بقلم: الباز عبدالإله
قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، وضع رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة والقيادي في حزب الاستقلال، حزبه أمام سؤال سياسي يصعب تجاوزه بالشعارات الانتخابية، بعدما أقر بأن الاستقلال حاول خلال الولاية الحكومية الحالية معالجة ملف تضارب المصالح، لكنه لم يتمكن من إقناع شركائه بالصيغة التي كان يريدها، في وقت يعود فيه الملف نفسه ضمن وعود الحزب للمرحلة المقبلة.
التصريح صدر مساء الثلاثاء 15 شتنبر 2026 بالدار البيضاء، خلال لقاء نظمته رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين لعرض التدابير الاقتصادية في البرنامج الانتخابي للحزب.
وقال مزور إن تضارب المصالح لم يُدبر بالشكل الجيد خلال هذه الولاية، وإن الاستقلاليين حاولوا إصلاح الوضع وإقناع شركائهم بذلك، لكنهم لم يصلوا إلى النتيجة التي كانوا يريدونها.
وهي رواية تنقل النقاش من مجرد وعد انتخابي جديد إلى سؤال عن حصيلة حزب أمضى الولاية الحكومية داخل السلطة.
المفارقة أن حزب الاستقلال لا يدخل انتخابات 2026 من مقاعد المعارضة حتى يقدم قانون تضارب المصالح باعتباره مشروعاً ينتظر فرصة الوصول إلى الحكومة.
الحزب شريك في الأغلبية منذ 2021، وأمينه العام نزار بركة وزير في الحكومة، ورياض مزور نفسه يدبر وزارة الصناعة والتجارة، كما شارك وزراء الحزب في التدبير الحكومي طوال الولاية.
والأهم أن مزور لا ينفي هذه المسؤولية. فقد أكد خلال اللقاء أن الاستقلال يتحمل مسؤوليته عن التدبير الحكومي بما تحقق فيه وما أخفق، رافضاً اختزال مواقف الحزب في صورة من يضع «رجلاً في الحكومة ورجلاً في المعارضة».
لكن هذا الإقرار يفتح سؤالاً أكبر: إذا كان الحزب يتحمل مسؤوليته عن الحصيلة، فكيف يتحول واحد من الملفات التي يقول إنه لم يصل فيها إلى النتيجة التي كان يريدها وهو داخل الحكومة إلى واحد من الوعود التي يقدمها للناخبين من أجل المرحلة المقبلة؟
السؤال ليس افتراضياً. فالبرنامج الانتخابي الذي قدمه حزب الاستقلال يوم 29 غشت 2026 يجعل محاربة تضارب المصالح جزءاً من عرضه الانتخابي، وتضمنت الالتزامات المعلنة «إخراج قانون تضارب المصالح وتحديد حالات التنافي»، إلى جانب توسيع التصريح بالمصالح، وتعزيز منظومة التصريح بالممتلكات، ومحاربة الإثراء غير المشروع، وتعزيز مجلس المنافسة وحماية المبلغين عن الفساد.
وهكذا يجد الناخب نفسه أمام معادلة تحتاج إلى تفسير: الحزب يعد في شتنبر 2026 بإخراج قانون لتضارب المصالح، بينما يقول أحد وزرائه، قبل أيام من الاقتراع، إن الحزب حاول معالجة الملف خلال الولاية التي توشك على الانتهاء ولم يصل مع شركائه إلى النتيجة التي كان يريدها.
والقصة لم تبدأ مع مزور.
قبل أقل من شهرين، كان الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة قد أعاد بدوره ملف تضارب المصالح إلى واجهة خطاب الحزب، رابطاً استعادة الثقة بالشفافية ومحاربة الفساد وتضارب المصالح.
كما تحدث بركة عن إعداد مسودة تتعلق بتضارب المصالح وإحالتها على الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مع الإقرار بأن النص لم يخرج إلى حيز التنفيذ، وتقديم الملف ضمن أولويات الحزب للمرحلة المقبلة.
وبحسب رواية قياديي الحزب أنفسهم، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بوجود فكرة لتشريع تضارب المصالح، بل بسبب عدم وصولها إلى قانون نافذ خلال ولاية كان فيها الاستقلال شريكاً في الأغلبية الحكومية.
