بعد سنوات من الحديث عن تقليص الفوارق المجالية والجهوية المتقدمة وتحقيق توزيع أكثر توازناً لثمار التنمية، تضع دراسة علمية حديثة خريطة المغرب الترابية أمام اختبار رقمي مختلف، بعدما صنفت 75 عمالة وإقليماً وفق مؤشر مركب للتنمية المستدامة، لتظهر فجوة واضحة بين المراكز الحضرية الكبرى وعدد من مناطق الساحل الشمالي الغربي من جهة، وبين أقاليم داخلية وجبلية وجنوبية شرقية من جهة ثانية.
الدراسة، المنشورة في المجلد 31 لشهر شتنبر 2026 من المجلة العلمية الدولية «Environmental and Sustainability Indicators» التابعة لـElsevier، تحمل عنوان «Robustness and sensitivity in subnational sustainability assessment: A multi-weighted SDG diagnostic framework»، واعتمدت قاعدة بيانات موحدة تغطي 75 وحدة ترابية بالمغرب، باستعمال 25 مؤشراً موزعة على 12 هدفاً من أهداف التنمية المستدامة.
ولا يتعلق الأمر بترتيب مبني على متغير اقتصادي واحد، مثل الناتج الداخلي أو الدخل، بل بمؤشر يجمع أبعاداً اجتماعية واقتصادية وبيئية وغذائية، من بينها الفقر والهشاشة والأمية والسكن غير اللائق والربط بشبكات التطهير وجمع النفايات والخدمات الصحية، إلى جانب مؤشرات بيئية مرتبطة بجودة الهواء ودرجة حرارة سطح الأرض والغطاء الغابوي.
واعتمد الباحثون بشكل رئيسي على معطيات الإحصاء العام للسكان والسكن لسنة 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، إضافة إلى إحصائيات إدارية رسمية ومعطيات قطاعية وصور أقمار اصطناعية، مع اللجوء إلى أقرب فترة زمنية متاحة عندما لم تكن بيانات سنة 2024 متوفرة لبعض المتغيرات.
وبعد توحيد هذه المعطيات على مستوى العمالات والأقاليم، أخضع الباحثون المؤشر لثلاث طرق مختلفة لاحتساب الأوزان، هي الوزن المتساوي، وطريقة «Entropy»، وتحليل المكونات الرئيسية «PCA».
والنتيجة الأكثر لفتاً للانتباه أن اختلاف طريقة الحساب لم يغير الصورة الترابية الكبرى.
فالرباط احتلت المركز الأول في طرق الاحتساب الثلاث دون أي تغير، بينما جاءت الدار البيضاء ثانية في الحالات الثلاث، وهو ما جعل المدينتين الأكثر ثباتاً في مقدمة التصنيف.
أما وفق المؤشر المركب المحتسب بأوزان تحليل المكونات الرئيسية «PCA»، فجاءت طنجة-أصيلة ثالثة بعد الرباط والدار البيضاء، في حين جاءت أقاليم مثل زاكورة وتاونات وشيشاوة ضمن المواقع الأدنى في النتائج المحسوبة بهذه الطريقة.
وعند النظر إلى الرتبة الوسيطة المحسوبة عبر الطرق الثلاث، يظهر أيضاً تقدم أكادير إداوتنان إلى المركز الثالث، تليها الصخيرات-تمارة رابعة وطنجة-أصيلة خامسة وسلا سادسة، وهو ما يعزز الملاحظة المركزية للدراسة بشأن تمركز الأداء الأعلى في المراكز الحضرية الكبرى وفي عدد من المجالات الواقعة على المحور الساحلي الشمالي الغربي للمملكة.
وفي الطرف المقابل، جاءت زاكورة في الرتبة الوسيطة 73، وشيشاوة في المرتبة 74، وتاونات في المرتبة 75، بما يعكس استمرار وجود أقاليم بعيدة عن المستويات المسجلة في أكبر الأقطاب الحضرية.
لكن قيمة الدراسة لا توجد فقط في أسماء المتصدرين والمتأخرين.
فالباحثون اختبروا ما إذا كانت الفوارق المسجلة مجرد نتيجة للطريقة الإحصائية المستعملة، ليخلصوا إلى أن الاتجاه الجغرافي العام ظل مستقراً رغم تغيير الأوزان: العمالات والأقاليم الموجودة في المراكز الحضرية الكبرى وعلى أجزاء من الشريط الساحلي الشمالي الغربي تحقق عموماً نتائج أعلى، بينما تتراجع أقاليم داخلية وجبلية وأخرى بالجنوب الشرقي إلى مراتب أدنى.
