بقلم: الباز عبدالإله
قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، دخل ملف سلامة الصحفيين وحرية التغطية الإعلامية على خط الاستحقاق الانتخابي، بعدما قالت منظمة «مراسلون بلا حدود» إنها رصدت منذ نهاية يوليوز تصاعد حملة رقمية تستهدف عدداً من الصحفيين المغاربة، مطالبة السلطات والقضاء والمجلس الوطني للصحافة باتخاذ إجراءات تضمن ممارسة العمل الصحفي في ظروف آمنة خلال الفترة الانتخابية.
المنظمة الدولية سمت في بلاغها الصادر يوم 18 شتنبر كلاً من توفيق بوعشرين، وحميد المهداوي، وسليمان الريسوني، وعلي أنوزلا، وقالت إن هؤلاء تعرضوا لمنشورات ومقالات لم تقتصر بحسب تقييمها على نقد أعمالهم أو مواقفهم الصحفية، بل امتدت إلى حياتهم الخاصة ومصداقيتهم المهنية، فيما لم يقدم البلاغ ما يفيد صدور نتائج قضائية تثبت وجود تنسيق تنظيمي بين مختلف الحسابات أو الجهات التي تناولها الرصد.
أبرز ما كشفه البلاغ هو انتقال الرصد من مقالات منفردة إلى دائرة أوسع على منصات التواصل الاجتماعي، إذ قالت «مراسلون بلا حدود» إنها تمكنت من تحديد عشرات الحسابات على فيسبوك وإنستغرام وتيك توك تعيد نشر أو إنتاج هذا النوع من المضامين، بما يساهم وفق المنظمة في توسيع نطاق انتشارها وزيادة ظهورها على الشبكات الاجتماعية.
وبحسب المعطيات التي نشرتها المنظمة، بلغ هذا النشاط مستوى لافتاً يوم 16 شتنبر، عندما رصدت ما لا يقل عن خمسة منشورات منفصلة تستهدف حميد المهداوي وتوفيق بوعشرين في اليوم نفسه عبر صفحات وحسابات مختلفة، بعضها يقدم نفسه كوسيلة إعلام، فيما تدير حسابات أخرى مجموعات أو أفراد.
«مراسلون بلا حدود» قالت إن النمط الذي رصدته يقوم في عدد من الحالات على استحضار إدانات أو اتهامات سابقة وربطها بأحداث راهنة، إلى جانب استعمال عناصر مرتبطة بالحياة الخاصة والمظهر والسخرية والمونتاجات الرقمية، بما فيها صور قالت المنظمة إن بعضها أنشئ أو عُدل باستعمال الذكاء الاصطناعي.
وفي حالة سليمان الريسوني، تحدث البلاغ عن مقالتين نُشرتا في 26 غشت و4 شتنبر وتناولتا مساره وحياته الخاصة وربطتاه بما وصفته بادعاءات عن العمل لصالح جهات معادية للمغرب، أما توفيق بوعشرين فقالت المنظمة إنه كان موضوع مقالات انتقدت تناوله الصحفي لملف الهجرة، فيما تحدثت عن ست مقالات على الأقل تناولت علي أنوزلا ومصداقيته وتحليلاته في ملفات سياسية وأمنية، كما رصدت مضامين استهدفت حميد المهداوي وعمله الإعلامي وحياته الخاصة، وتظل هذه الوقائع والتوصيفات كما وردت جزءاً من رصد المنظمة وموقفها من طبيعة تلك المنشورات.
المنظمة ربطت هذا الرصد مباشرة بالسياق الانتخابي، معتبرة أن ممارسة الصحافة السياسية بحرية تكتسب أهمية خاصة خلال الحملات والاقتراع، وأن استهداف الصحفيين بالترهيب أو التهديد يمكن أن يمس قدرتهم على تغطية النقاش العام بصورة مستقلة، وهو تقييم صادر عن المنظمة وليس توصيفاً قضائياً للوقائع موضوع البلاغ.
