بقلم: الباز عبدالإله
ليست القضية هذه المرة صفقة تسلح، ولا قرضاً بملايين الدولارات، ولا مشروعاً ضخماً للبنية التحتية.
المبلغ لا يتجاوز 150 ألف يورو، أي نحو 164 مليون سنتيم، لكن الفئة التي وُضع اسمها على المشروع تجعل السؤال عن كل يورو منه أبعد من أن يكون تفصيلاً محاسبياً عابراً: أشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب.
المفارقة أن المال سيُنفق داخل المغرب، والمشروع ينسقه التعاون الوطني، وهو مؤسسة عمومية مغربية، والمستفيدون المستهدفون يوجدون بالمغرب، لكن الأسئلة الأكثر تفصيلاً التي ظهرت إلى العلن حول أين ستذهب الأموال، ومن سيستفيد منها، وكم سيُستهلك في التسيير، جاءت من مدريد.
السجل الرسمي للمساعدات العمومية الإسبانية يكشف أن الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية منحت «التعاون الوطني» 150 ألف يورو لفائدة مشروع يحمل عنوان «المغرب 2030: دعم إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في ما يتعلق بالولوجيات وقابلية التشغيل، وتعزيز التنسيق الترابي».
وصدر قرار المنحة في فاتح دجنبر 2025، قبل تسجيلها رسمياً في 16 دجنبر من السنة نفسها.
والمنحة، بهذا المعنى، ليست جديدة. الجديد هو أن ما سيحدث للمال بعد منحه تحول في صيف 2026 إلى ملف مساءلة داخل مجلس النواب الإسباني.
ففي 24 غشت 2026، وجّه 14 نائباً من المجموعة البرلمانية للحزب الشعبي الإسباني سلسلة من ستة أسئلة كتابية متتابعة إلى الحكومة، تحمل أرقام التسجيل من 124088 إلى 124093، قبل نشرها في النشرة الرسمية لمجلس النواب بتاريخ 14 شتنبر 2026. ولم تكن الأسئلة عامة أو سياسية فضفاضة، بل دخلت مباشرة إلى التفاصيل التي تحدد في النهاية ما إذا كانت المنحة ستتحول إلى أثر ملموس أم ستظل رقماً في جدول للتعاون الدولي.
سأل النواب عن نظام الرقابة المالية والتتبع والتبرير الذي وضعته الوكالة الإسبانية للتعاون للتأكد من «المصير الفعلي» للـ150 ألف يورو، وعن عمليات التحقق التي ستجرى على الأرض، والوثائق التي سيتعين تقديمها لإثبات كيفية صرفها. وسألوا أيضاً عن مضمون «التنسيق الترابي» الذي سيمول، والمؤسسات والهياكل والمناطق المغربية المعنية، والأعمال المحددة التي ستدفع المنحة تكلفتها.
لكن السؤال الأكثر حساسية جاء عندما طلب النواب معرفة الكلفة الإجمالية للمشروع، والنسبة التي ستخصص مباشرة لتدخلات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، مقابل ما سيذهب إلى مصاريف البنية والتدبير وتشغيل المشروع.
بمعنى أبسط: من أصل 150 ألف يورو تحمل اسم الإعاقة والإدماج، كم سيصل فعلياً إلى أنشطة يستفيد منها الأشخاص الذين وُضع اسمهم على المشروع، وكم سيذهب إلى إدارة المشروع نفسه؟
ولم تتوقف الأسئلة عند المال. فقد طلب النواب أيضاً معرفة المعايير التي أدت إلى اختيار «التعاون الوطني» مستفيداً من المنحة، وطبيعة علاقته بالمؤسسات العمومية المغربية، والضوابط الإضافية التي ستطبقها الوكالة الإسبانية باعتباره جهة أجنبية تتلقى أموالاً عمومية إسبانية.
