بقلم: الباز عبدالإله
فتحت بعثة انتخابية تابعة للمنظمة الدولية للفرنكوفونية ملفين من أكثر ملفات النظام الانتخابي المغربي حساسية، بعدما سجلت في بيانها التمهيدي بشأن انتخابات 23 شتنبر 2026 أن طريقة احتساب القاسم الانتخابي انطلاقاً من عدد الناخبين المسجلين، إلى جانب تقسيم الدوائر الانتخابية، «لا يحظيان بالإجماع».
الملاحظة وردت في البيان الرسمي الذي نشرته المنظمة الدولية للفرنكوفونية عقب انتهاء مهمة المراقبة بالمغرب، ولم تأت في سياق التشكيك في نتائج الاقتراع، إذ خلصت البعثة في تقييمها العام إلى أن الانتخابات جرت، بحسب تقديرها، في أجواء هادئة ومنضبطة، ووصفتها بأنها حرة وموثوقة وشفافة ومتوافقة مع الإطار القانوني الجاري به العمل.
لكن خلف هذه الخلاصة العامة، سجلت الوثيقة مجموعة من الملاحظات التي تفتح النقاش حول قواعد المنظومة الانتخابية نفسها، وليس فقط حول ما وقع داخل مكاتب التصويت يوم 23 شتنبر.
وقالت البعثة إن اللقاءات التي أجرتها قبل الاقتراع مع المؤسسات المشرفة على الانتخابات والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني أظهرت أن طريقة احتساب القاسم الانتخابي، القائمة على عدد الناخبين المسجلين، وكذلك تقسيم الدوائر الانتخابية، لا يحظيان بالإجماع.
ولم يحدد البيان الأطراف التي أبدت تحفظاتها أو اعتراضاتها على هذين العنصرين، كما لم يحسم في مدى وجاهة المواقف المختلفة بشأنهما، لكنه أدرجهما ضمن أبرز الملاحظات التي خرجت بها المشاورات السابقة للاقتراع.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية إضافية بالنظر إلى حضور القاسم الانتخابي وطريقة توزيع المقاعد في النقاش السياسي المغربي خلال الاستحقاقات السابقة، فيما يضيف إدراج تقسيم الدوائر بعداً آخر يرتبط بكيفية توزيع التمثيل النيابي بين المجالات الانتخابية المختلفة.
ولم يتوقف البيان عند القاسم الانتخابي والدوائر، بل سجل أيضاً ضعف تسجيل الشباب في اللوائح الانتخابية مقارنة بوزنهم داخل السكان، إلى جانب ما وصفه بالعدد المحدود نسبياً للمرشحين الشباب داخل لوائح الأحزاب السياسية.
ويضع ذلك مشاركة الشباب أمام مفارقة لافتة، إذ تشير البعثة إلى تعديلات قانونية وإجراءات هدفت إلى تعزيز مشاركة النساء والشباب، بما فيها آليات تمويل تحفيزية للأحزاب، مقابل استمرار ضعف حضور الشباب في التسجيل الانتخابي وفي الترشيحات الحزبية وفق الملاحظات التي جمعتها المهمة.
ميدانياً، لم تعتمد البعثة على اللقاءات فقط. فقد زار أعضاؤها 34 مكتب تصويت في الرباط وتمارة والهرهورة والصخيرات والقنيطرة والمهدية والشليحات، كما توصلت بخلاصات «التجمع الجمعوي لملاحظة الانتخابات»، الذي نشر، بدعم من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، 1622 ملاحظاً عبر التراب الوطني.
ومن بين التفاصيل التي سجلتها المهمة داخل مكاتب التصويت أن لوائح الناخبين لم تكن معلقة بصورة منهجية وواضحة أمام جميع المكاتب التي شملتها المعاينة.
وفي المقابل، وجدت البعثة أن التجهيزات والوثائق الانتخابية كانت متوفرة في مجموع المكاتب التي زارتها، وأن الطاقم الانتخابي داخل مكاتب التصويت كان حاضراً وأظهر، إجمالاً، معرفة جيدة بالإجراءات المعمول بها.
