بقلم: الباز عبدالإله
دخل حزب العدالة والتنمية انتخابات 23 شتنبر 2026 ببرنامج يخصص جزءاً مهماً من تشخيصه لمحاسبة التدبير المالي للحكومة، غير أن العودة إلى الأرقام التي وضعها الحزب بنفسه داخل الوثيقة تكشف مفارقة ثقيلة: بعض الحسابات التي بُني عليها الهجوم السياسي لا تنسجم حتى مع الأرقام المدرجة في الجداول نفسها.
البرنامج الرسمي، الممتد على 101 صفحة، خصص ضمن مؤشرات المالية العمومية بنداً لمراسيم فتح الاعتمادات الإضافية، وانتقد الحكومة بسبب اللجوء المتكرر إليها، محدداً مجموع هذه الاعتمادات في 90 مليار درهم.
غير أن الجدول نفسه يسرد ست عمليات: 16 مليار درهم في يونيو 2022، و12 ملياراً في أكتوبر من السنة نفسها، و10 مليارات في ماي 2023، و14 ملياراً في يونيو 2024، و13 ملياراً في أبريل 2025، ثم 20 مليار درهم في ماي 2026.
الآلة الحاسبة تعطي نتيجة مختلفة تماماً:
16 + 12 + 10 + 14 + 13 + 20 = 85 مليار درهم.
أي أن الرقم الإجمالي الذي أورده الحزب يزيد بخمسة مليارات درهم عن مجموع المبالغ التي سردها بنفسه.
وبلغة السنتيم، يتعلق الأمر بفارق يبلغ 500 مليار سنتيم بين تفاصيل الجدول وخلاصته.
ولا يتعلق الأمر هنا باختلاف بين مصدرين، أو بمنهجيتين في الحساب، أو بسنة مرجعية مختلفة، بل بعملية جمع مباشرة لأرقام منشورة داخل الوثيقة الانتخابية نفسها.
المفارقة تصبح أكبر عندما ينتقل البرنامج من الحساب إلى التوصيف القانوني، إذ يعتبر اللجوء إلى مراسيم فتح الاعتمادات الإضافية خرقاً للفصل 70 من الدستور ولمقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية.
غير أن المادة 60 من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية تنص صراحة على إمكانية فتح اعتمادات إضافية بمرسوم أثناء السنة إذا توفرت حالة ضرورة ملحة وغير متوقعة ذات مصلحة وطنية، مع إخبار لجنتي المالية بالبرلمان مسبقاً.
كما أن مراسيم رسمية لفتح اعتمادات إضافية صدرت فعلاً بالاستناد إلى الفصل 70 من الدستور وإلى المادة 60 نفسها من القانون التنظيمي لقانون المالية.
وهذا يعني أن وجود مرسوم لفتح اعتمادات إضافية لا يشكل، في حد ذاته، خرقاً تلقائياً للقانون، لأن المشرع أتاح هذه الآلية بشروط محددة.
النقاش القانوني الحقيقي يتعلق بما إذا كانت شروط الضرورة والاستعجال والطابع غير المتوقع والمصلحة الوطنية قد توفرت فعلاً في كل حالة.
ومن حق العدالة والتنمية أن ينتقد تكرار استعمال هذه الآلية أو أن ينازع في تحقق شروطها، لكن اعتبار مجرد اللجوء إليها خرقاً قانونياً يحتاج إلى إثبات يتعلق بكل مرسوم على حدة.
وليست هذه العملية الحسابية الوحيدة التي تطرح مشكلة داخل التشخيص المالي للبرنامج.
فالوثيقة تعرض حصيلة مؤسسات الاحتكار والاستغلالات والمساهمات المالية للدولة، التي يضعها البرنامج ضمن مؤشر مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحددها في 52.61 مليار درهم خلال الولاية الحكومية 2012-2016، ثم 57.18 مليار درهم خلال ولاية 2017-2021.
وبعد ذلك يقول البرنامج إن مساهمات الولاية الحالية، التي يتوقع أن تبلغ ما يناهز 101 مليار درهم، تساوي حصيلة ما ساهمت به هذه المؤسسات خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين.
لكن عملية الجمع تعطي:
52.61 + 57.18 = 109.79 مليارات درهم.
وليس 101 مليار درهم.
الفارق هنا يبلغ 8.79 مليارات درهم، أي ما يعادل 879 مليار سنتيم.
وبالتالي فإن 101 مليار درهم لا تساوي 109.79 مليارات، بل تقل عنها بنحو 8 في المائة.
مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بتقدير سياسي قابل للاختلاف، وإنما بأرقام وضعها الحزب بنفسه وبمقارنة حسابية يمكن التحقق منها مباشرة.
وإذا جُمعت الفوارق الحسابية في المثالين، دون اعتبارها بالطبع خسارة مالية أو أموالاً مفقودة، فإن حجم الاختلال بين الأرقام التفصيلية والنتائج أو المقارنات التي صاغها البرنامج يصل حسابياً إلى 13.79 مليار درهم، أي نحو 1379 مليار سنتيم.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً من السجال الانتخابي نفسه: إذا كان العدالة والتنمية يقدم برنامجه باعتباره وثيقة لمحاسبة الحكومة بالأرقام، فكيف مرّ فارق بـ500 مليار سنتيم في عملية جمع أولى، ثم فارق آخر بـ879 مليار سنتيم في مقارنة ثانية، داخل الصفحات المخصصة أصلاً لتدقيق المالية العمومية؟
الانتخابات تسمح للأحزاب بأن تختلف في السياسات والاختيارات والتقديرات، لكن 85 لا تصبح 90 بالاختلاف السياسي، و101 لا تصبح 109.79 بالخطاب الانتخابي.
