بقلم: الباز عبدالإله
صعد حي «المحيط» بمدينة الرباط إلى المرتبة الثانية ضمن قائمة أروع 40 حياً في العالم لسنة 2026، وفق التصنيف الذي نشرته مجلة «Time Out» البريطانية يوم الأربعاء 16 شتنبر، متقدماً على حي «نيوس كوزموس» في أثينا و«تشاينا تاون» في لوس أنجلوس، ولم يسبقه سوى حي «جونغنو 3-غا» في العاصمة الكورية الجنوبية سيول.
ولا يتعلق الأمر بتصنيف رسمي قائم على مؤشرات إحصائية صادرة عن مؤسسة حكومية، بل باختيار تحريري أنجزته شبكة من الخبراء والمراسلين المحليين التابعين للمجلة، قبل أن تراجع لجنة التحرير الترشيحات وفق معايير تشمل جودة المطاعم والمقاهي، والحياة الثقافية، والمشاريع المحلية المستقلة، وقابلية العيش، وروح المجتمع داخل الحي.
ولم تبنِ «Time Out» اختيارها للمحيط على المشاريع الكبرى أو المباني الفاخرة، بل على الصورة التي يصنعها السكان والحياة اليومية داخل الحي، إذ توقفت المجلة عند الكورنيش المطل على المحيط الأطلسي، والشواطئ والملاعب الرياضية، والعمارات المنخفضة التي تقطنها العائلات والمهنيون الشباب، فضلاً عن الجداريات المنتشرة في عدد من الأزقة والمتاجر والمقاهي المستقلة التي تمنح المكان طابعاً محلياً مختلفاً.
ورسم التقرير مساراً يمتد على طول الواجهة الساحلية من المدينة العتيقة إلى القصر التاريخي الذي يعود إلى القرن الثامن عشر وتحول إلى فندق «فور سيزونز»، كما سلط الضوء على زنقة أبيدجان وزنقة زنجبار وشارع بروكسيل الذي أصبح فضاءً للمشاة واحتضن مقاهي ومراكز ثقافية جديدة، إضافة إلى المتحف الوطني للتصوير ومنارة الرباط وعدد من المطاعم والمحلات الصغيرة.
غير أن هذا التتويج الدولي يصل في لحظة حساسة يعيشها الحي، بعدما أقرت «Time Out» نفسها بأن واجهته البحرية تخضع لعملية إعادة تهيئة حضرية واسعة، وهو ما يضع مستقبل الهوية الشعبية التي صنعت جاذبية «المحيط» أمام سؤال يتجاوز الترتيب السياحي إلى طبيعة التحول الذي تعرفه المنطقة ومن سيدفع كلفته الاجتماعية والعمرانية.
وسبق لصحيفة «El País» الإسبانية أن أفادت، في تحقيق نشرته يوم 6 يونيو 2026، بأن مئات المساكن تعرضت للهدم في الرباط، وأن أجزاء من الواجهة البحرية لحي «المحيط» هُدمت كلياً أو جزئياً ضمن توجه يرمي إلى تحويل الطريق الساحلية إلى كورنيش عصري ومناطق سكنية وتجارية وسياحية، مشيرة إلى نشر أول مرسوم للمنفعة العامة المرتبط بنزع الملكية خلال شهر مارس، وإلى انتقادات معارضة بشأن شفافية العملية وقيمة التعويضات المقترحة، بحسب ما نقلته الصحيفة.
المفارقة أن المعايير التي رفعت «المحيط» إلى المرتبة الثانية عالمياً لا ترتبط بالإسمنت أو بالفنادق المصنفة، بل بالعائلات المقيمة، والمحلات المستقلة، والأزقة الحية، والفنون الجدارية، والعلاقات الاجتماعية التي تمنح الحي شخصيته، ولذلك فإن أي تهيئة لا تحافظ على هذه العناصر قد تنتهي بتغيير الأسباب نفسها التي دفعت المجلة إلى الاحتفاء به.
وبهذا المعنى، يمنح التصنيف الرباط فرصة سياحية وثقافية مهمة، لكنه يطرح في الوقت نفسه على السلطات والمنتخبين والفاعلين العقاريين سؤال حماية ذاكرة الحي، وضمان شفافية عمليات نزع الملكية والتعويض وإعادة الإسكان، وإشراك السكان في القرارات التي ستحدد مستقبل منطقتهم، لأن نجاح التهيئة لا يقاس فقط بجمال الواجهة البحرية الجديدة، بل أيضاً بقدرة أبناء «المحيط» على الاستمرار في العيش داخل الحي الذي صنعوا روحه وأوصله إلى المرتبة الثانية عالمياً.
