بقلم: الباز عبدالإله
بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، لا يقتصر سؤال السلطة على عدد المقاعد التي فاز بها كل حزب أو هوية الحكومة المقبلة. فخلف الخريطة الانتخابية توجد خريطة أخرى ترتبط بما سيشاهده المواطن على الأرض: من يحدد المشاريع التي ستصل إلى مدينته أو إقليمه، ومن يملك الكلمة داخل ورش للتنمية الترابية قدرت كلفته الأولية بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات؟
الهندسة الرسمية للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، ثم النص القانوني المنشور في غشت الماضي، يكشفان أن القرار لا يوجد بالكامل في يد المنتخبين ولا في يد الإدارة.
فالمنظومة توزع إعداد البرامج والمصادقة عليها وتنفيذها ومراقبتها بين مستويات عدة، بما يجعل مجلس الجهة حاضراً بقوة، ويمنح في الوقت نفسه للوالي والعامل ووزارة الداخلية أدواراً حاسمة في مراحل مختلفة.
الرقم الأول الذي يحتاج إلى ضبط هو نفسه: 210 مليارات درهم ليست مبلغاً موضوعاً دفعة واحدة في صندوق جاهز للصرف، بل «تقديرات أولية» للكلفة الإجمالية لتنفيذ البرامج خلال ثماني سنوات، وفق العرض الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام المجلس الوزاري يوم 9 أبريل 2026. ويفترض أن تستهدف البرامج التشغيل والتعليم والصحة والماء والتأهيل الترابي، بعد تشخيصات أُنجزت على مستوى العمالات والأقاليم، وتقول الوثيقة الرسمية إنها بُنيت على مؤشرات اجتماعية واقتصادية وعلى عمليات تشاور مع السكان.
لكن التركيز على الرقم وحده يحجب المسار الذي يسلكه المشروع قبل أن يتحول من حاجة محلية إلى ورش ممول ومنجز.
في المرحلة الأولى، تنص الهندسة المعلنة على إحداث لجنة في كل عمالة أو إقليم يرأسها العامل، وتضم المنتخبين وممثلي المصالح اللاممركزة للدولة.
وتتولى هذه اللجنة إعداد البرامج وتتبع تنفيذ المشاريع والتشاور مع السكان المستهدفين.
أي أن تحديد الحاجيات والمشاريع يبدأ محلياً، لكن الفضاء المؤسساتي الذي يحتضن هذه العملية يرأسه ممثل الإدارة الترابية.
وعندما تنتقل المقترحات إلى المستوى الجهوي، يظهر دور الوالي.
فهو يرأس اللجنة المكلفة بتجميع برامج العمالات والأقاليم التابعة للجهة وضمان انسجام المشاريع بينها.
وبعد ذلك تصعد البرامج إلى المستوى الوطني، حيث تتولى لجنة برئاسة رئيس الحكومة المصادقة عليها وضمان طابعها المندمج وتنسيق التمويل ووضع مؤشرات التتبع والتقييم.
وتعني هذه السلسلة أن المنتخبين يشاركون في الإعداد، لكنهم لا يرأسون الحلقتين المحلية والجهوية اللتين تتشكل داخلهما البرامج وتُجمع وتُرتب في صيغة جهوية واحدة.
غير أن مرحلة التنفيذ تمنح الجهة المنتخبة موقعاً أكثر تأثيراً.
فقد أعلن المجلس الوزاري في أبريل أن الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع ستتحول إلى شركات مساهمة.
وبعد المسار التشريعي، صدر القانون التنظيمي رقم 031.26 المعدل للقانون التنظيمي المتعلق بالجهات، ونشر بالجريدة الرسمية يوم 10 غشت 2026، محدداً قواعد هذه الشركات.
وينص النص النهائي على أن «الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع» تصبح شركة مساهمة، وأن الجهة تملك أغلبية رأسمالها، بينما تعود الحصة المتبقية إلى أشخاص اعتبارية أخرى خاضعة للقانون العام.
كما يمنح مجلس إدارتها صلاحيات واسعة تشمل وضع برنامج العمل، وحصر الميزانية السنوية والتوقعات متعددة السنوات، وإعداد الحسابات السنوية، والمصادقة على القوائم المحاسبية والمالية، ونظام إبرام الصفقات والهيكل التنظيمي.
إلى هنا تبدو الجهة المنتخبة صاحبة وزن أساسي داخل جهاز التنفيذ.
لكن المواد اللاحقة تضيف قيوداً وأدواراً للإدارة المركزية والترابية.
فالمدير العام للشركة الجهوية لا يعينه مجلس الجهة، بل يعين بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.
كما يفرض القانون عرض عدد من مقررات مجلس إدارة الشركة على مصادقة والي الجهة، وفي مقدمتها ميزانية الشركة وبرنامج عملها وبعض الاتفاقيات المتعلقة بتنفيذ البرامج والمشاريع، إضافة إلى النظام المحدد لقواعد وطرق إبرام الصفقات.
وهكذا تجمع الصيغة بين ملكية جهوية أغلبية، ومجلس إدارة يملك اختصاصات واسعة في التدبير، ومدير عام تعينه الداخلية، وقرارات تشغيلية ومالية رئيسية لا تصبح نافذة إلا بعد مصادقة الوالي.
حتى علاقة المدير العام بالمجلس المنتخب تتضمن قيداً مهماً. فالقانون يلزمه بإطلاع مجلس الجهة، خلال دورة مارس، على حصيلة الأنشطة المتعلقة بالمشاريع التي عهدت إليها بها الجهة.
ويستطيع المجلس مناقشة هذه الحصيلة، لكن النص ينص على أن المناقشة تتم «دون اتخاذ مقرر».
ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق اختزال مجلس الجهة في دور شكلي أو القول إن الإدارة الترابية استحوذت على القرار.
فالمحكمة الدستورية توقفت عند هذه الهندسة أثناء فحص القانون التنظيمي 031.26، واعتبرت أن إسناد الاختصاص في المسائل المالية والاختيارات الاستراتيجية الأساسية إلى مجلس الجهة يندرج ضمن تكريس مبدأ التدبير الحر.
كما رأت أن تعيين المدير العام للشركة الجهوية من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية لا ينتقص، في حد ذاته، من الاختصاصات الدستورية للجهة أو من هذا المبدأ.
ويمنح القانون رئيس مجلس الجهة صلاحيات مهمة؛ فهو ينفذ مداولات المجلس وبرنامج التنمية الجهوية والميزانية، فيما يظل المجلس صاحب الاختصاص في التداول بشأن اختيارات أساسية تخص الجهة. ل
كنه يضع بعض المقررات الكبرى داخل منظومة من الرقابة القانونية والإدارية، تجعل العلاقة بين القرار المنتخب والسلطة الترابية أكثر تركيباً من فصل بسيط بين من يقرر ومن ينفذ.
بعبارة أخرى، لا توجد جهة واحدة تمسك بكل الخيوط. فالمنتخبون يملكون الشرعية الانتخابية واختصاصات التداول والبرمجة، بينما تتدخل الإدارة الترابية في التنسيق والمصادقة والمراقبة، وتحتفظ الحكومة بالمصادقة الوطنية وتنسيق التمويل.
ولا تكمن الصعوبة بالضرورة في تعدد الفاعلين، بل في وضوح حدود مسؤولياتهم وقدرة المواطن على معرفة الجهة التي اقترحت المشروع أو رتبته أو عدلته أو وافقت على تمويله، خصوصاً عندما يتأخر الإنجاز أو تسقط أولوية محلية من البرنامج أو تتنافس مناطق عدة على التمويل نفسه.
وفي سياق أوسع يسبق إطلاق هذه البرامج، سجلت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «OECD»، في مراجعتها للسياسة الحضرية بالمغرب المنشورة سنة 2025، أن إصلاحات الجهوية واللامركزية عززت دور السلطات المحلية والجهوية، لكنها أشارت إلى استمرار صعوبات في التنسيق العمودي والقطاعي والأفقي، وإلى أن تعدد المتدخلين يمثل تحدياً يحتاج إلى آليات أوضح لضمان انسجام السياسات.
وتؤكد المنظمة أن الإصلاحات الدستورية والجهوية اتجهت إلى منح الجماعات الترابية مزيداً من الاستقلالية، وإعطاء الجهة موقعاً متقدماً في التنمية الاقتصادية والتخطيط.
لذلك يتمثل التحدي في برامج الـ210 مليارات في جعل التنسيق الإداري وسيلة لإنجاز أسرع وأكثر انسجاماً، من دون أن يؤدي تعدد حلقات القرار إلى تمييع المسؤولية السياسية عن النتائج.
وتتضمن المنظومة الجديدة ضمانات رقابية مهمة. فقد نص القانون على إخضاع العمليات المالية والمحاسبية للشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع لافتحاص سنوي مشترك بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية.
كما أُعلن، ضمن هندسة البرامج، عن آليات للتتبع والتقييم والتواصل بشأن سير المشاريع.
وعاد النقاش إلى الواجهة اليوم الاثنين 28 شتنبر، عندما وضع مقال تحليلي للباحث داريو ساليناس بالاثيوس، المؤسس المشارك لـ«Kartex Risk»، نشرته منصة «Agenda Pública» الإسبانية بعد الانتخابات، مسألة توزيع الاستثمار الترابي ضمن مفاتيح فهم السلطة السياسية في المغرب، مشيراً إلى أن الفوز بالمقاعد لا يعني تلقائياً امتلاك كامل هامش توجيه تنفيذ الاستثمار، بسبب الدور الذي تؤديه الإدارة داخل هذه الهندسة.
لكن قراءة النصوص الرسمية التي دخلت حيز التنفيذ تقدم صورة أدق من هذا الاختزال: المنتخبون ليسوا خارج القرار، والإدارة ليست منفذاً محايداً، بل يتقاطع الطرفان في مراحل مختلفة من دورة المشروع، مع احتفاظ الحكومة بأدوار المصادقة والتنسيق والتمويل.
وهنا تبرز مسألة قد تكون أهم من رقم 210 مليارات نفسه.
فعندما يطالب سكان إقليم بمستشفى أو طريق أو مشروع للماء أو برنامج لخلق فرص الشغل، يمر الطلب داخل منظومة تبدأ بلجنة يرأسها العامل، ثم يجري تجميع البرامج جهوياً تحت رئاسة الوالي، قبل أن تصعد إلى المصادقة الوطنية. وبعد ذلك تدخل مرحلة التنفيذ عبر شركة تملك الجهة أغلبية رأسمالها، لكن مديرها العام تعينه الداخلية وتخضع بعض قراراتها الرئيسية لمصادقة الوالي.
لن يقاس نجاح هذه الهندسة فقط بسرعة صرف الأموال أو بعدد المشاريع التي تحمل لافتات جديدة.
فالاختبار الأهم سيكون في قدرة المواطن على معرفة من اقترح المشروع، ومن رتبه ضمن الأولويات، ومن عدله أو أسقطه، ومن وافق على تمويله، ومن نفذه، ومن يتحمل المسؤولية عند التعثر.
ففي برنامج تقدر كلفته الأولية بـ210 مليارات درهم، يصبح وضوح المسؤوليات جزءاً من التنمية نفسها، لا مجرد تفصيل إداري.
