أعاد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فتح واحد من أقدم جبهات الصراع السياسي في المغرب، بعدما استحضر خلال الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني للحزب سنوات المواجهة مع الأصالة والمعاصرة، وذهب إلى حد القول إن العدالة والتنمية منح المغرب «14 سنة» من الوقوف في وجه حزب وصفه بـ«المستبد».
ابن كيران استهل كلمته بالحديث عن عودة حزبه بعد المرحلة الصعبة التي أعقبت انتخابات 2021، معتبراً أن العدالة والتنمية استرجع موقعه داخل المشهد السياسي بعد أن كان، حسب تعبيره، قريباً من الزوال.
وقال أمام أعضاء المجلس الوطني: «الحمد لله اليوم حزب العدالة والتنمية استرجع مكانته، إن لم يكن قد استرجع كل مكانته»، قبل أن يعتبر أن النتيجة التي حققها الحزب تتجاوز حدوده التنظيمية، مضيفاً: «هذا انتصار كبير، وماشي انتصار ديال العدالة والتنمية… هذا انتصار للوطن».
غير أن أكثر مقاطع الكلمة حدة جاء عندما انتقل ابن كيران إلى الحديث عن الأصالة والمعاصرة، مستعيداً المواجهة التي طبعت علاقة الحزبين منذ مرحلة 2011.
وقال: «هذه 14 سنة أهداها العدالة والتنمية للمغرب وللمغاربة… نجونا من حزب مستبد يريد أن يقضي على المغرب والمغاربة»، في توصيف سياسي شديد اللهجة وجهه إلى خصمه التاريخي.
وعاد ابن كيران إلى البدايات الأولى لذلك الصراع، قائلاً إن الأصالة والمعاصرة كان، بحسب قراءته، يسعى إلى الوصول إلى الحكومة قبل أن تتغير المعادلة السياسية مع انتخابات 2011.
ولم يتوقف الأمين العام للعدالة والتنمية عند الماضي، بل نقل المواجهة مباشرة إلى نتائج الانتخابات الحالية، متسائلاً عن قدرة الأصالة والمعاصرة على قيادة المرحلة المقبلة.
وقال مخاطباً أعضاء حزبه: «باش غيحكم هاد الأصالة والمعاصرة؟ بمن؟ من زعيمه؟ متى جاء هذا الزعيم؟».
وسبق ذلك هجوم ساخر على رمز الحزب، بعدما اقترح ابن كيران تغييره من «التراكتور» إلى «الموزيط»، قائلاً: «هذا الحزب الأول اللي جا، أنا تنقترح عليه يحيد التراكتور ويدير الموزيط… يولي الشعار ديالو حزب الموزيط ماشي حزب التراكتور».
وربط ابن كيران عبارته بما قال إنه وقع في طنجة، مضيفاً: «القضية ديال طنجة صبحت مفضوحة»، قبل أن يطرح احتمال وقوع ممارسات مماثلة في دوائر أخرى.
وتبقى هذه الاتهامات مواقف سياسية صادرة عن ابن كيران في سياق خطابه، وليست في حد ذاتها إثباتاً قضائياً على المخالفات التي تحدث عنها.
ووسع الأمين العام للعدالة والتنمية دائرة هجومه لتشمل المال في السياسة، معتبراً أن حزبه لم يواجه خلال الانتخابات بالأفكار والبرامج فقط.
وقال: «لم تواجهنا الأحزاب بأيديولوجية أو بأفكار أو بمرشحين… واجهتنا بالأموال بالخصوص والأعيان».
ثم أضاف بلهجة أشد: «دخلوا السياسة وشراوها، وشراو الأحزاب السياسية، وكيشريو التزكيات، وولات الأحزاب السياسية كتبيع… عيب، عيب، عار».
ابن كيران أوضح أنه لا يعمم هذا الكلام على جميع رجال الأعمال، مشيراً إلى وجود أشخاص بينهم وصفهم بـ«الكرماء»، لكنه انتقد ما اعتبره تحول المال إلى وسيلة لشراء مواقع داخل السياسة والأحزاب.
