بقلم: الباز عبدالإله
تكشف وثيقة أممية حديثة عن مفارقة ثقيلة في قلب المجال القروي المغربي، بعدما وضعت مؤشرات الفقر والبطالة والهشاشة بإقليم خنيفرة جنباً إلى جنب مع مشروع تنموي جديد يحتاج إلى أكثر من 56.6 مليون يورو من القروض الخارجية، أي ما يقارب 62 مليار سنتيم، في وقت يعلن فيه المشروع نفسه انسجامه مع استراتيجية «الجيل الأخضر 2020–2030» وعدد من البرامج الوطنية للتنمية القروية.
ونُشرت الوثيقة الأساسية للمشروع على منصة الصندوق الدولي للتنمية الزراعية يوم 19 غشت 2026، قبل أن ينشر «FIDA/IFAD»، في 12 شتنبر، وثيقتين تكميليتين تتضمنان تفاصيل إضافية حول المشروع وتركيبته المالية واتفاق التمويل المتفاوض عليه، وذلك قبل انعقاد الدورة 148 لمجلس إدارته، المقرر أن تبدأ في روما يوم 15 شتنبر 2026.
والصندوق الدولي للتنمية الزراعية مؤسسة مالية دولية ووكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، تركز على تمويل التنمية ومحاربة الفقر وتحسين ظروف العيش في المناطق القروية.
ويتعلق الأمر بمشروع التنمية القروية المندمجة بإقليم خنيفرة «PDRIK»، المدرج ضمن جدول أعمال الدورة 148 لمجلس إدارة الصندوق. وتظهر وثيقة اتفاق التمويل المتفاوض عليه، المؤرخة في 11 شتنبر، أن المفاوضات بين المغرب والصندوق انتهت في 2 شتنبر 2026.
وبحسب الاتفاق المتفاوض عليه، سيحصل المغرب على قرض أول بقيمة 20.385 مليون يورو، وقرض ثان بقيمة 36.220 مليون يورو، بما مجموعه 56.605 مليون يورو، أي ما يعادل تقريباً 62 مليار سنتيم وفق سعر صرف تقريبي، لتمويل المشروع الموجه إلى إقليم خنيفرة.
ويصل أجل سداد القرضين إلى 25 سنة، بينها فترة سماح تبلغ أربع سنوات وستة أشهر.
وستودع أموال القرضين، وفق الوثيقة، في حساب للخزينة العامة للمملكة مفتوح لدى بنك المغرب، فيما يلتزم المغرب بتوفير تمويل مقابل بقيمة 16.675 مليون يورو، إلى جانب مساهمة عينية من المستفيدين تقدر بنحو 2.565 مليون يورو.
وبذلك تصل الكلفة الإجمالية للمشروع، وفق الأرقام الرسمية الواردة في وثائق التمويل، إلى نحو 75.85 مليون يورو.
لكن الرقم المالي ليس أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الملف.
فالتقرير الذي قدمه رئيس الصندوق إلى مجلس الإدارة يصف إقليم خنيفرة بأنه «واحد من أكثر المناطق هشاشة في المغرب»، قبل أن يضع ثلاثة مؤشرات ثقيلة أمام هذه الخلاصة.
معدل الفقر يبلغ 26.5 في المائة.
ومعدل البطالة يصل إلى 27 في المائة.
كما يسجل التقرير ارتفاعاً في الأمية، خصوصاً في صفوف النساء، إلى جانب هجرة قروية ملحوظة من المنطقة.
ولا تحدد الفقرة التي تورد نسبتي الفقر والبطالة سنة مرجعية مباشرة بجانب هذين المؤشرين، لذلك تظل الدقة واجبة في التعامل معهما: إنهما رقمان تضعهما وثيقة الصندوق ضمن تشخيصها لوضع الإقليم، دون الجزم بأنهما يمثلان بالضرورة قياساً إحصائياً خاصاً بسنة 2026.
ومع ذلك، فإن دلالتهما السياسية والتنموية تبقى ثقيلة، لأنهما لا يردان في تقرير سياسي معارض ولا في مرافعة انتخابية، بل في وثيقة تمويل دولية أعدت لتقديم مبررات وأهداف تدخل مالي جديد في منطقة توجد منذ سنوات ضمن مجال السياسات الحكومية الخاصة بالتنمية القروية والفلاحة وتقليص الفوارق المجالية.
والوثيقة نفسها تربط المشروع بصورة مباشرة بالأطر الاستراتيجية المغربية، إذ تنص على أنه منسجم مع «الجيل الأخضر 2020–2030»، والاستراتيجية الوطنية لتنمية المجال القروي والمناطق الجبلية، ومخطط المناخ 2030، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والنموذج التنموي الجديد، والمخطط الوطني للماء، ثم برنامج التنمية الجهوية لبني ملال–خنيفرة 2022–2027.
وهنا تظهر المفارقة.
فبعد سنوات من إطلاق هذه الاستراتيجيات والبرامج، يأتي مشروع دولي جديد لينطلق تشخيصه من نسبة فقر تبلغ 26.5 في المائة، وبطالة عند 27 في المائة، ثم يبحث عن عشرات الملايين من اليوروهات لتقوية تربية الماشية، وفك العزلة، وتوفير الماء، وتحسين التسويق، وخلق أنشطة مدرة للدخل.
