بقلم: الباز عبدالإله
بعد سنوات من الاستثمار في تأهيل المؤسسات التعليمية، وتكوين الأساتذة، وتطوير منظومة «مسار»، وتحسين المختبرات والمكتبات والتجهيزات الرقمية، يضع تقييم نهائي مستقل نشرته مؤسسة «Millennium Challenge Corporation» الأمريكية حصيلة برنامج إصلاح التعليم الثانوي بالمغرب أمام سؤال مركزي: لماذا تحسنت المدرسة في عدد من المؤشرات التنظيمية والتجهيزية دون أن ينعكس ذلك، بالوضوح نفسه، على تعلم التلاميذ.
التقييم النهائي، المنشور في شتنبر 2026، يتعلق بنشاط التعليم الثانوي الذي بلغت كلفته 113 مليون دولار ضمن مشروع أوسع للتعليم والتكوين من أجل التشغيل بقيمة 225 مليون دولار، داخل اتفاقية «التشغيل والعقار» المبرمة بين المغرب ومؤسسة تحدي الألفية الأمريكية بقيمة إجمالية بلغت 460.5 مليون دولار بين 2017 و2023.
واختارت المؤسسة الأمريكية عنواناً فرعياً شديد الوضوح لتلخيص النتيجة الرئيسية للتقييم، مفاده أن التحسينات المحققة على مستوى المؤسسات والنظام التعليمي «لم تؤد بعد إلى مكاسب في تعلم التلاميذ».
وهي خلاصة لا تعني أن البرنامج لم يحقق شيئاً، لكنها تكشف فجوة واضحة بين الاستثمار في البنية والتنظيم وبين النتيجة التي يفترض أن تكون في قلب أي إصلاح تعليمي، أي ما يتعلمه التلميذ فعلياً داخل القسم.
التقييم، الذي أنجزته بشكل مستقل مؤسسة «Mathematica»، اعتمد تصميماً يجمع بين تقييم الأثر وتقييم الأداء، وشمل 477 مؤسسة ثانوية موزعة على ثلاث جهات، بينها 84 مؤسسة استفادت من نموذج «التحدي» مقابل 393 مؤسسة ضمن مجموعة المقارنة.
كما شملت العينة الميدانية 168 مؤسسة، وحوالي 1008 أساتذة و2520 تلميذاً، فيما استُخدمت بيانات إدارية من منظومة «مسار» تغطي أكثر من 160 ألف تلميذ.
وتمنح هذه المنهجية ثقلاً خاصاً للنتائج، لأن التقييم لم يقتصر على الانطباعات أو تصريحات المسؤولين، بل استخدم تجربة عشوائية للمقارنة بين المؤسسات المستفيدة وغير المستفيدة، إلى جانب الاستبيانات والملاحظات الصفية وبيانات «مسار» واختبارات القراءة بالفرنسية والرياضيات والمقابلات مع الفاعلين التربويين.
كما امتد التتبع إلى الموسم الدراسي 2025-2026، أي بعد ثلاث سنوات من انتهاء الاتفاقية.
وعلى مستوى المؤسسات، سجل التقييم نتائج إيجابية واضحة. المدارس المستفيدة أظهرت استعمالاً أفضل لمخططات تحسين المؤسسات، وتقدماً في التخطيط وتخصيص الموارد، كما تحسنت مرافق الماء والصرف الصحي والنظافة، والولوج إلى تكنولوجيا المعلومات، وتوفرت مواد تعليمية أفضل ومساحات محسنة للتعلم، من بينها قاعات الإعلاميات والمختبرات العلمية والمكتبات.
لكن الصورة تغيرت عندما انتقل التقييم من وجود التجهيزات إلى استعمالها الفعلي.
فقد سجل أن عدداً من موارد تكنولوجيا المعلومات لم يكن يعمل بشكل منتظم أو لم يكن يستخدم في التدريس، كما أفادت نحو 70 في المائة من المؤسسات في المجموعتين بوجود حاجيات صيانة مستعجلة، وهو ما يطرح مرة أخرى إشكالية استدامة الاستثمار بعد انتهاء التمويل الأولي.
النتائج المرتبطة بالأساتذة حملت المفارقة نفسها. فالأساتذة في المؤسسات المستفيدة كانوا أكثر احتمالاً بما بين 20 و30 نقطة مئوية للمشاركة في برامج التكوين مقارنة بالمجموعة الضابطة، كما ارتفع استعمالهم لبعض أدوات تكنولوجيا المعلومات، لكن هذا التطور لم يتحول إلى تغيير واسع في طرق التدريس داخل القسم.
التقييم لم يسجل تحسناً مهماً في اعتماد الأساليب التعليمية المتمحورة حول المتعلم، ونقل عن الأساتذة مجموعة من العراقيل التي تحد من قدرتهم على تغيير ممارساتهم، بينها الاكتظاظ، وضغط العمل، وضعف المكتسبات الأساسية لدى عدد من التلاميذ، ومحدودية المواكبة والتأطير المستمر.
وهنا يصل التقرير إلى النتيجة الأكثر حساسية. برنامج «التحدي» لم يسجل تحسناً ذا دلالة إحصائية في معظم مؤشرات تعلم التلاميذ، أو المهارات الناعمة، أو التسجيل، أو إتمام الدراسة، أو الحضور.
كما كانت آثار البرنامج على القراءة بالفرنسية سلبية في التقدير الإحصائي، لكنها لم تكن ذات دلالة إحصائية، فيما ظلت الآثار على نتائج الامتحانات والمهارات الناعمة قريبة عموماً من الصفر.
