بقلم: الباز عبدالإله
وضع تقرير ألماني جديد العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومة والأحزاب السياسية في المغرب ضمن أبرز مفاتيح قراءته لنتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، مقدماً ما وصفه بـ«منطق خاص للمساءلة»، يرى من خلاله أن رصيد نجاح مشاريع التحديث يمكن أن يعود إلى الملكية، بينما تتحمل الحكومة والأحزاب بدرجة أكبر الكلفة السياسية عند تعثر الوعود أو ظهور أعباء اجتماعية واقتصادية.
التقرير، الصادر يوم 25 شتنبر 2026 عن مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، وحمل عنوان «الانتخابات البرلمانية في المغرب»، أعده ستيفن هوفنر وماتياس شيده، وجاء بعد يومين من الاقتراع الذي أفرز حزب الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، مقابل 66 مقعداً للتجمع الوطني للأحرار، بحسب الأرقام التي أوردتها الوثيقة.
واستهل التقرير قراءته بالتذكير بأن دستور 2011 يعرّف المغرب باعتباره ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، وأن الفصل 47 ينص على تعيين الملك لرئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب.
غير أن المؤسسة الألمانية اعتبرت أن فهم نتائج الانتخابات لا يتوقف عند توزيع المقاعد، بل يرتبط كذلك بطبيعة العلاقة بين القصر والحكومة والأحزاب داخل النظام السياسي المغربي.
وبحسب التقرير، فإن الأحزاب المغربية لا تتنافس، في الأصل، حول تصورات متعارضة جذرياً بشأن الاتجاه العام الذي ينبغي أن تسلكه البلاد، بقدر ما يدور جزء مهم من المنافسة السياسية حول الطريقة التي يجري بها تنفيذ الأهداف الاستراتيجية المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي يقول التقرير إن القصر يحدد توجهاتها الكبرى.
ومن هذه القراءة، استخلص معدّا التقرير ما وصفاه بـ«منطق خاص للمساءلة».
ووفق الوثيقة، عندما تنجح مشاريع التحديث الكبرى وتظهر تحسينات اقتصادية، تستطيع الملكية أن تحصل على جزء من رصيد هذه النجاحات، بينما تقع المسؤولية السياسية بدرجة أكبر على الحكومة والأحزاب عندما لا تتحقق الوعود أو عندما تؤدي بعض المشاريع والسياسات إلى أعباء اجتماعية واقتصادية.
التقرير اعتبر، بناء على هذا التصور، أن الانتخابات تحدد، في جانب منها، القوة السياسية التي ستُعهد إليها مهمة تنفيذ أجندة التحديث التي يقول إنها محددة على المستوى الاستراتيجي من طرف القصر الملكي.
كما رأى أن الانتقال من تصدر التجمع الوطني للأحرار في الولاية السابقة إلى تصدر الأصالة والمعاصرة لا يمثل، وفق قراءته، انتقالاً بين نموذجين متعارضين جذرياً للتنمية، بالنظر إلى تقارب التوجهات الأساسية للحزبين في ما يتعلق بالتحديث والاستثمار.
الوثيقة الألمانية ربطت هذا النقاش كذلك بالسياق الاقتصادي والاجتماعي الذي جرت فيه الانتخابات، مشيرة إلى تسجيل نمو اقتصادي حقيقي بلغ 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مع توقع بلوغه حوالي 4.4 في المائة سنة 2026، مقابل استمرار البطالة باعتبارها إحدى نقاط الضعف الهيكلية، خصوصاً لدى الشباب بين 15 و24 سنة، حيث وضع التقرير معدلها عند 37.3 في المائة خلال سنة 2025.
وفي الشق المتعلق بالمشاركة، سجل التقرير أن حوالي 15.8 مليون شخص كانوا مسجلين في اللوائح الانتخابية، وأن نسبة المشاركة بلغت قرابة 38 في المائة.
لكنه أضاف أن هذه النسبة محسوبة انطلاقاً من المسجلين فقط، وأورد أن نسبة المسجلين لم تكن تتجاوز 56 في المائة من مجموع المؤهلين للتصويت، ليستنتج أن المشاركة، عند احتسابها على أساس مجموع المؤهلين، تعادل نحو 21 في المائة.
كما أشار إلى أن الفئة العمرية بين 18 و24 سنة لم تكن تمثل سوى 4 في المائة من مجموع المسجلين.
وتطرق التقرير أيضاً إلى حدود الموضوعات التي حضرت في الحملة الانتخابية، معتبراً أن السياسة الخارجية والأمنية والدينية لم تكن ضمن الملفات الرئيسية للتنافس الانتخابي. وربط ذلك بقطاعات وضعها، وفق توصيفه الخاص، ضمن نطاق «وزارات السيادة»، مشيراً في هذا السياق إلى أن ملفات من قبيل سياسة الهجرة والأحداث التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز لم يكن لها تأثير بارز على الحملة.
أما على مستوى نتائج الاقتراع، فقد اعتبرت المؤسسة الألمانية أن صعود الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، مقابل تراجع التجمع الوطني للأحرار إلى 66 مقعداً، غيّر موازين القوى داخل التحالف الحكومي السابق، بعدما كان التجمع يتصدر المشهد الحكومي منذ انتخابات 2021.
ويربط التقرير المرحلة المقبلة بارتفاع سقف التوقعات تجاه الحكومة الجديدة، خصوصاً في ما يتعلق بقدرتها على تحويل النمو والاستثمارات ومشاريع التحديث إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للفئات التي يقول إنها لم تستفد منها حتى الآن بالقدر نفسه.
ويأتي تقرير مؤسسة «كونراد أديناور» ضمن سلسلة تقاريرها القطرية التي تتابع التطورات السياسية في عدد من الدول، وقد خصصت نسخته الصادرة في 25 شتنبر للمشهد المغربي مباشرة بعد الانتخابات، مقدمة قراءة تربط النتائج الانتخابية بموقع الأحزاب والحكومة داخل هندسة القرار السياسي ومسؤولية تنفيذ السياسات العمومية، مع إبقاء هذه الخلاصات ضمن تقييم المؤسسة الألمانية للواقع السياسي المغربي.