ويستهدف المشروع نحو 112 ألف شخص، موزعين على حوالي 28 ألف أسرة داخل 20 جماعة ترابية، على أن تمثل النساء 40 في المائة من المستفيدين والشباب 20 في المائة.
وتكشف التفاصيل أن التدخل لا يتعلق بمكون واحد أو بدعم ظرفي محدود.
فالبرنامج يتضمن اقتناء وتوزيع حوالي 9800 رأس من الأغنام والماعز، وتقديم خدمات صحية تشمل التلقيح والعلاجات المضادة للطفيليات لنحو 200 ألف رأس، إلى جانب استصلاح آلاف الهكتارات من المراعي وإنجاز وتجديد نقاط للماء.
كما يتضمن المشروع إنشاء أو تجهيز نحو ثلاثة أسواق للماشية وخمسة مخازن تبريد تعمل بالطاقة الشمسية، إلى جانب وحدات لتثمين الزيتون والتين الشوكي والعسل، وتمويل نحو 70 نشاطاً مدراً للدخل في مجالات تشمل تربية الدواجن والنباتات العطرية والطبية والكسكس والزعفران.
وفي مجال البنيات الأساسية، يبرمج المشروع تهيئة منشآت للري الصغير والمتوسط على مساحة 850 هكتاراً، وإنجاز أو تأهيل 90.5 كيلومتراً من الطرق والمسالك القروية، فضلاً عن منشآت لحماية نحو 1500 هكتار من آثار الانجراف المرتبطة بالتغيرات المناخية.
هذه اللائحة تجعل السؤال أبعد من مجرد الاقتراض.
فإذا كانت منطقة تضم عشرات الآلاف من الأسر القروية تحتاج اليوم إلى مشروع جديد لتمويل الطرق والماء والأسواق وتربية الماشية وخلق الأنشطة المدرة للدخل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا أنجزت البرامج السابقة فعلياً على المستوى الترابي، وأين ظهرت نتائج سنوات من الخطط الوطنية والجهوية التي يفترض أنها تستهدف المجالات نفسها؟
ويكتسب الأمر بعداً إضافياً عندما نقرأ تشخيص الصندوق للقطاع الفلاحي المحلي.
فالوثيقة تقول إن اقتصاد خنيفرة يعتمد على فلاحة ضعيفة المردودية، تهيمن عليها تربية الأغنام والماعز، وإن التغير المناخي والاستقرار المتزايد للسكان وتحولات استعمال الأراضي، إلى جانب انخفاض التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، فاقمت الجفاف وتدهور الموارد وهشاشة الأنظمة الرعوية.
وهذا يعني أن التمويل الجديد لا يأتي فقط لتوسيع نشاط اقتصادي ناجح، بل لمعالجة اختلالات اجتماعية ومناخية وإنتاجية متراكمة في منطقة يصفها الممول الدولي نفسه بأنها من أكثر المناطق هشاشة في البلاد.
وللدقة، لا تقول وثيقة FIDA إن استراتيجية «الجيل الأخضر» فشلت، ولا تنسب معدل الفقر أو البطالة مباشرة إليها.
لكنها تضع أمام النقاش العمومي معطى يصعب تجاهله: مشروع يقول صراحة إنه منسجم مع «الجيل الأخضر 2020–2030» ينطلق، في سنة 2026، من منطقة تورد الوثيقة بشأنها نسبة فقر تبلغ 26.5 في المائة وبطالة عند 27 في المائة، ويحتاج إلى تمويل خارجي بعشرات الملايين من اليوروهات لمعالجة جزء من حاجياتها الأساسية.
كما أن التمويل لم يصبح بعد قرضاً مصروفاً نهائياً، إذ تعرض وثيقة المشروع على مجلس إدارة الصندوق للموافقة، فيما ينص اتفاق التمويل نفسه على خضوعه لمسطرة المصادقة من طرف المقترض قبل دخوله الكامل حيز التنفيذ.
وهنا يصبح السؤال السياسي والاقتصادي أكثر دقة من مجرد مهاجمة القرض في حد ذاته.
فالقروض التنموية يمكن أن تكون أداة ضرورية لتمويل الاستثمار وتحسين ظروف العيش، لكن المؤشر الحقيقي لنجاح السياسة الحكومية ليس حجم التمويلات التي تستطيع تعبئتها، بل ما إذا كانت البرامج السابقة قد خفضت بالفعل معدلات الفقر والبطالة وقلصت الحاجة إلى تدخلات جديدة لمعالجة المشكلات نفسها.
وفي خنيفرة، تضع الوثيقة الدولية الرقمين أمام الجميع: 26.5 في المائة فقراً، و27 في المائة بطالة.
وبعد ست سنوات من انطلاق «الجيل الأخضر»، يبقى السؤال مفتوحاً: متى تتحول الاستراتيجيات والتمويلات والبرامج من عشرات الصفحات وملايين اليوروهات إلى أرقام أقل ثقلاً في حياة سكان الجبل والقرى؟
