دخل التحقيق القضائي الإسباني في أحداث سبتة منعطفاً جديداً، بعدما أدلى غونزالو سانز، الرئيس السابق لديوان مندوب الحكومة الإسبانية بالمدينة، بشهادة أمام القاضية ماريا تاردون قال فيها إنه توجه بنفسه إلى منطقة الطرخال يوم 30 يوليوز، وشاهد ما وصفه بـ«سلبية» عناصر الدرك المغربي أثناء بداية العبور الجماعي واستمراره.
سانز، الذي مثل الخميس فاتح أكتوبر أمام المحكمة الوطنية الإسبانية بصفته شاهداً، أكد، وفق ما نشرته صحيفة «El Español» اليوم الجمعة، أنه انتقل بدراجته النارية إلى شاطئ الطرخال في الساعات الأولى للأحداث، وأن تقييمه لتصرف العناصر المغربية يستند إلى ما قال إنه عاينه شخصياً في الميدان، وليس إلى معلومات منقولة إليه من طرف ثالث.
الشهادة الجديدة لا تحسم قضائياً مسؤولية الدرك المغربي أو السلطات المغربية، لكنها تكتسب أهميتها من صفة صاحبها ومن كونها أدلي بها أمام قاضية تحقق في ملابسات الأحداث، لتضاف إلى تقارير أمنية ووثائق استخباراتية أصبحت جزءاً من ملف تتقاطع داخله أسئلة الحدود والتحذيرات السابقة وسلسلة القيادة والتمويل والتعبئة الرقمية.
سانز فتح أمام القاضية أيضاً ملفاً آخر يتعلق بما كانت تعرفه الإدارة الإسبانية قبل الأحداث. فقد أكد أنه أبلغ رئيسه آنذاك، مندوب الحكومة في سبتة ميغيل أنخيل بيريز تريانو، بتحذير تلقاه من المركز الوطني للاستخبارات الإسباني «CNI» بشأن دعوات إلى محاولة دخول سبتة، وأبدى استعداده لتقديم المعلومات المرتبطة بهذه التنبيهات التي قال إنه لا يزال يحتفظ بها في هاتفه.
هذه النقطة ليست مجرد رواية ظهرت بعد الأحداث، إذ كشفت الوثائق التي رفعت الحكومة الإسبانية السرية عنها أن «CNI» أرسل يوم 29 يوليوز، أي قبل الأزمة بيوم واحد، تحذيراً مبكراً بشأن دعوات منتشرة في شبكات التواصل لتنفيذ محاولات دخول إلى سبتة عبر السياج وعن طريق البحر بالتزامن مع عيد العرش.
الوثائق أظهرت كذلك أن الاستخبارات الإسبانية بعثت مذكرة إلى أجهزة استخبارات مغربية، كما تواصلت مع مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة والحرس المدني. وتضمنت المعطيات الإشارة إلى مجموعات على «فيسبوك» و«واتساب» كانت تتداول الدعوات، بينها مجموعتان بلغ مجموع متابعيهما نحو 180 ألفاً، وفق ما ورد في الوثائق المنشورة.
غير أن الحكومة الإسبانية شددت لاحقاً على أن تلك التحذيرات لم تتوقع «حجم وطبيعة» ما وقع يومي 30 و31 يوليوز، وهو ما أكده أيضاً «CNI»، الذي أقر بأنه رصد الدعوات لكنه لم يستشرف مستوى التعبئة التي حدثت لاحقاً.
هنا تظهر عقدة أخرى داخل الملف الإسباني نفسه. مندوب الحكومة السابق ميغيل أنخيل بيريز تريانو كان قد نفى علمه بتحذير «CNI»، بينما أكد سانز أنه نقل إليه المعطيات، قبل أن يقدم استقالته يوم 11 شتنبر ويتمسك بروايته بشأن إبلاغ رئيسه.
الشهادة أمام القاضية تعيد اليوم هذا التباين من السجال الإداري والسياسي إلى قلب التحقيق القضائي، لأن تحديد من توصل بالتحذير ومتى، وكيف تعاملت مختلف الأجهزة معه، أصبح من بين المسائل التي تريد المحكمة الوطنية إعادة بنائها بالتوقيت والوثائق.
التباين لا يقتصر على مسار الإنذارات السابقة، بل يمتد كذلك إلى تقييم دور الأجهزة المغربية خلال الأحداث.
ففي 2 شتنبر، أعلن المدير العام للشرطة الإسبانية فرانسيسكو باردو أن لا تقرير شرطياً ينسب إلى قوات الأمن المغربية تخطيط أو تنفيذ أحداث 30 و31 يوليوز. وأوضح أن القاضية كانت قد أمرت المحققين بعدم اطلاع رؤسائهم على مضمون التقرير الذي أعد بطلب قضائي، وهو ما قال إنه يفسر عدم علمه بمحتواه في ذلك الوقت.
