دخل ملف تأشيرات المغاربة إلى إسبانيا دائرة التصعيد السياسي داخل الكونغرس، بعدما طالب حزب «فوكس»، الجمعة 18 شتنبر 2026، برفض منح التأشيرات للمواطنين المغاربة إلى حين صدور إعلان من الرباط يعترف صراحة بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية وعدد من الجزر والصخور والمواقع التي تعتبرها مدريد خاضعة لسيادتها في شمال إفريقيا، في مبادرة حزبية لا تمثل، حتى الآن، قراراً نافذاً للحكومة الإسبانية.
المقترح جاء في صيغة «Proposición no de Ley»، أي مبادرة غير تشريعية موجهة للنقاش داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الإسباني، ويطالب بأن يكون الاعتراف المغربي، وفق الصياغة التي قدمها فوكس، «علنياً وصريحاً ولا لبس فيه» بشأن ما تعتبره إسبانيا سيادتها على سبتة ومليلية، إضافة إلى جزر شفاريناس وصخرة باديس وجزيرة ليلى المعروفة إسبانياً باسم «بيريخيل» وجزر وصخرة الحسيمة.
ولا يقف المقترح عند ملفات طلب التأشيرة فقط، إذ يذهب فوكس إلى المطالبة بمنع دخول المواطنين المغاربة وعبورهم وإقامتهم داخل الأراضي الإسبانية إلى حين تحقق الشرط السياسي الذي وضعه الحزب، وهو مطلب بالغ الاتساع من حيث الفئة التي يستهدفها، لكنه يظل في هذه المرحلة موقفاً سياسياً تقدم به حزب داخل المؤسسة التشريعية وليس إجراء إدارياً دخل حيز التنفيذ.
ويربط الحزب مبادرته مباشرة بأحداث سبتة خلال نهاية يوليوز الماضي، مستخدماً توصيفات سياسية حادة لتحميل المغرب المسؤولية عن الأزمة.
غير أن هذه التوصيفات والاتهامات واردة في مبادرة فوكس السياسية، وليست في حد ذاتها خلاصات تحقيق قضائي أو تقرير رسمي مستقل، وهو ما يقتضي نسبها إلى الحزب وعدم تقديمها باعتبارها وقائع مثبتة.
ويكتسي هذا التفريق أهمية خاصة في قراءة المبادرة، لأن الوثيقة لا تكتفي باقتراح إجراءات مرتبطة بالتأشيرات والهجرة، بل تبني جزءاً من مبرراتها على تقييم فوكس نفسه لسلوك المغرب ولأحداث سبتة، ما يجعل الفصل ضرورياً بين الموقف الحزبي وبين الوقائع المثبتة أو المواقف الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة الإسبانية.
التصعيد الحالي لا يأتي من فراغ داخل أجندة فوكس، إذ سبق للحزب أن طرح خلال الأسابيع الماضية سلسلة مطالب مرتبطة بالعلاقات مع المغرب، شملت مراجعة التعاون الثنائي وتعليق بعض الاتفاقيات والمطالبة بإجراءات مرتبطة بعودة المهاجرين، كما تظهر وثائق رسمية للكونغرس أن الحزب طرح أيضاً مطالب باستدعاء السفراء ومراجعة العلاقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية مع الرباط.
غير أن مسار تلك المبادرات داخل البرلمان يكشف في الوقت نفسه أن تسجيل المقترح لا يعني اعتماده.
ففي 16 شتنبر 2026، رفض مجلس النواب الإسباني مبادرة أخرى تقدم بها فوكس مرتبطة بالمغرب والهجرة، بعدما صوت ضدها 177 نائباً مقابل تأييد 170، دون امتناع، وهو ما يقدم مثالاً عملياً على الفارق بين إيداع مقترح سياسي داخل الكونغرس وبين تحوله إلى موقف يحظى بالأغلبية أو إلى قرار تنفيذي صادر عن الحكومة.
أما على المستوى العملي، فلا يعني تحرك فوكس توقف التأشيرات الإسبانية للمغاربة.
فحتى وقت إعداد هذه المادة، ما تزال وزارة الخارجية الإسبانية، عبر القنصلية العامة لإسبانيا في الرباط، تنشر إجراءات إيداع ومعالجة طلبات التأشيرة، بما فيها تأشيرات «شنغن»، وتحدد كيفية حجز المواعيد وإيداع الملفات بحسب نوع التأشيرة.
وبذلك، لا يوجد في المبادرة نفسها ما يجعل المنع سارياً بمجرد تقديمها إلى الكونغرس، كما أن الإجراءات القنصلية الرسمية المنشورة ما تزال قائمة، ما يعني أن مطلب فوكس، في وضعه الحالي، يظل مبادرة سياسية موجهة إلى الحكومة وليس قراراً مطبقاً على المواطنين المغاربة.
ويأتي مطلب وقف تأشيرات المغاربة كذلك في سياق تصاعد النقاش الأوروبي حول أزمة سبتة والحدود والهجرة والعلاقة مع المغرب، بعدما انتقل الملف من تدبير أمني للحدود إلى نقاشات داخل البرلمان الأوروبي والمؤسسات الإسبانية بشأن التعاون والهجرة والتمويل والسياسة الخارجية.
وتحمل الخطوة، مع ذلك، دلالة سياسية واضحة بسبب انتقال مطلب يستهدف عموم المواطنين المغاربة الراغبين في دخول إسبانيا إلى داخل الكونغرس وربطه مباشرة بملف سبتة ومليلية وباقي المواقع التي يطالب فوكس الرباط بالاعتراف الصريح بالسيادة الإسبانية عليها، ما يجعل مسار المبادرة وموقف باقي الكتل البرلمانية والحكومة منها العامل الحاسم في معرفة ما إذا كانت ستظل جزءاً من خطاب الحزب أم ستحصل على دعم أوسع داخل المؤسسة التشريعية.
وحتى وقت إعداد هذه المادة، لم تعلن الحكومة الإسبانية اعتماد الإجراء الذي يطالب به فوكس، فيما تستمر القنوات القنصلية الرسمية في عرض إجراءات تقديم طلبات التأشيرة للمقيمين بالمغرب.
