بقلم: الباز عبدالإله
تصريح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، بأن الحكومة صرفت خلال الولاية الحالية نحو 280 مليار درهم لحماية القدرة الشرائية «بدون فائدة»، لا يمكن اختزاله في جملة انتخابية عابرة.
فالمتحدث مسؤول يوجد في قلب تدبير المالية العمومية، والرقم الذي تحدث عنه لم يأت من تقرير معارض أو تقدير خارجي، بل ورد على لسان عضو في الحكومة نفسها في سياق سياسي وانتخابي يسبق انطلاق الحملة الرسمية.
280 مليار درهم ليست رقماً صغيراً يمكن أن ينتهي النقاش حوله بانتهاء المهرجان الحزبي.
إنها موارد عمومية صُرفت من ميزانية الدولة عبر سياسات وإجراءات وبرامج مختلفة، ومن الطبيعي أن يطرح الرأي العام أسئلة بسيطة ومباشرة: ممَّ يتكون هذا المبلغ؟ أين صُرف؟ ما البرامج التي دخلت في احتسابه؟ من استفاد منها؟ ما الأهداف التي وُضعت عند تخصيصه؟ وما النتائج التي تحققت فعلاً؟
والأهم من ذلك: إذا كان الوزير المكلف بالميزانية نفسه يقول إن هذا الإنفاق لم يحقق الفائدة المرجوة، فأين التقييم المؤسساتي الذي يفسر للرأي العام ما وقع؟
السؤال هنا لا يتعلق باتهام أي شخص بالاختلاس أو التبديد، ولا يفترض أن 280 مليار درهم اختفت.
فضعف أثر سياسة عمومية لا يساوي جريمة، وقد تكون النفقات قد صُرفت وفق المساطر القانونية بينما جاءت نتائجها أقل من المتوقع بسبب التضخم أو ضعف الاستهداف أو طبيعة البرامج نفسها.
لكن هذا التمييز لا يلغي سؤال الرقابة. بالعكس، هو الذي يجعله أكثر دقة: إذا لم تكن القضية جريمة مثبتة، فهي على الأقل قضية نجاعة إنفاق عمومي بحجم ضخم، والنجاعة والتدبير واستعمال الأموال العمومية توجد تحديداً داخل مجال اشتغال مؤسسات الرقابة المالية.
وهنا يبرز المجلس الأعلى للحسابات.
فالفصل 147 من الدستور لا يقدم المجلس باعتباره هيئة استشارية هامشية، بل ينص صراحة على أنه «الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة»، ويكلفه بمهمة حماية مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، وممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية، والتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لرقابته، وتقييم كيفية تدبيرها.
ومعنى ذلك أن سؤال الـ280 مليار درهم يقع، من حيث المبدأ، في صميم اختصاصات المجلس المتعلقة بمراقبة المالية العمومية وتقييم التدبير.
ولا يعني ذلك أن الدستور يلزم المجلس الأعلى للحسابات بفتح مهمة خاصة فور صدور كل تصريح سياسي أو صحفي. للمجلس استقلاله وبرامجه ومساطره، وأعمال المراقبة قد تستغرق وقتاً قبل نشر نتائجها.
بل إن تقريره السنوي الأخير يوضح أن أعماله تنجز في إطار برامج سنوية ومساطر تشمل أخذ أجوبة الأجهزة الخاضعة للرقابة قبل إخراج النتائج.
لكن هذا بالضبط ما يجعل السؤال مشروعاً: هل توجد أصلاً مهمة رقابية تشمل البرامج والنفقات التي يتكون منها رقم 280 مليار درهم؟ وهل سبق للمجلس أن قيّم أثر جزء منها؟ وهل توجد ملاحظات بشأن نجاعة هذا الإنفاق؟ وإذا لم تكن هناك مهمة خاصة بهذا الرقم المجمع، فهل تتوزع مكوناته على تقارير أو عمليات افتحاص مختلفة؟
إلى حدود البحث في المصادر الرسمية العلنية المتاحة، لم يظهر بلاغ من المجلس الأعلى للحسابات يعلن فتح مهمة خاصة مرتبطة بتصريح لقجع عن الـ280 مليار درهم. وهذا لا يعني عدم وجود عمل رقابي داخلي أو افتحاص جارٍ، لكنه يعني أن الرأي العام لا يتوفر، إلى الآن، على جواب منشور يربط هذا الرقم الكبير بتقييم رقابي واضح.
والسؤال لا يتوقف عند المجلس الأعلى للحسابات، فالمفتشية العامة للمالية وغيرها من أجهزة التفتيش تملك بدورها اختصاصات رقابية في نطاق القوانين المنظمة لها، ويمكن أن تكون قد تناولت أجزاء من هذه البرامج ضمن عمليات افتحاص منفصلة.
وهنا يصبح المطلوب هو معرفة ما إذا كانت هناك تقارير تقييمية أو رقابية بشأن النفقات التي جُمعت في الخطاب السياسي تحت رقم 280 مليار درهم.
الدستور يذهب أبعد من مجرد إنشاء مؤسسة للرقابة.
فالفصل 36 ينص على معاقبة المخالفات ذات الطابع المالي، ويلزم السلطات العمومية بالوقاية، وفق القانون، من أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية واستعمال الأموال الموضوعة تحت تصرفها وتدبير الصفقات العمومية.
أما الفصل 27 فيمنح المواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، ضمن القيود التي يحددها القانون.
ويضيف الفصل 154 أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.
هذه المقتضيات مجتمعة تجعل السؤال عن الـ280 مليار درهم أكبر من سجال بين الأحزاب.
