بقلم: الباز عبدالإله
دخل قطاع الفوسفاط المغربي، ابتداء من فاتح أكتوبر 2026، تحت مجهر مشروع بحثي جديد ممول من الاتحاد الأوروبي، يضع برنامج الاستثمار الأخضر لمجموعة OCP في قلب دراسة تمتد لعامين، ولا تتوقف عند الإنتاج والاستثمار، بل تفتح ملفات الطاقة والماء والعمل والآثار الاجتماعية والبيئية المصاحبة لتوسع واحد من أكثر القطاعات استراتيجية في المغرب.
المشروع يحمل اسم «GreenMorPhos»، وعنوانه الكامل «A Greener Future for Moroccan Phosphates? Global Competition, Metabolism, Territory»، وحصل على مساهمة تمويلية أوروبية بقيمة 292,118.88 يورو ضمن برنامج «Marie Skłodowska-Curie Actions»، فيما تتولى جامعة جنيف السويسرية تنسيقه.
وبحسب بطاقة المشروع المنشورة على منصة «CORDIS» التابعة للمفوضية الأوروبية، انطلق البحث رسمياً في فاتح أكتوبر 2026، على أن يستمر إلى 30 شتنبر 2028.
لكن الرقم ليس هو الخبر الحقيقي.
الأهم أن المشروع يضع «برنامج الاستثمار الأخضر» لمجموعة OCP نفسه تحت الدراسة، ويبحث في ما تسميه الوثيقة الأوروبية «مفارقة الاستدامة»: كيف يمكن لقطاع يواصل توسيع قدراته الصناعية وإنتاج الأسمدة أن يخفض، في الوقت نفسه، أثره البيئي واستهلاكه للموارد ويتجه نحو الطاقة المتجددة؟
وسيتحرك الباحثون على ثلاثة مستويات مترابطة.
الأول يتعلق بفهم المنطق الاستراتيجي الذي يقف خلف البرنامج الأخضر لـOCP، وموقع التحولات التي يعرفها الفوسفاط المغربي داخل سوق عالمية شديدة التنافس.
أما الثاني، فيتجه مباشرة إلى تدفقات المواد والطاقة المرتبطة بالصناعة الفوسفاطية وآثارها الاجتماعية والبيئية، بهدف تحديد مساهمات البرنامج الأخضر، ولكن أيضاً ما تصفه وثيقة المشروع نفسها بـ«النقاط العمياء».
ويقترب المحور الثالث أكثر من الأرض، عبر دراسة تحولات أنظمة العمل، وعلاقة النشاط الصناعي بالمناطق والمجتمعات التي تحتضنه، وكيفية تدبير التوترات الاجتماعية التي قد ترافق هذا التحول.
ولا يتعلق الأمر بدراسة مكتبية تكتفي بما تنشره الشركات أو المؤسسات الرسمية.
فالمنهج المعلن يجمع بين الزيارات الميدانية والمقابلات وتحليل الوثائق ونظم المعلومات الجغرافية «GIS» ونمذجة تدفقات المواد والطاقة، في محاولة لتتبع ما يحدث فعلياً على الأرض، وليس فقط ما يظهر داخل العروض الاستثمارية وتقارير الاستدامة.
اختيار OCP موضوعاً مركزياً لهذا البحث لا ينفصل عن حجم التحول الذي تقوده المجموعة.
فالبرنامج الأخضر للفترة 2023-2027 تصل قيمته إلى نحو 130 مليار درهم، ويجمع بين رفع قدرات إنتاج الأسمدة، وتوسيع الطاقات المتجددة، وتحلية مياه البحر، وتطوير الأمونيا والهيدروجين الأخضرين، مع هدف معلن للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول سنة 2040.
كما تستهدف المجموعة رفع قدرة إنتاج حلول تغذية النباتات إلى 20 مليون طن، وتوسيع استعمال المياه غير التقليدية، وبناء منظومة صناعية خضراء تضم نحو 600 مقاولة وتوفر قرابة 25 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر.
وتقدم OCP هذا التحول باعتباره رهاناً مزدوجاً على دعم الأمن الغذائي العالمي وتقليص البصمة الكربونية لصناعتها.
لكن «GreenMorPhos» يطرح السؤال من الجهة الأخرى.
ماذا يحدث عندما يتوسع الإنتاج، ويتوسع معه الطلب على الطاقة والماء والبنيات الصناعية، بينما يُفترض في الوقت نفسه تقليص الأثر البيئي؟
هل يكفي الانتقال إلى الطاقات المتجددة لتغيير نموذج الإنتاج نفسه، أم أنه يقلل فقط من الأثر البيئي لصناعة تواصل التوسع؟
ومن أين ستأتي الموارد اللازمة لهذا التوسع؟
وكيف ستنعكس التحولات الصناعية الجديدة على العمال والمدن والمناطق المرتبطة بالفوسفاط؟
هذه الأسئلة لا تعني أن المشروع أصدر حكماً ضد OCP، ولا أن الاتحاد الأوروبي فتح تحقيقاً في أنشطة المجموعة.
الأمر يتعلق ببحث أكاديمي ممول أوروبياً، هدفه المعلن تحليل ما يحققه البرنامج الأخضر فعلياً، وفي المقابل رصد الجوانب التي قد تبقى خارج الخطاب التقليدي حول «الاستثمار الأخضر».
وهنا تكمن أهمية المشروع بالنسبة إلى المغرب.
الفوسفاط يُناقش عادة بلغة الاحتياطيات والصادرات والأسمدة والمليارات، بينما ينقل هذا البحث النقاش إلى مستوى آخر: كلفة الطاقة، موارد الماء، التحولات الاجتماعية، التشغيل، علاقة الصناعة بالمجال، ثم التوازن الصعب بين توسيع الإنتاج وتقليص أثره البيئي.
المشروع بدأ للتو، ولا توجد إلى حدود اليوم نتائج علمية تسمح بالحكم على نجاح برنامج OCP الأخضر أو فشله.
لكن الثابت أن واحداً من أكبر البرامج الاستثمارية في المغرب أصبح، منذ فاتح أكتوبر 2026، موضوع دراسة أكاديمية ممولة أوروبياً تمتد لعامين، ستبحث ما تحقق فعلاً على الأرض، وما إذا كانت خلف الأرقام الخضراء جوانب لم تصل إليها الإضاءة بعد.