لكن وكالة «EFE» كشفت في اليوم نفسه مضمون تقرير أعده مركز الهجرة والحدود التابع للشرطة الإسبانية وقدمه إلى القاضية، ووصف ما وقع بأنه دخول «مخطط» وليس «عفوياً»، وتحدث عن أشخاص مرتبطين بقوات الأمن المغربية ضمن المشهد الذي قام التقرير بتحليله. كما وصف الرد الأمني المغربي بأنه اتسم، وفق تقدير معدي التقرير، بدرجة كبيرة من السماح، وسجل وجود عناصر بزي رسمي وأخرى بملابس مدنية في أوضاع اعتبرها متوافقة مع مراقبة ما كان يجري أو التحكم فيه.
الحكومة الإسبانية اختارت حينها الدعوة إلى الحذر، إذ قال وزير العدل فيليكس بولانيوس إن السلطات تدرس التقرير ولن تتبنى استنتاجاً بشأن المغرب قبل الاطلاع على جميع التفاصيل.
شهادة سانز تضيف الآن عنصراً جديداً إلى هذه الصورة، لأنها تأتي من مسؤول سابق يقول إنه كان موجوداً شخصياً بالطرخال وشاهد ما وصفه أمام القاضية بـ«سلبية» الدرك المغربي. لكنها تظل شهادة تخضع، مثل باقي الأدلة، للتقييم القضائي، ولا تعادل في حد ذاتها حكماً بثبوت مسؤولية أي جهة.
القاضية ماريا تاردون وسعت بدورها دائرة التحقيق بشكل لافت. فقد أمرت الأجهزة الشرطية والعسكرية بتقديم جميع التحذيرات وتحليلات المخاطر التي أصدرتها بشأن الأحداث، مع تحديد الجهات التي تسلمتها ووسائل التواصل المستخدمة وتواريخ وساعات إرسالها.
كما طلبت إجراء تحليل بيومتري وتقنيات للتعرف على الوجوه بهدف محاولة تحديد الأشخاص الذين تظهرهم الصور الموجودة في الملف وهم يؤدون، بحسب قرار التحقيق، مهام تنسيق أو توجيه عملياتي في الميدان، وكلفت الشرطة والحرس المدني بإعداد تقرير يحدد هوية العناصر النظامية الظاهرة وانتماءها ورتبها ووظائفها والأفعال التي رُصدت لها.
الهدف المعلن من هذا المسار هو محاولة إعادة بناء سلسلة القيادة العملياتية التي كانت موجودة في منطقة الفنيدق خلال أيام 29 و30 و31 يوليوز، بما يسمح للقضاء بالانتقال من الصور العامة إلى تحديد الأشخاص والوظائف ومسارات إصدار الأوامر، إذا سمحت الأدلة بذلك.
التحقيق وصل كذلك إلى المال. القاضية كلفت وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية التابعة للشرطة الإسبانية «UDEF» والوحدة المركزية العملياتية للحرس المدني «UCO» بإعداد تقرير مالي وممتلكاتي حول التحركات الاقتصادية ذات الصلة المرصودة في المنطقة، في محاولة لتحديد ما إذا كانت التعبئة قد احتاجت إلى تمويل أو تنظيم لوجستي يمكن تتبعه.
المسار الرقمي لا يقل أهمية. المحكمة فتحت جزءاً منفصلاً وسرياً للتحقيق التقني في أصل الدعوات، وطريقة انتشارها وتنسيقها، وإمكانية وجود جهة منظمة خلف التعبئة، وطلبت تعاون منصات وشركات رقمية بينها «ميتا» و«واتساب» و«فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» و«تيليغرام» و«غوغل» و«آبل».
الرباط رفضت، من جانبها، تحويل الاتهامات المتداولة إلى مسؤولية ثابتة على المغرب. وزارة الخارجية المغربية أعلنت يوم 10 شتنبر أن المملكة ترفض استخدامها في الصراعات السياسية الداخلية الإسبانية أو تحويلها إلى «كبش فداء»، وانتقدت ما اعتبرته توظيفاً للملف في التجاذبات السياسية داخل إسبانيا.
هكذا أصبح ملف سبتة أمام القضاء الإسباني محكوماً بعدة مستويات متداخلة: تحذير استخباراتي موثق سبق الأحداث، وخلاف داخل الإدارة الإسبانية حول من علم به، وتقرير شرطي قدم تقييماً حاداً لسلوك عناصر مغربية، ومواقف رسمية إسبانية دعت إلى الحذر، ثم شهادة مسؤول سابق يقول أمام القاضية إنه شاهد بنفسه ما وصفه بـ«سلبية» الدرك المغربي.
المستجد، إذن، ليس صدور حكم ضد المغرب، فذلك لم يحدث، وإنما دخول شهادة ميدانية جديدة إلى ملف قضائي يحاول إعادة بناء ما وقع ومن كان يعلم ومَن تحرك ومَن أصدر الأوامر وكيف انتشرت التعبئة ومَن موّلها إن ثبت وجود تمويل منظم.
وبين الروايات المتباينة والوثائق الأمنية والشهادات المتلاحقة، تبقى المسؤوليات النهائية مسألة أدلة وتحقيق قضائي، لا نتيجة محسومة سلفاً.
