خلف أسوار السجن لا تُقيَّد حركة الإنسان فقط، بل تتغير اللغة والعلاقات وطريقة فهم المكان والآخرين.
ومن هذه الزاوية يقرأ عبد الفتاح الحيداوي تجربة أحمد الحو، لا باعتبارها مجرد شهادة عن سنوات الاعتقال أو تجميعاً لمفردات وُلدت خلف القضبان، وإنما بوصفها كشفاً لعالم اجتماعي ولغوي كامل، يعيد تشكيل الإنسان الذي يعيش داخله ويفرض عليه قواعد جديدة للتواصل والحذر والتعايش وصناعة المعنى.
وعبد الفتاح الحيداوي كاتب مغربي، وله كتابات ودراسات تتناول قضايا الفكر والتحولات الاجتماعية والذاكرة المرتبطة بالاعتقال والسجن في المغرب، وهو ما يضع قراءته لتجربة أحمد الحو ضمن اهتمام أوسع بالإنسان داخل فضاءات القيد، وبما تتركه تجربة السجن من آثار في اللغة والهوية والذاكرة.
وتنبع أهمية تجربة أحمد الحو، في هذه القراءة، من موقعه داخل العالم الذي يصفه. فهو لا يكتب عن السجن من الخارج، ولا يتعامل مع السجناء بوصفهم موضوعاً للملاحظة، وإنما يكتب من داخل تجربة عاشها بنفسه، باعتباره معتقلاً سياسياً ومثقفاً احتك بفئات متعددة من السجناء، وعاش أيضاً داخل حي الإعدام، حيث يتداخل اليومي بالخوف والانتظار والصمت واحتمال الموت.
هذه المعايشة تمنح شهادته خصوصيتها، لأن ما يقدمه لا يقوم على الوصف النظري، وإنما على تجربة مباشرة للغة التي يتداولها السجناء، وللقواعد غير المكتوبة التي تضبط علاقاتهم، ولموازين القوة وأشكال التضامن والصراع والتفاوض التي تنشأ داخل فضاء مغلق يصعب الانسحاب من علاقاته.
ومن هنا يصل الحيداوي إلى فكرة أساسية: السجن، رغم كونه مؤسسة للعزل، لا يلغي المجتمع، بل ينتج مجتمعاً مصغراً داخل أسواره.
فالسجناء يطورون علاقاتهم وتراتبيتهم وأعرافهم ووسائلهم الخاصة في التواصل، ويتشكل بينهم عالم داخلي له منطقه الخاص، حتى وإن ظل خاضعاً لسلطة المؤسسة وقوانينها.
داخل هذا المجتمع، تؤدي اللغة دوراً مركزياً. فالمفردات السجنية ليست مجرد ألفاظ متداولة، بل مفاتيح لفهم المكان والعلاقات التي تحكمه.
ولذلك يتوقف النص عند مصطلحات مثل «الإمبراطور» و«الميكينة» و«الزمات» و«الحناطة»، بوصفها كلمات لا تشير فقط إلى أشخاص أو ممارسات، بل تكشف أيضاً مواقع داخل شبكة من القوة والضعف والولاء والخطر.
وهكذا تتحول اللغة إلى معرفة عملية. فالسجين لا يحتاج إلى فهم الكلمات من أجل التواصل فقط، وإنما حتى يقرأ الموقف الذي يوجد داخله.
بعض الكلمات قد تحمل تحذيراً، وأخرى تحدد هوية شخص أو جماعة، وثالثة قد تشير إلى ترتيب خفي أو احتمال وقوع عنف.
لذلك يصبح الجهل بلغة السجن نوعاً من العجز عن قراءة المكان، بينما يتحول فهمها إلى وسيلة من وسائل الحذر والوقاية.
ومن اللغة ينتقل الحيداوي إلى الهوية. فالسجين يدخل المؤسسة وهو يحمل هوية سابقة مرتبطة بمهنته أو وضعه الاجتماعي أو انتمائه السياسي، ثم تفرض عليه المؤسسة هوية أخرى تختزله في ملف ورقم وحكم قانوني.