وهنا يصبح السؤال الذي يحتاج الحزب إلى الإجابة عنه أكثر دقة: ماذا وقع داخل الأغلبية؟
مزور تحدث عن عدم القدرة على إقناع «شركائنا»، دون تسمية الطرف أو الأطراف التي لم تقتنع بما كان يقترحه الحزب، ودون توضيح طبيعة الخلاف أو المرحلة التي وصل إليها الملف، ولا ما إذا كان الاعتراض قانونياً أو سياسياً أو متعلقاً بمضمون النص نفسه.
والتمييز هنا ضروري، لأن عدم الوصول إلى توافق داخل الأغلبية لا يعني تلقائياً أن طرفاً بعينه «عطّل» القانون.
لكن تصريح مزور يفتح الباب أمام سؤال مشروع حول ما جرى فعلياً داخل التحالف الحكومي، خصوصاً أن الحزب يقدم الملف اليوم باعتباره واحداً من رهانات المرحلة المقبلة.
وتزداد المفارقة لأن لهجة حزب الاستقلال تجاه تضارب المصالح والفساد ارتفعت تدريجياً كلما اقترب موعد الانتخابات.
ففي أقل من ثلاثة أشهر، انتقل خطاب حزب الاستقلال من رفع شعار «صفر تسامح» مع الفساد وتضارب المصالح في يونيو 2026، إلى إدراج إخراج قانون تضارب المصالح ضمن برنامجه الانتخابي في 29 غشت، قبل أن يأتي رياض مزور في 15 شتنبر ليقر بأن الحزب حاول خلال الولاية الحالية معالجة الملف وإقناع شركائه، لكنه لم يصل إلى النتيجة التي كان يريدها.
لكن السؤال الذي يسبق هذه المحطات جميعاً يمتد إلى ما يقارب خمس سنوات: ماذا حدث لهذا الملف عندما كان الحزب يمارس السلطة بالفعل؟
الأكثر إثارة في كلام مزور أنه لم يقدم تضارب المصالح باعتباره نقاشاً قانونياً تقنياً فقط، وإنما ربطه مباشرة بالثقة والاستثمار والمنافسة.
فالوزير حذر من أن أزمة الثقة تجعل العلاقات الاقتصادية عرضة للمحسوبية وتضارب المصالح، وتحدث عن وضع يصبح فيه من يقرر مستفيداً مما يقرر فيه، معتبراً أن استمرار مثل هذا الانطباع يضرب الثقة التي يقوم عليها الاستثمار والنمو.
وذهب أبعد من ذلك عندما شرح الأثر المحتمل على المستثمر. فالمستثمر الذي ينتظر أشهراً للحصول على ترخيص قد يتوقف عن مشروعه، ومن يريد دخول السوق باستثمار أو فكرة جديدة قد يصل إلى قناعة بأن شروط المنافسة غير متوفرة، وهو ما اعتبره مزور تهديداً للمسار التنموي للبلاد.
إذا كان التشخيص بهذه الخطورة، يصبح السؤال عن سنوات الانتظار أكثر إلحاحاً.
فالحزب الذي يعتبر اليوم أن تضارب المصالح يهدد الثقة والمنافسة والاستثمار لا يحتاج فقط إلى شرح ما يريد فعله بعد الانتخابات، بل إلى تقديم حساب واضح عما فعله خلال الحكومة الحالية: متى أُعد المشروع؟ من قدمه؟ ما مضامينه؟ متى وصل إلى النقاش داخل الأغلبية؟ ما الاعتراضات التي واجهته؟ ولماذا لم يصل في النهاية إلى قانون نافذ؟
كما أن مزور ذهب في حديثه عن الفساد إلى الإقرار بحدود ما يمكن إنجازه، قائلاً إن حزبه لا يقدم وعداً بالقضاء على الفساد كله، وإنما يريد استهداف الممارسات التي يمكن تغييرها، خصوصاً تلك التي تؤثر في ثقة المواطنين والمستثمرين.
ووفق ما نقل عن اللقاء، قال مزور إن الفساد «قوي وله مناصروه ومن يدافع عنه»، وإن هناك في المقابل أشياء يمكن القيام بها.