وهذا التمييز مهم، لأن الدراسة لا تقول إن جميع المناطق الساحلية تحقق أداء مرتفعاً، إذ تظهر داخل التصنيف نفسه أقاليم ساحلية في مراتب متوسطة أو متأخرة، ما يعني أن العامل الحضري وتمركز الخدمات والأنشطة الاقتصادية يظلان عنصرين أساسيين في قراءة الخريطة.
وتشير الدراسة، في مناقشتها للنتائج، إلى استمرار وجود تفاوتات ترابية مهمة رغم المبادرات الوطنية المرتبطة بالبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية والتنمية الجهوية، وتورد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والجهوية المتقدمة ضمن السياق المؤسساتي الذي يتحرك فيه المغرب لمعالجة هذه الاختلالات.
ومن بين الأمثلة التي تقدمها الدراسة على حساسية بعض المراتب لطريقة الاحتساب حالة المضيق-الفنيدق، التي جاءت في المرتبة السادسة وفق طريقة «PCA»، والثالثة عشرة وفق طريقة «Entropy»، والثامنة عند اعتماد الأوزان المتساوية.
هذا التذبذب دفع الباحثين إلى التحذير من التعامل مع المواقع الوسطى في التصنيف باعتبارها حقائق جامدة، غير أن الأمر يختلف بالنسبة إلى الاتجاه الترابي العام، إذ ظل الفصل بين الأقطاب الحضرية الأعلى أداءً وبين عدد من المناطق الداخلية والأطراف قائماً عبر طرق القياس المختلفة.
وهنا يخرج التصنيف من المجال الأكاديمي إلى سؤال السياسة العمومية.
فالمغرب اختار منذ سنوات الجهوية المتقدمة باعتبارها مدخلاً لإعادة توزيع القرار والاستثمار وتقليص الفوارق بين المجالات، كما ضخت الدولة اعتمادات وبرامج متعددة في الطرق والصحة والتعليم والماء والتأهيل الحضري والتنمية البشرية.
لكن الخريطة التي ترسمها الدراسة تقول إن شروط التنمية المستدامة ما تزال تختلف بوضوح باختلاف المجال الترابي الذي يعيش فيه المواطن.
وليست الخلاصة أن الرباط أو الدار البيضاء «حصلتا على أكثر مما تستحقان»، ولا أن كل إقليم متأخر يعيش الوضع نفسه، فالدراسة نفسها تكشف اختلاف نقاط القوة والضعف بين المجالات.
السؤال الذي تضعه الأرقام أمام السياسات العمومية هو أكثر دقة: لماذا تبقى الفجوة بين المراكز الكبرى والأطراف واضحة حتى عند تغيير طريقة القياس والمؤشرات؟
الدراسة لا تقدم حكماً سياسياً على أداء الحكومة ولا تصنف الجهات وفق جودة تدبير مسؤوليها، وإنما تقيس نتائج ترابية اعتماداً على مجموعة محددة من المؤشرات وبيانات مرجعية تعود أساساً إلى سنة 2024.
كما أن المؤشر يقيس الأداء النسبي بين العمالات والأقاليم المغربية ضمن مجموعة المؤشرات المختارة، ولا يمثل تقييماً رسمياً لمدى بلوغ كل إقليم أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030.
ولا تشمل المنهجية، كذلك، جميع الأبعاد الممكنة للتنمية، إذ يشير الباحثون إلى محدودية توفر بعض المعطيات الترابية القابلة للمقارنة، ولا سيما في ما يرتبط ببعض مؤشرات الحكامة والمؤسسات.
ومع ذلك، فإن ثبات الخريطة العامة للفوارق أمام ثلاث طرق مختلفة للحساب يجعل نتائجها مؤشراً يستحق التوقف عنده، خصوصاً مع اقتراب سنة 2030، الموعد الذي وضعت عنده الأمم المتحدة سقفاً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وبين الرباط التي بقيت في المركز الأول أياً كانت طريقة الحساب، وتاونات وشيشاوة وزاكورة التي بقيت في الطرف الأدنى من الخريطة، يعود السؤال القديم بصيغة رقمية جديدة: إلى أي حد نجحت سياسات تقليص الفوارق المجالية فعلاً في بناء تنمية لا يحدد المجال الترابي حظ المواطن منها؟