لكن داخل السجن تتشكل هوية ثالثة، تصنعها السمعة والألقاب والعلاقات واللغة والموقع الذي يحتله الشخص داخل الجماعة.
وبهذا المعنى، لا يبقى الإنسان داخل السجن بالهوية نفسها التي دخل بها.
فالمكان يعيد ترتيب علاقته بنفسه وبالآخرين، ويترك آثاره في الذاكرة والسلوك واللغة.
غير أن هذا التحول لا يعني ذوبان جميع الفوارق بين السجناء، لأن المعتقل السياسي، مثلاً، قد يتعلم لغة سجناء الحق العام ويتكيف مع قواعد المكان من دون أن يتخلى عن هويته السابقة أو يتبنى بالضرورة القيم نفسها التي تحكم باقي الفئات.
ومن هنا تتصل اللغة بالذاكرة. فاللغة التي تتشكل داخل السجن ليست ثابتة، بل تتغير من مؤسسة إلى أخرى، ومن جيل إلى آخر، وقد تختفي بعض مفرداتها بزوال الظروف التي أنتجتها أو برحيل من استعملوها.
لذلك تتحول الكتابة إلى وسيلة لحفظ عالم مهدد بالنسيان.
ولا يتعلق الأمر بحفظ الكلمات فقط، وإنما بحفظ ما تختزنه من قصص وعلاقات وتجارب ومخاوف وصراعات.
فكل مفردة قد تحمل وراءها واقعة أو ممارسة أو موقعاً اجتماعياً، ومن ثم فإن توثيقها يعني أيضاً توثيق جزء من الحياة اليومية للسجناء لا يظهر في الملفات الإدارية ولا في الوثائق الرسمية.
وهنا تبرز القيمة الأساسية لكتابة أحمد الحو كما يقرأها عبد الفتاح الحيداوي.
فالوثيقة الرسمية قد تسجل اسم السجين ورقم ملفه والحكم الصادر في حقه وتاريخ دخوله وخروجه، لكنها لا تنقل بالضرورة صمت الزنزانة، والخوف، والانتظار، واللغة التي يتقاسمها السجناء، ولا الطريقة التي يعيدون بها بناء علاقاتهم ومعانيهم داخل المكان.
ولهذا تتجاوز التجربة حدود المعجم، لتجمع بين اللغة والسيرة والتأمل. اللغة تقدم المادة، والسيرة تمنحها حرارة التجربة، بينما يفتح التأمل الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بما تفعله المؤسسة المغلقة بالإنسان، وبالطريقة التي يحاول بها الإنسان الاحتفاظ بجزء من حضوره وذاكرته وقدرته على صناعة المعنى.
ومن هذه الزاوية، لا يسجل كتاب أحمد الحو فقط ما فعله السجن بالإنسان، بل يسجل أيضاً ما فعله السجناء بالسجن. فقد صنعوا داخله علاقاتهم، وطوروا لغتهم، وحافظوا على ذاكرتهم، وحاولوا تحويل المكان المفروض عليهم إلى عالم يمكن فهمه والتعامل معه، مهما ظل قاسياً ومحدوداً.
وهنا تكتمل دلالة عنوان قراءة عبد الفتاح الحيداوي: «السجن لغة وهوية ومعاشاً».
فهو لغة لأنه ينتج مفرداته وإشاراته وطرائق تواصله، وهو هوية لأنه يعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبمن حوله، وهو معاش لأنه لا يظهر باعتباره فكرة مجردة، بل كتجربة يومية من الصمت والانتظار والحذر والخوف والتضامن والصراع والتفاوض.
وفي المحصلة، تكمن أهمية تجربة أحمد الحو في أنها تنقل جانباً من السجن من المجال المغلق إلى المجال العام، وتحول ما كان معرضاً للنسيان إلى شهادة مكتوبة.
فالسجن قد ينجح في تقييد الحركة وعزل الإنسان عن الخارج، لكنه لا ينجح بالضرورة في إلغاء قدرته على إنتاج اللغة والذاكرة والمعنى.
وحيث تبقى اللغة، تبقى إمكانية الشهادة قائمة.