يمكن قراءة هذا الكلام باعتباره محاولة لتقديم مقاربة واقعية لمحاربة الفساد بدل رفع وعد شامل بالقضاء عليه، لكنه يعيد الحزب في الوقت نفسه إلى امتحان الإنجاز: إذا كانت هناك ممارسات قابلة للتغيير، فما الذي تغير منها خلال ولاية شارك الاستقلال في تدبيرها؟
ولا يتعلق الأمر بتحميل حزب واحد حصيلة حكومة ائتلافية كاملة.
مزور نفسه يقول إن الحزب حاول إقناع شركائه ولم يصل إلى النتيجة التي كان يريدها، وهذه رواية ينبغي عرضها كما قدمها صاحبها.
لكنها لا تعفي الحزب من توضيح ما جرى، بل تجعل الحاجة إلى التوضيح أكبر.
لأن القول إن الحزب حاول إقناع شركائه يطرح تلقائياً سؤال المسؤولية داخل التحالف: هل طُرح النص رسمياً على الأغلبية ووقع خلاف بشأنه؟ أم بقي في دائرة المشاورات؟ ما النقاط التي لم يحصل حولها الاتفاق؟ وهل يستطيع حزب الاستقلال نشر المسودة التي تحدث عنها أمينه العام حتى يعرف المواطن ما الذي اقترحه الحزب تحديداً وما الذي تعذر تمريره؟
البرنامج الانتخابي الجديد يذهب أبعد من قانون تضارب المصالح وحده.
فالحزب يتعهد بربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع التصريح بالمصالح، وتعزيز مراقبة الممتلكات، ومكافحة الإثراء غير المشروع، وتقليص السلطة التقديرية للإدارة، وتحويل الرخص والامتيازات إلى دفاتر تحملات أكثر شفافية، إضافة إلى تقوية المؤسسات الرقابية.
كلها تعهدات تشكل جزءاً من برنامج الحزب للحكامة، لكنها تضع الاستقلال أيضاً أمام سؤال عن حصيلته السابقة: ماذا تحقق من الأفكار نفسها عندما كان الحزب شريكاً في القرار؟
حتى نزار بركة جعل الملف جزءاً من خطاب الحزب قبل انطلاق الحملة الانتخابية، ثم عاد البرنامج المقدم في غشت ليضع مواجهة تضارب المصالح ضمن التزاماته، قبل أن يكشف تصريح مزور في شتنبر أن الحزب لم يصل خلال الولاية الحالية إلى النتيجة التي كان يريدها في الملف.
لذلك فإن تصريح رياض مزور يتجاوز مجرد الدفاع عن البرنامج الاقتصادي لحزب الاستقلال.
فالوزير قدم، وهو يشرح ما يريد حزبه القيام به مستقبلاً، مفتاحاً لمساءلة ما لم يتحقق في الحاضر: ما يقارب خمس سنوات من المشاركة في الحكومة توشك على الانتهاء، وملف يعتبره الحزب اليوم أساسياً للثقة والاستثمار والمنافسة لم يصل إلى الإطار الذي يقول الاستقلال إنه كان يريده.
وقبل أن يصبح قانون تضارب المصالح وعداً جديداً لما بعد 23 شتنبر، يستطيع حزب الاستقلال تقديم جزء من الجواب الآن: نشر المسودة التي يقول إنه أعدها، وتوضيح تاريخ إعدادها وإحالتها، والمراحل التي قطعتها، والنقاط التي حالت دون التوافق بشأنها.
عندها يمكن الانتقال من خطاب «حاولنا» إلى حصيلة قابلة للفحص، ومن وعد «سنفعل» إلى مسار يمكن قياسه بالوثائق.
أما إذا بقيت المسألة عند حدود القول إن الحزب حاول ولم يصل إلى النتيجة المطلوبة، ثم عاد القانون نفسه ضمن التزامات المرحلة المقبلة، فسيظل السؤال قائماً: إذا كان تضارب المصالح، بحسب تشخيص حزب الاستقلال نفسه، يمس الثقة والمنافسة والاستثمار، فلماذا لم يتحول إخراج إطاره القانوني إلى أولوية منجزة خلال سنوات المشاركة في الحكومة، قبل أن يعود أولوية انتخابية في نهايتها؟
