بقلم: الباز عبدالإله
كشف المجلس الوطني الإيطالي للبحوث، أمس الثلاثاء 15 شتنبر 2026، عن اكتشاف أثري استثنائي في المغرب قد يضيف صفحة جديدة إلى التاريخ القديم لشمال إفريقيا، بعدما أظهرت حفريات أُنجزت في موقع وادي بهت بإقليم الخميسات وجود منظومة دفاعية يعود تاريخها إلى ما بين 3500 و4000 سنة، وصفها الباحثون بأنها أقدم بنية دفاعية معروفة حتى الآن في شمال إفريقيا خارج وادي النيل.
الاكتشاف لا يتعلق بسور حجري منفرد أو ببقايا بناء يصعب تحديد وظيفته، وإنما بمنظومة دفاعية تتكون أساساً من خندق واسع وساتر ترابي، أُنجزا بين بداية ومنتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، وكانا يغلقان الطرف الجنوبي للمستوطنة مستفيدين من التضاريس الطبيعية للمرتفع الذي أقيم عليه الموقع.
وبحسب البلاغ الصادر عن المجلس الوطني الإيطالي للبحوث «CNR»، فإن تحديد عمر هذه المنشآت لم يعتمد على تقديرات تقريبية فقط، بل استند إلى 17 تأريخاً جديداً بالكربون المشع، مكّنت الباحثين من إعادة بناء التسلسل الزمني لمراحل تشييد المنظومة وتحديد تاريخها بدقة أكبر.
وتكتسي النتيجة أهمية خاصة لأن الباحثين يعتبرون أن ما ظهر في وادي بهت يمثل، وفق المعطيات المتاحة حالياً، أقدم منشأة دفاعية جرى التعرف عليها في شمال إفريقيا خارج منطقة وادي النيل.
الموقع نفسه ليس جديداً على البحث الأثري الدولي. فقد بدأ وادي بهت يلفت انتباه الباحثين بقوة منذ سنة 2021، عندما كشفت الأبحاث فوق مرتفع يشرف على مجرى الوادي، بإقليم الخميسات، عن مستوطنة واسعة تبلغ مساحتها حوالي 10 هكتارات، ويعود تاريخها إلى الفترة الممتدة تقريباً بين منتصف الألفية الرابعة وبداية الألفية الثالثة قبل الميلاد.
وتشير المعطيات الأثرية السابقة إلى أن الموقع كان يحتضن مجتمعاً زراعياً مهماً، كما أظهرت المكتشفات وجود روابط امتدت إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، وهو ما جعل وادي بهت واحداً من المواقع الأساسية لفهم المجتمعات التي عاشت في غرب البحر الأبيض المتوسط خلال عصور ما قبل التاريخ.
وظل تاريخ ووظيفة بعض المنشآت الموجودة في الجزء الجنوبي من الموقع غير محسومين لفترة طويلة، إذ كانت تحدد مساحة كبيرة شبه رباعية دون أن تتوافر إجابة دقيقة بشأن زمن بنائها أو طبيعتها. غير أن الحملة الثالثة من حفريات «مشروع وادي بهت الأثري» Oued Beht Archaeological Project أتاحت للباحثين الوصول إلى ما يوجد تحت البناء الظاهر، حيث عثروا على الخندق الواسع والساتر الترابي القديمين.
وأظهرت نتائج التأريخ أن بناء هذه المنظومة يعود إلى الفترة الممتدة بين بداية ومنتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، أي قبل نحو 3500 إلى 4000 سنة، وهو ما نقل النقاش من مجرد تحديد وظيفة منشآت قديمة إلى اكتشاف دليل على قدرة مجتمعات المغرب الكبير آنذاك على تصميم وتنفيذ مشاريع دفاعية كبيرة.
ويشير المجلس الوطني الإيطالي للبحوث إلى أن حجم المجمع يكشف مستوى مهماً من التخطيط وتنظيم العمل، ويرسم صورة لمجتمع قادر على تنظيم المجال الذي يعيش داخله وفق احتياجات واستراتيجيات محددة.
وتساعد طبيعة الموقع في فهم المنطق الدفاعي وراء المشروع. فالمنظومة كانت تقطع الطرف الجنوبي للمستوطنة، مع استغلال الشكل الطبيعي للمرتفع لجعل المنطقة أكثر قابلية للدفاع، فيما تُظهر المعطيات أن مركز الاستقرار البشري انتقل بمرور الوقت من المنطقة الشمالية الأكثر انفتاحاً نحو نتوء صخري جنوبي أكثر حماية.
الأهمية العلمية للاكتشاف تتجاوز حدود المغرب، لأن الباحثين يقارنون هذه التطورات بما كان يجري خلال الفترة نفسها على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث كانت مجتمعات «El Argar» تعيش داخل مستوطنات محصنة وتمارس أنشطة مرتبطة بالمعادن، بالتزامن مع تطور أشكال أكثر تعقيداً من التنظيم الاجتماعي.
ولا تنتهي قصة الموقع عند عصور ما قبل التاريخ، إذ عثر الباحثون فوق الساتر الترابي القديم أيضاً على جدار حجري ضخم يعود إلى العصور الوسطى، إضافة إلى مقبرة تعود إلى الفترة نفسها، ما يدل على أن الموقع عرف مراحل جديدة من الاستغلال والاستيطان بعد آلاف السنين من إنشاء المنظومة الدفاعية الأولى.
وتعطي هذه الطبقات المتعاقبة لوادي بهت قيمة أثرية مضاعفة، إذ لا يوثق الموقع مرحلة واحدة فقط، بل يسمح بتتبع تحولات الاستقرار البشري واستعمال المجال خلال فترات تاريخية متباعدة.
وجاء الاكتشاف ضمن الحملة الثالثة لـ«مشروع وادي بهت الأثري»، بمشاركة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب «INSAP»، ومعهد علوم التراث الثقافي التابع للمجلس الوطني الإيطالي للبحوث «CNR ISPC»، وجامعة كامبريدج، والجمعية الدولية لدراسات البحر الأبيض المتوسط والشرق «ISMEO».
ويشرف على المشروع كل من الباحثين جوليو لوكاريني ويوسف بوكبوط وسيبريان برودبانك، فيما نُشرت النتائج العلمية في مجلة Libyan Studies.
كما يُنجز المشروع بالتعاون مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية والمجتمع المحلي لآيت سيبرن بإقليم الخميسات، ويحظى بتمويل من مؤسسات بحثية وحكومية إيطالية وبريطانية، بينها المجلس الوطني الإيطالي للبحوث وجامعة كامبريدج ومعهد McDonald للبحوث الأثرية.
وبذلك لا يضيف وادي بهت مجرد قطعة أثرية جديدة إلى سجل المكتشفات المغربية، بل يقدم دليلاً مادياً مؤرخاً على مستوى من التخطيط والتنظيم الجماعي كان قائماً في شمال غرب المغرب منذ آلاف السنين.
فالخندق والساتر اللذان ظلّا مطمورين لآلاف السنين أصبحا اليوم جزءاً من سؤال علمي أكبر: إلى أي حد كانت مجتمعات المغرب القديم أكثر تنظيماً وتعقيداً مما رسمته عنها المعرفة الأثرية السابقة؟
الجواب الذي تقدمه الحفريات الجديدة واضح في جانب منه على الأقل: قبل نحو أربعة آلاف سنة، كانت جماعات تعيش على مرتفع وادي بهت قادرة على تخطيط وبناء منشأة دفاعية كبيرة، أصبحت، وفق ما هو معروف أثرياً حتى الآن، الأقدم من نوعها في شمال إفريقيا خارج وادي النيل.