غير أنها أضافت ملاحظة أخرى تتعلق بتكوين هذا الطاقم، معتبرة أن قدراته تحتاج إلى مزيد من التعزيز حتى يتمكن بصورة أفضل من استيعاب القواعد المتعلقة بالملاحظة الوطنية والدولية على امتداد العملية الانتخابية.
وسجلت البعثة كذلك حضوراً جيداً للنساء والشباب ضمن العاملين في مكاتب التصويت وبين ممثلي التشكيلات السياسية، إلى جانب وجود شبه منتظم لممثلي الأحزاب السياسية الرئيسية داخل المكاتب التي تمت معاينتها.
وتظهر في البيان أيضاً عبارة لافتة بشأن سير الاقتراع، إذ أفادت البعثة بأن الملاحظين الوطنيين سجلوا «بعض الاختلالات»، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن تلك الاختلالات، وفق تقييمها، لم تكن من الحجم الذي يضع صدقية الاقتراع موضع شك.
ولا يفصل البيان التمهيدي طبيعة هذه الاختلالات أو عددها أو أماكن تسجيلها، وهو ما يجعل التقرير النهائي المرتقب مهماً لمعرفة ما إذا كانت المنظمة ستقدم تفاصيل إضافية بشأن الوقائع التي نقلها إليها الملاحظون الوطنيون.
أما المشاركة، فسجلتها البعثة ضمن ملاحظاتها بوضوح، ووصفت تعبئة الناخبين بأنها ضعيفة بعدما استقرت نسبة المشاركة في 38.02 في المائة.
وفي المقابل، قالت إن التصويت جرى بهدوء في الجزء الأكبر من التراب الوطني، مع حضور وصفته بالمناسب وغير البارز لقوات الأمن، وإن إغلاق المكاتب وعمليات الفرز جرت إجمالاً وفق القواعد الانتخابية.
وتناولت البعثة أيضاً البيئة الإعلامية السابقة للاقتراع، معتبرة أن التشريع المنظم للإعلام السمعي البصري يضمن ولوجاً منصفاً للأحزاب السياسية وتغطية متوازنة للمعلومة خلال الفترة الانتخابية، كما اعتبرت أن المؤسسات الرئيسية المكلفة بتنظيم الانتخابات ومراقبتها وتنظيم الإعلام أظهرت تحكماً في المهام المنوطة بها وتعبئة مستمرة خلال الحملة.
ولا يتضمن البيان التمهيدي المنشور إثباتاً من البعثة لوقائع شراء أصوات، كما لا يقدم تفاصيل عن شكايات محددة بهذا الخصوص، وهو ما يفرض عدم تحميل الوثيقة اتهامات لم تسجلها بنفسها.
بهذا، يجمع البيان التمهيدي بين تقييم إيجابي عام لسير اقتراع 23 شتنبر وفتح نقاش واضح حول بعض قواعد النظام الانتخابي وآليات تدبير يوم التصويت.
فإلى جانب اعتبار الانتخابات حرة وموثوقة وشفافة ومتوافقة مع الإطار القانوني، وضعت البعثة على الطاولة مسألة القاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر، وضعف تسجيل الشباب ومحدودية ترشحهم، وعدم إظهار لوائح الناخبين بشكل منهجي أمام المكاتب، والحاجة إلى تعزيز تكوين الطاقم الانتخابي، فضلاً عن «بعض الاختلالات» التي نقلها الملاحظون الوطنيون.
وتبقى هذه خلاصات تمهيدية في انتظار التقرير النهائي الذي أعلنت المنظمة الدولية للفرنكوفونية أنها ستعده في نهاية المسار الانتخابي، والذي يُنتظر أن يتضمن توصيات بشأن الممارسات الإيجابية والجوانب التي ترى المنظمة أنها تحتاج إلى تعزيز داخل الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات في المغرب.
وستتضح أهمية الملاحظات الواردة في البيان الأولي بصورة أكبر عند صدور ذلك التقرير، خصوصاً لمعرفة ما إذا كانت الملاحظات المتعلقة بالقاسم الانتخابي وتقسيم الدوائر و«الاختلالات» المسجلة ستتحول إلى توصيات محددة تتعلق بقواعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