هذه النتيجة لا تسمح بالقول إن البرنامج تسبب في تراجع مستوى التلاميذ، لأن التقييم نفسه يشدد على أن الأثر السلبي المقدر في الفرنسية غير دال إحصائياً.
لكنها تسمح بطرح سؤال أكثر دقة وأهمية: كيف يمكن لبرنامج بهذا الحجم، نجح في تحسين التجهيز والتخطيط ورفع المشاركة في التكوين، ألا يظهر بعد سنوات من التطبيق أثراً واضحاً في أغلب مؤشرات التعلم الأساسية.
التقييم يقدم جزءاً من الجواب عندما يربط محدودية الأثر التعليمي بضعف التغيير داخل الممارسة الصفية نفسها، وبالمستويات الأساسية الضعيفة لدى بعض التلاميذ. فالاستثمار في المختبرات والحواسيب والمكتبات يمكن قياسه بمجرد وجودها، لكن تحويل هذه الموارد إلى تعلم فعلي يحتاج إلى استعمال يومي، وتكوين قابل للتطبيق، ومتابعة مستمرة، وظروف صفية تسمح للمدرس بتغيير أساليب العمل.
ورغم محدودية الأثر على معظم مؤشرات التعلم، سجل التقييم نتيجة إيجابية لافتة في المسار اللاحق لتلاميذ الثانوي التأهيلي.
فقد كان تلاميذ المؤسسات المستفيدة أكثر احتمالاً بـ5.9 نقاط مئوية لأن يكونوا إما مسجلين في التعليم الثانوي أو الجامعي أو مندمجين في سوق الشغل، مقارنة بتلاميذ مجموعة المقارنة.
كما أعطى التقييم إشارات إيجابية بشأن منظومة «مسار» وإصلاح تقييم التعلمات ونظام الصيانة، خصوصاً على المستوى المركزي.
وأسهمت إصلاحات التقييم في تعزيز قدرة النظام على إجراء الاختبارات الوطنية وبناء بنوك الأسئلة ووضع أدلة للدعم، لكن استعمال هذه البيانات داخل الأقسام ظل متفاوتاً، خاصة في الدعم الفردي ومعالجة التعثرات التعليمية.
أما نظام الصيانة الوقائية، الذي يفترض أن يحمي الاستثمارات المادية من التدهور، فقد جُرب في جهة واحدة فقط، ولم يتم تعميمه وطنياً، وظل تطبيقه جزئياً بسبب قيود مرتبطة بالتمويل والصفقات العمومية والقدرات التقنية، وفق التقييم الأمريكي.
وبعد ثلاث سنوات من انتهاء الاتفاقية، خلص التقييم إلى أن جزءاً من الإصلاحات استمر داخل المنظومة التعليمية المغربية، بما في ذلك مخططات تحسين المؤسسات و«مسار» والتقييمات وبعض البنيات وآليات التتبع، غير أن الاستدامة كانت أضعف داخل الممارسة اليومية في المؤسسات والأقسام.
فمخططات تحسين المؤسسات لم تتحول دائماً إلى أنشطة ممولة، وبيانات التقييم لم تستعمل بشكل منتظم في التدريس والدعم، كما ظل استمرار التجهيزات والأنشطة الموازية والتكوين والصيانة مرتبطاً بوجود التمويل والمتابعة والقيادة المحلية والقدرة على حل المشاكل التقنية والإدارية.
ويحدد التقييم الخطر الرئيسي في احتمال استمرار الإصلاحات بشكل غير متوازن، مع تركز أكبر على الجوانب الإدارية والتنظيمية مقابل حضور أضعف للممارسات التي تؤثر مباشرة في التدريس والتعلم.
وهي ملاحظة تضع النقاش حول إصلاح المدرسة المغربية في مستوى يتجاوز عدد البرامج المعلنة وحجم التمويلات المصروفة إلى سؤال أكثر صعوبة يتعلق بجودة التنفيذ داخل القسم.
وتزداد أهمية هذه الخلاصة عند مقارنتها بالتوقعات التي رافقت إطلاق المشروع.
فحين بدأ البرنامج، كانت الفكرة تقوم على أن تحسين الإدارة والتكوين والتقييم والتجهيز والحياة المدرسية سيقود في النهاية إلى رفع المهارات الأساسية والرقمية والناعمة، وتقليص الهدر وتحسين فرص الانتقال إلى الدراسة أو الشغل. التقييم النهائي يكشف أن الحلقة بين تحسين المؤسسة وتحسين التعلمات لم تكتمل بعد بالصورة التي افترضها تصميم البرنامج.
ولا تتيح نتائج التقييم استنتاج أن 113 مليون دولار ضاعت، كما لا تتيح القول إن جميع مكونات البرنامج فشلت.
فالتقييم يسجل تقدماً في البنية والتجهيز والتكوين والإدارة وبعض مؤشرات الانتقال إلى الدراسة أو العمل، لكنه يضع أمام صناع القرار نتيجة لا يمكن تجاوزها بسهولة، وهي غياب مكاسب ذات دلالة في أغلب المؤشرات التي تقيس تعلم التلميذ نفسه.
وبين المؤسسات التي أصبحت أفضل تجهيزاً، والأساتذة الذين شاركوا أكثر في التكوين، والأنظمة الرقمية التي توسعت، وبين قسم لم تتغير داخله طرق التدريس بالقدر نفسه، يصبح السؤال الذي يطرحه هذا التقييم على السياسة التعليمية المغربية واضحاً: هل المشكلة ما تزال في نقص البرامج والميزانيات، أم أن التحدي الحقيقي انتقل إلى القدرة على تحويل الإصلاح المكتوب والممول إلى ممارسة يومية تصل في النهاية إلى التلميذ.