ووجهت «مراسلون بلا حدود» في هذا السياق أربع توصيات، دعت من خلالها الفاعلين السياسيين إلى الامتناع عن الخطابات التي قد تؤجج التوتر تجاه الصحفيين، وطالبت القضاء بضمان تحقيقات سريعة عند وجود تهديدات وتأمين الوصول الفعلي إلى سبل الانتصاف القضائي، كما دعت المجلس الوطني للصحافة إلى النظر في أي إخلال محتمل بأخلاقيات المهنة من جانب وسائل الإعلام المعنية، وطالبت السلطة التنفيذية باستئناف الحوار مع التنظيمات المهنية والمدافعين عن حرية الصحافة.
صدور هذه المطالب قبل خمسة أيام من الاقتراع يمنحها حساسية سياسية إضافية، في مرحلة ترتفع فيها أهمية التغطية الإعلامية والتدقيق في البرامج والمرشحين والحصيلة الحكومية، ويزداد معها دور الصحافة في نقل المواقف وطرح الأسئلة ومراقبة الخطاب السياسي.
غير أن البلاغ يفتح في المقابل سؤالاً قانونياً ومهنياً دقيقاً حول الحد الفاصل بين النقد، حتى عندما يكون حاداً، وبين المضامين التي يمكن أن تتحول إلى تشهير أو تهديد أو مساس بالحياة الخاصة، فحرية التعبير تحمي حق الصحفيين في ممارسة عملهم كما تحمي حق الآخرين في نقده، بينما يبقى تحديد وجود أفعال يعاقب عليها القانون واستخلاص المسؤوليات القانونية من اختصاص القضاء.
وينطبق الاحتياط نفسه على وصف «مراسلون بلا حدود» بعض المواقع المعنية بأنها تروج لخط موال للحكومة، فهذا توصيف صادر عن المنظمة في بلاغها ولا يشكل في ذاته إثباتاً لوجود علاقة تنظيمية أو توجيه مباشر من مؤسسات الدولة، وهو تمييز ضروري في ملف شديد الحساسية سياسياً وقانونياً خلال فترة انتخابية.
وتضع المنظمة هذا التطور داخل سياق أوسع تقول إن الصحفيين المغاربة واجهوا خلال السنوات الماضية ضمنه ضغوطاً متكررة، من بينها متابعات قضائية وحملات رقمية استهدفت مهنيين في الإعلام، كما تضع المغرب في المرتبة 105 من أصل 180 دولة وإقليماً في تصنيفها العالمي لحرية الصحافة لسنة 2026، برصيد 50.55 نقطة.
الاختبار المطروح قبل انتخابات 23 شتنبر لا يرتبط فقط بقدرة الصحفيين على الوصول إلى المعلومة وحضور التجمعات وتغطية الحملات، بل يمتد إلى الطريقة التي تدار بها المواجهة الرقمية مع أعمالهم ومواقفهم، وما إذا كان الخلاف مع المادة الصحفية سيظل داخل حدود الرد والنقد والمساءلة المهنية والقانونية أم سيتحول إلى استهداف شخصي يتجاوز مضمون العمل الإعلامي.
وبين ما تصفه «مراسلون بلا حدود» بحملة رقمية متصاعدة تستهدف صحفيين معروفين بنبرة نقدية، وبين حق الأفراد ووسائل الإعلام في مناقشة أعمال هؤلاء الصحفيين وانتقادها، يبقى السؤال الذي يستحق التدقيق هو ما إذا كانت عشرات الحسابات التي رصدتها المنظمة تمثل مجرد أصوات متفرقة داخل سجال رقمي حاد، أم أن أنماط النشر والتوقيت وإعادة التدوير تكشف عن تنسيق أوسع يستوجب تحقيقاً مهنياً وتقنياً وقضائياً، وهو سؤال لا يمكن حسمه بالانطباع ولا بالاتهام المضاد، بل بالأدلة.