وفي مقابل هذا الهجوم، حرص ابن كيران على استبعاد وزارة الداخلية من اتهام مباشر، قائلاً: «أنا هنا لا أتهم وزارة الداخلية إطلاقاً».
وأضاف أن الوزارة رافقت الأحزاب، في العموم، من حيث الاجتماعات والتواصل والتوضيح، مشيراً إلى أنه طرح أسئلة على وزير الداخلية وتلقى عنها أجوبة قال إن بعضها كان «مقنعاً».
غير أنه عاد ليتحدث عن وقائع انتخابية قال إنها بقيت بالنسبة إليه «غير مقبولة وغير معقولة»، مستحضراً خسارة بعض مرشحي حزبه وتأخر إعلان النتائج في عدد من الدوائر وما رافق بعض المحاضر من جدل.
وفي ما يتعلق بمستقبل العدالة والتنمية، بدا ابن كيران واضحاً بشأن الاتجاه الذي يريده للحزب.
وقال: «حزب العدالة والتنمية ما غيشاركش، كنظن أنكم غتكونوا متفقين معايا»، مع الإشارة إلى أن القرار يظل مرتبطاً بنقاش وتصويت مؤسسات الحزب.
وأضاف أن الحزب، إذا استقر على المعارضة، لن يدخل في ما وصفه بـ«المعارضة الشعبوية»، قائلاً: «غنديرو معارضة معقولة، قوية».
ورغم هجومه على الأصالة والمعاصرة، دعا ابن كيران إلى انتظار ما ستقدمه الحكومة المقبلة قبل الحكم على كل قراراتها، مؤكداً أن المعارضة بالنسبة إليه لا تعني رفض كل شيء بصورة آلية.
وعاد أيضاً إلى انتخابات 2016، قائلاً إن حزبه حقق آنذاك نجاحاً أكبر، لكنه لم يتمكن، وفق روايته، من الاحتفال به، قبل أن يقول ساخراً: «هذه المرة غنحتفل إن شاء الله دوبل… غنحتفل بـ2026 ونحتفل بـ2016».
كما عبر عن استغرابه من نتيجة التجمع الوطني للأحرار، قائلاً: «أنا مازال كنستغرب كيفاش الأحرار يصوتوا عليهم الناس ويجيبوا 66 مقعد… كيف داروا لها؟».
أما داخل حزبه، فقد وجه ابن كيران رسالة تعبئة واضحة، مؤكداً أن العدالة والتنمية لن يبقى بالحجم أو الدور نفسيهما خلال المرحلة المقبلة.
وقال: «العدالة والتنمية ما غادي يبقاش في هذا الحجم، ما غيبقاش في هذا الدور، غيكون دوره أكبر إن شاء الله».
وخاطب أيضاً المقاطعين للانتخابات بلهجة شديدة، قائلاً: «لقد أخطأتم، لقد أخطأتم خطأ فادحاً وخطأ سيئاً»، معتبراً أن التغيير يمر عبر المشاركة السياسية والعمل داخل المؤسسات.
كما أكد تمسك حزبه بالنظام الملكي، وقال عن الملك محمد السادس: «عرفته، تيبغي بلاده»، قبل أن يصف النظام الملكي بأنه عنصر استقرار بالنسبة للمغرب.
واختتم كلمته بدعوة مباشرة إلى المشاركة والفعل السياسي: «ما كاين لا غدو لا 77 ألف… نوض، إلا فيك شي ما يدار، نوض دير شي حاجة».
هكذا عاد ابن كيران من قلب المجلس الوطني إلى واحدة من أقدم معاركه السياسية: «البام» في الواجهة من جديد، و2011 و2016 يعودان إلى خطابه، فيما يلوّح حزب العدالة والتنمية بالانتقال إلى معارضة قوية بعد استعادة جزء من حضوره الانتخابي.
