بقلم: الباز عبدالإله
عندما تكشف الوثائق الألمانية عن غلاف مالي يقارب 50 مليار سنتيم، أي 45.55 مليون يورو، للمرحلة الثانية من برنامج الصرف الصحي القروي بالمغرب، يبدو الرقم في ظاهره مؤشراً على استمرار تعبئة الموارد لمعالجة جزء من الخصاص الذي تعاني منه القرى.
غير أن قراءة مسار التمويل إلى جانب مؤشرات الولوج إلى الصرف الصحي تفتح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: متى تتحول هذه الملايين من التزامات وموافقات إلى شبكات ومحطات تصل فعلياً إلى السكان؟
وثيقتان نشرتهما مؤسسة «Germany Trade & Invest»، التابعة للحكومة الفيدرالية الألمانية، يوم 21 شتنبر 2026 أعادتا الملف إلى الواجهة، بعدما وضعتا المرحلة الثانية من مشروع تحسين الصرف الصحي القروي ضمن خانة «الموافقة على التمويل»، عبر بنك التنمية الألماني KfW.
العملية الرئيسية تحمل المرجع 202367381، وترتبط، بحسب قاعدة البيانات الألمانية للتمويل المناخي، بقرض ميسر قيمته 45 مليون يورو لدعم البرنامج المغربي للصرف الصحي في المناطق القروية.
وفي اليوم نفسه، ظهر إجراء مواكب يحمل المرجع 202370203، بقيمة 550 ألف يورو على شكل منحة ممولة من موارد وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، ليصل مجموع الغلاف المرتبط بالعمليتين إلى 45.55 مليون يورو، أي ما يقارب 50 مليار سنتيم وفق سعر الصرف الحالي.
لكن الرقم لا يمثل تمويلاً ظهر لأول مرة في شتنبر 2026.
فالمعطيات الألمانية تسجل سنة 2023 باعتبارها سنة الالتزام المالي، بينما يتمثل الجديد في انتقال الملف إلى مرحلة معلنة من الموافقة على التمويل.
وهو فرق أساسي بين تاريخ رصد الأموال وبين المراحل التي يمر منها المشروع قبل أن يتحول إلى أشغال ومنشآت على الأرض.
هذا الفاصل الزمني يزداد أهمية عند العودة إلى الوثائق المرتبطة بالمرحلة الثانية نفسها.
ففي مارس 2026، طُرحت مهمة استشارية مرتبطة ببرنامج «PNAM – Phase 2»، هدفها دعم إعداد وتنفيذ المشاريع المرشحة للتمويل من KfW، وملاءمة ملفات طلبات العروض مع قواعد البنك الألماني، إلى جانب استكمال أو تحديث الدراسات التقنية واحترام المتطلبات البيئية والاجتماعية والصحية ومعايير السلامة.
هذه الإجراءات ضرورية لضمان جودة المشاريع واحترام قواعد التمويل، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الطريق من الالتزام المالي إلى الشبكة الجاهزة للاستعمال يمر بسلسلة من الدراسات وملفات الصفقات والمراقبة التقنية ثم الأشغال.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: كم يستغرق الانتقال من الموافقة على التمويل إلى الخدمة الفعلية، خصوصاً في مناطق لا يزال فيها الولوج إلى الشبكة العمومية محدوداً للغاية؟
المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط تقدم صورة واضحة عن حجم الفجوة.
فخلال سنة 2024، لم تتجاوز نسبة الأسر القروية التي تقطن مساكن مرتبطة بالشبكة العمومية للصرف الصحي 9.6 في المائة على المستوى الوطني، مقابل 93.4 في المائة في الوسط الحضري.
وبمعنى آخر، فإن نحو 90.4 في المائة من الأسر القروية ليست مرتبطة بالشبكة العمومية للصرف الصحي، وهو رقم يكشف اتساع الفجوة بين التمويلات المعبأة وحجم الحاجة القائمة على الأرض.
ولا يعني ذلك أن باقي الأسر لا تتوفر على أي وسيلة للصرف الصحي، إذ تعتمد نسبة مهمة منها على الحفر الصحية وأنظمة أخرى، لكنه يكشف تحديداً مدى محدودية انتشار الشبكة العمومية في المجال القروي مقارنة بالمدن.
وتصبح الفجوة أكثر وضوحاً في جهة سوس–ماسة، حيث لم تتجاوز نسبة الأسر القروية المرتبطة بالشبكة العمومية 3.7 في المائة سنة 2024، مقابل 83.8 في المائة في الوسط الحضري بالجهة.
هذه الأرقام تضع التمويلات المعلنة أمام اختبار واضح: حجم الأموال مهم، لكن المؤشر النهائي يبقى هو اتساع التغطية وتحسن الخدمة.
وتظهر بعض الوثائق أن التمويل المرتبط بـKfW يستطيع بالفعل الانتقال من مستوى الدراسات إلى مشاريع ملموسة.
فخلال 2026 ظهر طلب عروض يتعلق بإنجاز الصرف الصحي السائل بمركز سيدي واعزيز بإقليم تارودانت، بكلفة تقديرية تقارب 27.43 مليون درهم، ويشمل شبكة للصرف الصحي ومحطة للضخ ومنشآت للتصفية والمعالجة، مع الإشارة إلى تمويل مشترك من KfW.