ثم جاء السؤال السادس ليضع المشروع أمام اختبار الأرقام: ما المؤشرات والمراحل والنتائج الكمية التي يتعين على التعاون الوطني تحقيقها حتى تعتبر الوكالة الإسبانية أن المنحة نُفذت على النحو المطلوب؟ وكم عدد الأشخاص المتوقع استفادتهم منها بصورة مباشرة وغير مباشرة؟
وتكتسب هذه الأسئلة وزناً أكبر عند العودة إلى الوصف الرسمي للمشروع لدى الوكالة الإسبانية للتعاون.
فالبرنامج لا يقدم نفسه كمساعدة إدارية عامة، بل يعلن هدفاً عملياً يتمثل في تحسين ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب إلى فرص العمل، وتسهيل حركيتهم داخل فضاءات قابلة للولوج، عبر تعاون يجمع المؤسسات والأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم والمجتمع المدني والقطاع الخاص، تحت تنسيق التعاون الوطني، وفي المناطق المستضيفة لكأس العالم 2030.
وهنا تصبح المسألة أكثر وضوحاً: عندما يرتبط المشروع بالتشغيل والولوجيات ومناطق مونديال 2030، تصبح النتائج قابلة للقياس.
كم شخصاً سيستفيد؟ كم فرصة إدماج أو تشغيل ستتحقق؟ ما المرافق التي ستصبح أكثر قابلية للولوج؟ وفي أي مدن أو أقاليم؟ وكم من الميزانية سيذهب إلى ذلك بصورة مباشرة؟
هذه ليست أسئلة تقنية بعيدة عن حياة المواطن. فخلف عبارة «الأشخاص في وضعية إعاقة» توجد أسر تخوض يومياً معركة بسيطة في ظاهرها وثقيلة في واقعها: باب غير مهيأ، رصيف يستحيل عبوره، وسيلة نقل غير قابلة للاستعمال، خدمة اجتماعية يصعب الوصول إليها، أو شاب يمتلك الكفاءة لكنه لا يجد الطريق نفسه إلى سوق الشغل.
ولهذا لا تصبح مسألة توزيع المنحة مجرد تمرين محاسبي. فحين تحمل الأموال اسم فئة تواجه أصلاً صعوبات في الولوج إلى الخدمات والعمل والمجال العام، فإن تحديد نصيبها الحقيقي يصبح جزءاً من قياس جدية المشروع نفسه.
والمفارقة لا تتوقف عند كون الأسئلة جاءت من الخارج.
فالتعاون الوطني ليس جمعية خاصة تتلقى تمويلاً أجنبياً بعيداً عن المؤسسات العمومية.
أُحدث التعاون الوطني سنة 1957 في صيغة مؤسسة ذات طابع اجتماعي، قبل أن يتحول سنة 1972 إلى مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المدنية والاستقلال المالي، وهي خاضعة لوصاية القطاع الحكومي المكلف بالتضامن والإدماج الاجتماعي.
بل إن الخطاب الرسمي للمؤسسة نفسها يجعل الأسئلة المطروحة اليوم أكثر أهمية.
فخلال مجلس إدارة التعاون الوطني المنعقد في 9 يونيو 2026، أعلنت المؤسسة أن عدد المستفيدين من مختلف برامجها الاجتماعية خلال سنة 2025 بلغ حوالي 1.4 مليون مستفيد ومستفيدة، من بينهم أشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب فئات اجتماعية أخرى.
والأهم أن النقاش داخل المجلس الإداري انتهى، وفق بلاغ وزارة التضامن نفسها، إلى التأكيد على ضرورة «الانتقال من منطق الأرقام والمؤشرات الكمية إلى تقييم الأثر الاجتماعي الحقيقي»، مع الدعوة إلى تعزيز الحكامة وآليات التتبع والتقييم والشفافية وتحسين التدبير المالي والإداري.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة.
