بقلم: الباز عبدالإله
كشف تقرير رسمي لوزارة الاقتصاد والمالية عن رقم لافت في تنفيذ نفقات الاستثمار خلال النصف الأول من سنة 2026، بعدما بلغت الإصدارات المسجلة برسم نفقات الاستثمار لقطاع رئيس الحكومة نحو 1.438 مليار درهم، مقابل اعتمادات أصلية بقيمة 912.1 مليون درهم مقررة في قانون المالية، لترتفع بذلك نسبة التنفيذ إلى 157.7 في المائة.
المعطى ورد ضمن «تقرير التنفيذ الميزانياتي والتأطير الماكرو اقتصادي لثلاث سنوات» المصاحب للتحضير لمشروع قانون المالية لسنة 2027، والذي يعرض وضعية تنفيذ ميزانية الدولة إلى غاية نهاية يونيو 2026.
وبحسب الجدول رقم 15 من التقرير، بلغت الاعتمادات الاستثمارية الأصلية المخصصة لقطاع رئيس الحكومة 912.1 مليون درهم، بينما وصلت الإصدارات المسجلة في نهاية يونيو إلى 1.438 مليار درهم، أي بفارق حسابي يقارب 526 مليون درهم عن الاعتماد الأصلي، وبنسبة تنفيذ بلغت 157.7 في المائة.
غير أن تجاوز نسبة 100 في المائة لا يعني أن القطاع أنفق خارج الاعتمادات القانونية أو دون ترخيص مالي.
فوزارة الاقتصاد والمالية تقدم تفسيراً مباشراً لهذه النسبة، موضحة أن وصول تنفيذ نفقات الاستثمار بقطاع رئيس الحكومة إلى 157.7 في المائة يعود إلى احتساب اعتمادات إضافية فُتحت بقرارات للوزير المكلف بالمالية.
وتكتسب النسبة دلالة أكبر عند وضعها إلى جانب مستوى تنفيذ الاستثمار في الميزانية العامة ككل.
فإلى غاية نهاية يونيو 2026، بلغت الإصدارات برسم نفقات استثمار الميزانية العامة 62.238 مليار درهم، مقابل توقعات أصلية بقيمة 136.107 مليار درهم، أي بنسبة تنفيذ بلغت 45.7 في المائة.
وتكشف الأرقام القطاعية عن تفاوت واسع في وتيرة التنفيذ. فقد سجلت وزارة التجهيز والماء 3.475 مليارات درهم من أصل 18.318 ملياراً، بنسبة 19 في المائة، فيما بلغت نفقات استثمار وزارة الصحة والحماية الاجتماعية 4.391 مليارات درهم من أصل 14.499 ملياراً، بنسبة 30.3 في المائة.
وسجلت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات 5.118 مليارات درهم من أصل 15.018 ملياراً، بنسبة 34.1 في المائة، بينما وصلت وزارة الداخلية إلى 3.563 مليارات من أصل 5.684 مليارات، أي 62.7 في المائة.
أما قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فسجل نحو 4 مليارات درهم من نفقات الاستثمار، بمعدل تنفيذ بلغ 84.2 في المائة.
وسط هذه المستويات، تبرز نسبة قطاع رئيس الحكومة بصورة استثنائية: 157.7 في المائة من الاعتمادات الأصلية، في الوقت الذي لم يتجاوز فيه معدل تنفيذ نفقات استثمار الميزانية العامة ككل 45.7 في المائة.
وبالحساب انطلاقاً من الأرقام المنشورة، تتجاوز الإصدارات المسجلة لقطاع رئيس الحكومة، والبالغة 1.438 مليار درهم، الاعتماد الأصلي البالغ 912.1 مليون درهم بحوالي 526 مليون درهم، ما يعني أن حجم الإصدارات المسجلة في ستة أشهر أصبح أكبر بنحو 57.7 في المائة من الاعتماد الأصلي المقرر في قانون المالية.
لكن هذا الرقم يحتاج إلى تمييز محاسبي أساسي: مبلغ 526 مليون درهم يمثل الفارق الحسابي بين الاعتمادات الأصلية والإصدارات المسجلة إلى نهاية يونيو، ولا يمكن اعتباره تلقائياً القيمة الدقيقة لمجموع الاعتمادات الإضافية التي فُتحت خلال الفترة.
فالتقرير يوضح سبب تجاوز نسبة التنفيذ 100 في المائة، لكنه لا يقدم في الجدول نفسه تفصيلاً يسمح بمطابقة فارق الـ526 مليون درهم مع القيمة الإجمالية الدقيقة للاعتمادات الإضافية المفتوحة.
كما لا تعرض الفقرة المفسرة لهذه النسبة لائحة بالمشاريع أو العمليات التي استوعبت تلك الاعتمادات، ولا تحدد قيمة كل اعتماد إضافي فُتح خلال السنة أو الوجهة التفصيلية للأموال، وإنما تكتفي بإرجاع تجاوز نسبة التنفيذ 100 في المائة إلى احتساب اعتمادات إضافية فُتحت بقرارات للوزير المكلف بالمالية.
وهنا ينتقل النقاش من الرقم إلى وجهته: ما الحاجيات الاستثمارية التي استدعت رفع الاعتمادات المتاحة لقطاع رئيس الحكومة فوق المستوى الأصلي الذي أقره قانون المالية؟ وما المشاريع أو البرامج التي استوعبت الموارد التي أتيحت بعد البرمجة الأصلية؟
السؤال يكتسب أهمية إضافية لأن التقرير نفسه، وهو يرسم توجهات إعداد ميزانية 2027، يدعو القطاعات الحكومية إلى تحسين فعالية نفقات الاستثمار وتسريع إنجاز المشاريع الجارية وترتيب الأولويات، مع أخذ القدرة الفعلية على التنفيذ ومستويات استهلاك الاعتمادات بعين الاعتبار.
وفي المقابل، لا تسمح نسب التنفيذ وحدها باستخلاص أحكام حول أداء كل قطاع.
فانخفاض النسبة لا يعني تلقائياً غياب المشاريع أو تعثرها، كما أن تجاوز 100 في المائة لا يعني إنفاقاً غير قانوني، لأن الاعتمادات المتاحة خلال السنة يمكن أن تتغير وفق الآليات التي يسمح بها الإطار القانوني للمالية العمومية.
لكن الرقم الخاص بقطاع رئيس الحكومة يظل قائماً: 912.1 مليون درهم كاعتمادات استثمار أصلية، مقابل 1.438 مليار درهم من الإصدارات المسجلة بعد ستة أشهر، ونسبة تنفيذ بلغت 157.7 في المائة، يفسرها التقرير باحتساب اعتمادات إضافية فُتحت خلال السنة.
وإذا كان التقرير قد قدم تفسيراً محاسبياً لكيفية تجاوز نسبة 100 في المائة، فإنه لا يقدم في الفقرة ذاتها الجواب التفصيلي عن السؤال الآخر: أين ظهرت هذه الاعتمادات الإضافية على مستوى المشاريع والبرامج والعمليات؟
تحديد هذه الوجهة هو الحلقة التي تبقى ضرورية لاستكمال قراءة واحد من أكثر أرقام تنفيذ الاستثمار لفتاً للانتباه في النصف الأول من سنة 2026.
