بقلم: الباز عبدالإله
فتحت ورقة بحثية جديدة، نُشرت اليوم الاثنين 28 شتنبر 2026، زاوية مختلفة في النقاش حول أثر أسعار النفط على الاقتصاد المغربي، بعدما أظهرت نتائجها الأولية أن حركة البرميل في السوق الدولية لا تكفي وحدها لتفسير ما يحدث داخل الاقتصاد، وأن النظام الذي انتقل من دعم عدد من المنتجات البترولية إلى المقايسة ثم تحرير الأسعار يظهر بدوره عاملاً مهماً في قراءة هذه العلاقة.
الورقة، المنشورة على منصة «Preprints.org» تحت عنوان «أسعار النفط والنشاط الاقتصادي في المغرب: ما وراء العلاقة الخطية»، اعتمدت بيانات فصلية تمتد من الربع الأول لسنة 1998 إلى الربع الأخير من 2024، وركزت على ثلاثة مؤشرات هي الناتج الداخلي الخام الحقيقي، والناتج الداخلي الخام الحقيقي غير الفلاحي، ومؤشر الإنتاج الصناعي.
واختبر الباحثون ثلاثة مقاييس مختلفة لتحركات أسعار النفط، بينها التغير المباشر في السعر، وصافي ارتفاع السعر مقارنة بالفصول الأربعة السابقة، ثم صافي الارتفاع مقارنة باثني عشر فصلاً سابقاً.
ومع تطبيق هذه المقاييس على المؤشرات الاقتصادية الثلاثة، انتهى التحليل إلى تسع مواصفات قياسية مختلفة.
النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه في الورقة لا ترتبط بسعر النفط وحده، بل بمتغير مؤسساتي أدخله الباحثون لتمثيل نظام دعم المنتجات البترولية ومقايسة أسعارها.
ووفق النتائج المنشورة، ظل هذا المتغير ذا دلالة إحصائية في المواصفات التسع التي اختبرها الباحثون، وهو ما جعل نظام تحديد الأسعار عنصراً مهماً عند تفسير العلاقة بين تقلبات النفط والنشاط الاقتصادي في المغرب.
هذه النتيجة لا تعني أن الورقة أثبتت أن تحرير أسعار المحروقات تسبب في تراجع النمو، ولا أنها تحسم الجدل السياسي والاقتصادي حول الأسعار، لكنها تقول شيئاً أكثر دقة: أثر صدمة النفط الدولية على الاقتصاد المغربي يختلف بحسب الطريقة التي تُقاس بها هذه الصدمة، بينما يظل الإطار المؤسساتي المرتبط بالدعم والمقايسة حاضراً في النتائج.
وتظهر هذه الخلاصة بوضوح عند تحليل الناتج الداخلي الخام الحقيقي.
فحين استُعمل التغير المباشر في سعر النفط، لم يظهر ارتباط ذو دلالة إحصائية، بينما أظهر مقياس صافي ارتفاع أسعار النفط خلال الفصول الأربعة السابقة علاقة سلبية ذات دلالة إحصائية.
وعند الانتقال إلى مقياس أطول يمتد إلى اثني عشر فصلاً سابقاً، لم تتكرر النتيجة نفسها.
وتغيرت النتائج كذلك عند اختبار الناتج غير الفلاحي ومؤشر الإنتاج الصناعي، وهو ما يقود إلى خلاصة مركزية في الورقة: العلاقة بين النفط والنشاط الاقتصادي المغربي لا يمكن اختزالها في قاعدة واحدة تقول إن كل ارتفاع في البرميل يؤدي بالضرورة إلى أثر اقتصادي محدد وبالحجم نفسه.
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية بالنظر إلى التحول الذي عرفه نظام تسعير المحروقات في المغرب خلال الفترة التي تغطيها البيانات.
ففي غشت 2013 بدأ تطبيق آلية للمقايسة الجزئية لأسعار الغازوال والبنزين والفيول الصناعي مع تطورات الأسعار الدولية، قبل حذف الدعم عن البنزين والفيول الصناعي في 2014، ثم إنهاء دعم الغازوال تدريجياً، وصولاً إلى التحرير الكامل لأسعار الغازوال والبنزين والكيروسين في نونبر 2015، وفق ما وثقه صندوق النقد الدولي.
ويعني ذلك أن البيانات التي اشتغلت عليها الورقة تغطي مرحلتين مختلفتين في طريقة انتقال تقلبات النفط الدولية إلى السوق المغربية: مرحلة كان فيها الدعم العمومي يتدخل بدرجات مختلفة في امتصاص جزء من تغير الأسعار، ومرحلة لاحقة أصبحت فيها أسعار عدد من المنتجات البترولية محررة.
وتشير النتائج، في هذا السياق، إلى أن تحليل أثر النفط على الاقتصاد المغربي لا ينبغي أن يقتصر على مراقبة سعر البرميل في الأسواق الدولية، بل يستوجب أيضاً أخذ الإطار الذي تنتقل عبره تلك التقلبات إلى السوق الوطنية بعين الاعتبار.
والورقة لا تقدم رقماً يقول إن تغيير نظام التسعير أضاف أو خصم نسبة محددة من النمو الاقتصادي، كما أنها لا تقيس هوامش أرباح شركات المحروقات ولا تحدد أسباب مستوى الأسعار التي يؤديها المستهلكون في محطات الوقود.
نطاق البحث أكثر دقة: اختبار كيف تتغير العلاقة بين النفط وثلاثة مؤشرات للنشاط الاقتصادي بحسب مقياس صدمة النفط، مع إدخال متغير مؤسساتي يمثل نظام الدعم والمقايسة.
كما أن التعامل مع النتائج يقتضي احتياطاً علمياً واضحاً، لأن الورقة منشورة في نسختها الأولى على منصة «Preprints.org»، التي تنص صراحة على أنها لم تخضع بعد للتحكيم العلمي من طرف النظراء.
وبالتالي فإن ما تقدمه يمثل نتائج بحثية أولية قابلة للنقاش والمراجعة، وليس خلاصة علمية نهائية.
مع ذلك، تعيد الورقة طرح أحد أكثر الأسئلة التصاقاً بملف المحروقات في المغرب: عندما ترتفع الأسعار الدولية أو تنخفض، هل يكفي النظر إلى السوق العالمية لفهم ما يحدث داخل الاقتصاد المغربي؟
المعطيات التي تقدمها تجعل الجواب أكثر تعقيداً. فالنتائج تختلف باختلاف طريقة قياس صدمة النفط والمؤشر الاقتصادي المدروس، بينما ظل المتغير المرتبط بنظام الدعم والمقايسة ذا دلالة إحصائية في جميع المواصفات التي شملها التحليل.
وبذلك لا تنفي الورقة أثر الأسواق الدولية، لكنها تقول إن سعر البرميل ليس القصة كاملة؛ إذ يوجد جزء آخر من الصورة داخل المغرب، في الطريقة التي تنتقل بها الصدمة الخارجية عبر نظام التسعير إلى الاقتصاد الوطني.