فإذا كان الإنفاق سليماً لكنه لم يعط النتائج المنتظرة، فمن حق المواطنين معرفة السبب.
وإذا كانت بعض البرامج ناجحة وأخرى فاشلة، فمن حقهم معرفة الفرق.
وإذا كانت هناك اختلالات في التدبير، فهنا تدخل أجهزة الرقابة ضمن اختصاصاتها.
وإذا ظهرت أثناء الافتحاص أفعال يمكن أن تكتسي طبيعة جنائية، ينتقل الملف إلى مستوى آخر وفق المساطر القانونية.
وهنا يجب أيضاً فهم موقع النيابة العامة بشكل صحيح.
فبعد دخول القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، أصبح تحريك الأبحاث في الجرائم الماسة بالمال العام خاضعاً لمسار إجرائي خاص. ولذلك لا يكفي مجرد تصريح سياسي، مهما كان حجمه، للقول إن على النيابة العامة أن تفتح تلقائياً تحقيقاً جنائياً.
لهذا فإن السؤال الذي يسبق سؤال النيابة العامة هو: هل كشفت أجهزة الرقابة أصلاً عن وقائع تستوجب الإحالة؟
وهنا تظهر أهمية المجلس الأعلى للحسابات من جديد، لأن الفصل 148 من الدستور ينص على أن المجلس يقدم مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، كما يقدم مساعدته للهيئات القضائية والحكومة، وينشر أعماله وتقاريره وفق ما يحدده القانون.
ويمارس المجلس فعلاً المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية؛ فقد نشر في 8 يوليوز 2026 تقريره حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، موضحاً أن ذلك يأتي تطبيقاً للفصلين 147 و148 من الدستور، ومشيراً إلى أنه أحال التقرير على البرلمان ووجه نسخة منه إلى رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد والمالية.
وهذا يطرح سؤالاً أكثر تحديداً: هل تظهر مكونات الـ280 مليار درهم داخل هذه التقارير؟ وإذا ظهرت، فكيف قيّم المجلس نتائجها؟ وإذا لم تظهر مجمعة تحت هذا الرقم، فلماذا لا تقدم الحكومة نفسها تفصيلاً يسمح للرأي العام بفهم ما الذي يدخل في حسابه؟
فالرقم، في صورته الحالية، واسع إلى درجة تجعل تقييمه مستحيلاً تقريباً.
هل يشمل دعم غاز البوتان؟ دعم الكهرباء؟ إجراءات صندوق المقاصة؟ زيادات الأجور؟ دعماً اجتماعياً مباشراً؟ إجراءات جبائية؟ أم أن الرقم يجمع كل هذه العناصر؟
قبل الحديث عن مسؤوليات، ينبغي أولاً نشر التركيبة الدقيقة للرقم.
كما ينبغي توضيح معنى عبارة «بدون فائدة». هل كان لقجع يقصد أن التضخم امتص أثر الإجراءات؟ أم أن القدرة الشرائية لم تتحسن بالمستوى المنتظر؟ أم أن بعض التدابير لم تكن موجهة بالشكل المناسب؟
هذه ليست تفاصيل لغوية، هي التي تحدد طبيعة الملف كله.
فإذا كان المقصود أن الدولة أنفقت بشكل قانوني لكن التضخم امتص النتائج، فنحن أمام تقييم لسياسة اقتصادية.
وإذا كان المقصود وجود برامج ثبت ضعف مردوديتها مقارنة بكلفتها، فنحن أمام سؤال نجاعة.
وإذا كشفت عمليات الرقابة عن مخالفات قانونية أو مالية، فحينها فقط ينتقل النقاش إلى المسؤولية المالية أو القضائية.
وفي خضم الانتخابات التشريعية الحالية، قد ينتهي التصريح باعتباره مادة ضمن الصراع الحزبي، بينما يبقى الرقم نفسه بعد انتهاء الحملة.
وهنا بالضبط تكمن أهمية المؤسسات التي يفترض أن تستمر وظيفتها بصرف النظر عن تغير الحكومات أو الأغلبية السياسية.
الأحزاب تتنافس، والحكومات تتغير، والبرلمانات تنتهي ولاياتها، لكن المال العام لا يتحول إلى شأن انتخابي موسمي. ولهذا منح الدستور المجلس الأعلى للحسابات استقلالاً واختصاصاً دائماً في مراقبة المالية العمومية.
لذلك فالسؤال اليوم ليس: لماذا لم يصدر حكم؟ فلا توجد جريمة مثبتة أصلاً.
وليس: أين اختفت 280 مليار درهم؟ فلا توجد معطيات تسمح بالقول إنها اختفت.
السؤال هو أبسط وأثقل في الوقت نفسه:
إذا كان الوزير المكلف بالميزانية يقول إن 280 مليار درهم صُرفت ولم تعط الأثر المنتظر، فماذا تقول أجهزة الرقابة عن هذا الإنفاق؟
هل تم تقييمه؟
هل جرى افتحاص مكوناته؟
هل توجد تقارير لم تُربط بعد بهذا الرقم؟
وهل سيصدر عن المجلس الأعلى للحسابات أو أجهزة التفتيش ما يوضح للرأي العام ما حققته هذه الموارد، وأين أخفقت السياسات المرتبطة بها؟
280 مليار درهم لا تحتاج إلى سجال إضافي، بل إلى كشف حساب واضح ومفصل.
الدستور وضع مراقبة المال العام والشفافية وتقييم التدبير في قلب اختصاصات مؤسسات قائمة لهذا الغرض؛ ولذلك فإن السؤال المشروع اليوم ليس من ندين، بل من يشرح للمغاربة ماذا حققت 280 مليار درهم من الموارد العمومية التي صُرفت باسمهم؟
