خلافاتها، ولو مرحلياً، والنزول مجتمعة إلى ساحة التدافع السياسي والانتخابي تحت عنوان واحد هو محاربة الفساد؟
وللدفاع عن هذه الفكرة، يعود الكنبوري إلى تجربة حركة 20 فبراير وأجواء الربيع العربي.
فخلال تلك المرحلة، استطاعت قوى وتيارات تختلف في مرجعياتها السياسية والفكرية أن تجد نفسها في الشارع تحت شعارات مشتركة مرتبطة بالإصلاح ومحاربة الفساد.
أي أن ما عجزت السياسة الحزبية عن جمعه، استطاع مطلب مواجهة الفساد أن يجمعه في لحظة الاحتجاج.
لكن بعد انفضاض تلك المرحلة، يقول الكنبوري، عاد كل طرف إلى خندقه، وعادت الخلافات القديمة إلى الواجهة.
ومن هنا تبرز، في نظره، المفارقة الأساسية: إذا استطاعت محاربة الفساد جمع تيارات متباعدة في الشارع، فلماذا تفرقها الانتخابات، وهي بدورها إحدى الأدوات التي يُفترض أن تُستخدم لتغيير موازين القوة ومحاربة الفساد من داخل المؤسسات؟
عند هذه النقطة ينتقل الكنبوري إلى القضية الأكثر حساسية في تدوينته: المقاطعة.
وهو لا يرفض، من حيث المبدأ، مطالب القوى التي تشترط ضمانات سياسية وانتخابية أفضل قبل المشاركة، بل يعتبر المطالبة بهذه الشروط أمراً مشروعاً.
لكنه يعترض على تحويل عدم اكتمال هذه الشروط إلى مبرر دائم للبقاء خارج المؤسسات.
فالإصلاح، بحسب تصوره، ليس عملية تبدأ بعد أن تصبح الساحة السياسية مثالية، وإنما هو في ذاته «تدافع ومزاحمة».
وبمعنى آخر، فإن الشروط الأفضل لا تأتي دائماً قبل الصراع، بل قد تكون هي نفسها نتيجة له.
ولهذا يوجه الكنبوري نقداً مباشراً إلى شعار «الإصلاح من الخارج»، متسائلاً عن الحصيلة السياسية الملموسة لهذا الخيار.
فإذا كان أصحاب المقاطعة قد ظلوا خارج المؤسسات سنوات طويلة، فإن السؤال بالنسبة إليه هو: ما القانون الذي استطاعوا تغييره؟ وما الخطة التي أوقفوها؟ وما الالتزام الذي فرضوه على الدولة من خارج ساحة التدافع المؤسساتي؟
ومن هنا يصل إلى الجملة الأكثر حدة في تدوينته:
«إن أكبر هدية تعطى لقوى الفساد هي المقاطعة».
فالكنبوري يرى أن المقاطعة لا تعاقب من يعتبرهم مستفيدين من الوضع القائم، بل قد تحقق لهم ما يريدونه أصلاً: منافسون أقل، وساحة أوسع، وطريق أسهل نحو المقاعد والمؤسسات ومراكز القرار.
وبهذا المنطق، تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: القوى التي يصفها بالفاسدة تدخل الانتخابات وتحشد المرشحين والإمكانيات بحثاً عن الأصوات، بينما يختار بعض خصومها الانسحاب من الملعب نفسه الذي يجري داخله الصراع على السلطة والقرار.
ويستحضر الكنبوري هنا مثال حزب العدالة والتنمية.
فبحسب طرحه، إذا كانت القوى التي يتحدث عنها تحارب حزباً واحداً «بجميع الوسائل»، فإن دخول قوى إصلاحية متعددة إلى المؤسسات سيعني توسيع دائرة المنافسة وجعل أصحاب المصالح في مواجهة أكثر من خصم في الوقت نفسه.
وهنا يقلب الكنبوري حجة المقاطعة على أصحابها.
فإذا كانت «قوى الفساد» تضيق فعلاً بالمصلحين وتعمل على إبعادهم، كما يقول، فإن انسحاب هؤلاء طوعاً من الانتخابات لا يشكل ضغطاً عليها، بل قد يكون السيناريو الأكثر راحة بالنسبة إليها.
ولا يكتفي الكنبوري بمثال العدالة والتنمية، بل يستحضر أيضاً تجربة اليسار المغربي خلال العقود الماضية.
فهو يرى أن اليسار استطاع، من خلال الصراع من داخل المجال السياسي والمؤسساتي، أن يفرض إصلاحات ويوسع هامش الإمكانيات المتاحة.
وقد يكون هذا اليسار، حسب تعبيره، قد «غير جلده» لاحقاً، لكن ذلك لا يمحو في نظره حقيقة أن جزءاً مما تحقق في المغرب جاء نتيجة التدافع والصراع من الداخل، لا نتيجة الانسحاب وانتظار تحسن الشروط.
ومن هنا يعود الكنبوري إلى المشهد الانتخابي الحالي ليضع الصورة كاملة أمام القارئ: قوى يصفها بالفاسدة تخوض الانتخابات، تحشد وتنافس وتبحث عن المقاعد والنفوذ، بينما يبقى جزء من دعاة الإصلاح خارج الحلبة.
وهذا، بالنسبة إليه، هو جوهر المشكلة.
فالمقاطعة، كما يقول، «لا توقف مشروعاً ولا تسقط حكومة ولا تحل برلماناً ولا تلغي قانوناً»، كما أنها «لا تبني مستشفى ولا تقيم مدرسة ولا تعبد طريقاً ولا توفر بيتاً لأحد».
وبذلك لا تصبح القضية مجرد خلاف تقني بين المشاركة والمقاطعة، بل سؤالاً أعمق يتعلق بمن يملأ الفراغ السياسي ومن يستفيد منه.
فالكنبوري لا يقول إن مجرد المشاركة كافٍ للقضاء على الفساد، ولا يقدم الانتخابات باعتبارها وصفة سحرية للإصلاح، لكنه يعتبر أن الانسحاب من ساحة الصراع لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن خوضه.
ومن هنا تنتهي تدوينته إلى مفارقة سياسية ثقيلة:
إذا كانت القوى التي يصفها بـ«قوى الفساد» قادرة على تجاوز صراعاتها عندما يتعلق الأمر بحماية مصالحها، فلماذا تعجز القوى الإصلاحية عن تجاوز جزء من خلافاتها عندما يتعلق الأمر بمواجهتها؟
ويبقى السؤال الذي تلخص به تدوينة الكنبوري رسالتها كاملة:
إذا دخل الذين تصفونهم بالمفسدين غمار الانتخابات بكل ثقلهم، وانسحب من يعتبرون أنفسهم مصلحين من الحلبة، فمن بقي أصلاً ليزاحمهم؟