المؤسسة المغربية تقول رسمياً إنها تريد الانتقال من عدّ المستفيدين إلى قياس الأثر الحقيقي، وفي الوقت نفسه يأتي 14 نائباً من البرلمان الإسباني ليسألوا، بشأن منحة موجهة إليها، تقريباً الأسئلة نفسها التي يفترضها منطق قياس الأثر: من سيستفيد؟ ماذا سينجز؟ كيف ستوزع الأموال؟ ما المؤشرات؟ من سيراقب؟ وما النتيجة التي تسمح بالقول إن المشروع نجح فعلاً؟
المشكلة ليست في وجود مصاريف للتدبير أو التنسيق أو المساعدة التقنية؛ فهذه مكونات قد تكون ضرورية لتنفيذ المشاريع. السؤال هو حجمها مقارنة بما سيترجم مباشرة إلى منفعة ملموسة للأشخاص في وضعية إعاقة.
هل ستظهر المنحة في مرفق أصبح قابلاً للولوج؟ هل ستساهم في إدماج مهني أو تحسين قابلية التشغيل؟ هل ستنتج حلولاً يستفيد منها أشخاص بصورة مباشرة؟ أم سيبقى الجزء الأكبر من أثرها داخل دوائر الدراسات والاجتماعات والتنسيق والتدبير؟
الوثائق المتاحة لا تسمح حالياً بالإجابة النهائية عن هذه الأسئلة، ولهذا بالضبط طرحها النواب الإسبان على حكومتهم.
وبحث CrashSiyasi في النتائج المنشورة والمتاحة عبر موقع مجلس النواب المغربي باستعمال عبارات مرتبطة بالتعاون الوطني، والمنحة الإسبانية، ومبلغ 150 ألف يورو، ولم يعثر، إلى حدود إعداد هذا المقال، على سؤال برلماني مغربي منشور يتناول هذه المنحة المحددة وتوزيعها وعدد المستفيدين منها.
ولا يعني ذلك الجزم بعدم وجود متابعة إدارية أو رقابية أخرى لم تنشر، كما لا يمثل دليلاً على وجود مخالفة في صرف الأموال؛ فلا الوثيقة الإسبانية ولا المصادر الرسمية التي تمت مراجعتها تثبت وجود اختلاس أو تبديد أو سوء استعمال للمنحة.
لكن هذا التحفظ لا يلغي المفارقة.
مشروع يُنفذ في المغرب، لفائدة أشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب، وينسقه التعاون الوطني، وهو مؤسسة عمومية مغربية، لكن الوثيقة البرلمانية العلنية التي كشفت هذا المستوى من التدقيق في توزيع الـ150 ألف يورو وعدد المستفيدين ومصاريف الإدارة والرقابة الميدانية خرجت من تحت قبة البرلمان في مدريد.
والقضية في النهاية ليست حجم المبلغ. فقد تبدو 150 ألف يورو رقماً صغيراً أمام القروض والصفقات والمشاريع بمئات الملايين، لكنها ليست مبلغاً صغيراً بالنسبة إلى شخص قد تعني له نتيجة المشروع فرصة عمل، أو مرفقاً يستطيع دخوله، أو خدمة كان الوصول إليها مستحيلاً.
والمواطن الذي يبحث عن فرصة شغل لا تعنيه تسمية البرنامج بقدر ما تعنيه النتيجة، والأسرة التي تنتظر خدمة لابنها أو ابنتها لا يعنيها عدد اجتماعات التنسيق بقدر ما يعنيها أن تجد باباً مفتوحاً ومرفقاً مهيأ وخدمة تصل إليها فعلاً.
لهذا فإن السؤال الذي يطرحه النواب الإسبان على حكومتهم يصلح، من زاوية الشفافية والمصلحة الاجتماعية، لأن يُطرح أيضاً داخل المغرب:
من أصل 150 ألف يورو دخلت باسم الأشخاص في وضعية إعاقة، كم سيصل فعلياً إليهم؟ وأين سيظهر أثره؟ ومن سيخبر المواطنين بالنتيجة؟