هذا النموذج يقدم دليلاً عملياً على أن التمويل الألماني لا يبقى بالضرورة داخل الوثائق والمكاتب، لكنه يفتح في المقابل سؤالاً أكبر حول عدد المشاريع التي وصلت إلى المستوى نفسه، وعدد القرى التي ستنتقل خلال المرحلة الثانية من الدراسات والبرمجة إلى الأشغال ثم إلى الاستغلال الفعلي.
وفي المقابل، تكشف شكاوى محلية من مناطق مختلفة أن الحاجة إلى تحسين الصرف الصحي ليست مجرد معطى إحصائي.
ففي يوليوز 2026، تحدث سكان بحي تكثرت بإمنتانوت عن تسرب المياه العادمة واستمرار الروائح وانتشار الحشرات، فيما أثارت وضعية قنوات الصرف الصحي بمركز مجاط في إقليم شيشاوة بدورها انتقادات محلية بسبب الأعطاب وحالة بعض التجهيزات.
ولا يعني ذلك أن هذه المناطق تدخل بالضرورة ضمن المرحلة الثانية ذات الغلاف البالغ 45.55 مليون يورو، ما دامت لائحة المستفيدين التفصيلية غير منشورة بشكل يسمح بإقامة هذا الربط.
لكن هذه الوقائع تذكر بحجم الضغط الذي تمثله مشاكل الصرف الصحي على الحياة اليومية للسكان، وتفسر لماذا لا يكفي الإعلان عن التمويل وحده لقياس نجاح البرامج.
ووصل النقاش حول وضعية القطاع سابقاً إلى البرلمان، حيث طُرحت رسمياً إشكالية تدبير الصرف الصحي في شيشاوة وإمنتانوت وسيدي المختار، إلى جانب الحاجة إلى تسريع الدراسات والانتقال إلى مرحلة الأشغال وتحسين تدبير المياه المعالجة.
وهنا تظهر واحدة من أبرز نقاط الغموض في المرحلة الثانية الحالية.
وإلى حدود المعطيات المنشورة، لا تتوفر أمام العموم لائحة نهائية موحدة ومفصلة تحدد جميع القرى والمراكز المستفيدة من غلاف الـ45.55 مليون يورو، وحصة كل مشروع، وعدد السكان المستهدفين، وتاريخ بداية الأشغال ونهايتها، ونسب الإنجاز المنتظرة.
هذا النقص في التفاصيل لا يعني أن المشاريع غير موجودة، لكنه يجعل تتبع الأثر الحقيقي للتمويل أكثر صعوبة بالنسبة للرأي العام والساكنة المعنية.
خصوصاً أن التمويل الألماني لهذا القطاع ليس جديداً.
ففي دجنبر 2022، وقع المغرب وKfW اتفاق قرض ومنحة بقيمة إجمالية بلغت 32 مليون يورو لتمويل مشاريع للصرف الصحي في 35 مركزاً تابعاً لجماعات قروية بأقاليم الحوز وشيشاوة والصويرة وتارودانت وشفشاون.
وبالتالي، لم يعد السؤال متعلقاً بوجود التمويل الألماني من عدمه، فقد أثبتت الاتفاقيات والصفقات أن الموارد تُعبأ وأن بعض المشاريع تنتقل فعلياً إلى التنفيذ.
السؤال اليوم هو سؤال الأثر والسرعة والشفافية في التتبع: كم من مشروع اكتمل؟ كم من محطة دخلت الخدمة؟ كم من أسرة رُبطت بالشبكة؟ وما الذي ستضيفه المرحلة الثانية مقارنة بما تحقق في المرحلة السابقة؟
ويزداد هذا السؤال أهمية مع تصنيف التمويل الألماني للمشروع ضمن مجال التكيف مع التغير المناخي.
فالصرف الصحي لم يعد مجرد خدمة جماعية مرتبطة بالراحة والنظافة، بل أصبح عنصراً مرتبطاً أيضاً بحماية المياه الجوفية والسطحية من التلوث، وتحسين معالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها كلما أمكن، في بلد يواجه ضغطاً متزايداً على موارده المائية.
لذلك فإن قيمة الـ45.55 مليون يورو، أي قرابة 50 مليار سنتيم، لا يمكن قياسها بحجم القرض والمنحة وحدهما.
قيمتها الحقيقية ستظهر عندما تتحول الأرقام المسجلة في قواعد التمويل إلى شبكات ومحطات تدخل الخدمة، وترتفع معها نسب الربط، ويعرف المواطن في القرية إن كان مشروعه موجوداً في البرنامج، ومتى ستبدأ الأشغال ومتى ستنتهي.
التمويل مرصود، والمسار المؤسساتي يتحرك، وبعض المشاريع الميدانية تؤكد أن الانتقال إلى التنفيذ ممكن.
لكن ما ينقص الصورة حتى الآن هو خريطة واضحة ومعلنة للمرحلة الثانية: أسماء القرى، كلفة كل مشروع، عدد المستفيدين، آجال الإنجاز ونسب التقدم.
فبالنسبة إلى الساكنة القروية، لا يكفي أن تكون نحو 50 مليار سنتيم واضحة في الوثائق؛ الأهم أن تصبح الشبكات والمحطات واضحة على الأرض.
