بقلم: الباز عبدالإله
تتجه مناورات «الأسد الإفريقي 2027» إلى نسخة تتجاوز الصورة التقليدية للتدريبات العسكرية، بعدما كشف الجيش الأمريكي أن التخطيط الجاري بالمغرب يشمل إدماج تكنولوجيات عسكرية ناشئة وإشراك شركات وموردين من قطاع الصناعات الدفاعية داخل سيناريوهات التدريب، بما يسمح باختبار قدرات جديدة إلى جانب الوحدات العسكرية وفي ظروف تحاكي بيئات العمليات الحقيقية.
المعطيات وردت في تقرير رسمي نشره الجيش الأمريكي، الجمعة 2 أكتوبر 2026، عقب اجتماع التخطيط الأولي الذي احتضنته أكادير وجمع مخططين من القوات المسلحة الملكية وقيادة فرقة العمل التابعة للجيش الأمريكي لجنوب أوروبا وإفريقيا «SETAF-AF».
وبحسب المصدر ذاته، يُرتقب أن تجمع نسخة «African Lion 2027» أكثر من 45 دولة عبر مختلف مواقع ومكونات المناورات، فيما يشمل التخطيط ستة مجالات عملياتية رئيسية هي البر والبحر والجو والفضاء والمجال السيبراني والاستخبارات، في توسع واضح لنطاق التمرين مقارنة بالصورة التي ارتبطت لسنوات أساساً بالتدريبات البرية والرماية والعمليات الجوية.
ويضع البرنامج الزمني الذي كشفه الجيش الأمريكي اجتماع التخطيط الرئيسي في دجنبر 2026، يليه الاجتماع النهائي في فبراير 2027، على أن يبدأ تنفيذ المناورات ابتداءً من 19 أبريل 2027.
غير أن الرقم المتعلق بعدد الدول ليس أكثر ما يلفت الانتباه في الوثيقة الأمريكية.
العنصر الأبرز يكمن في الموقع الذي أصبحت تحتله التكنولوجيا والصناعة الدفاعية داخل التخطيط نفسه.
فالجيش الأمريكي أوضح أن المخططين ناقشوا عدة طرق لإدماج تكنولوجيات جديدة داخل سيناريوهات التدريب، وأن من بين الأهداف المطروحة تنفيذ عمليات تجريبية باستعمال معدات وقدرات ناشئة، مع إدماج شركاء من القطاع الصناعي في تصميم بعض التمارين.
ويبرز في هذا السياق تمرين القيادة الميدانية المعروف اختصاراً بـ«CFX»، الذي يُرتقب أن يشكل أحد المكونات المهمة للمناورات.
ووفق الجيش الأمريكي، صُمم هذا التمرين بطريقة تسمح بإشراك الشركات والموردين داخل بيئة التدريب، حتى تُختبر التكنولوجيا الجديدة إلى جانب الوحدات العسكرية وفي سيناريوهات أقرب إلى ظروف العمليات الفعلية.
هذا التوجه لا يبدأ مع نسخة 2027.
فالأسد الإفريقي 2026 تحول بالفعل إلى فضاء لاختبار معدات وتقنيات حديثة بالمغرب، بعدما أعلن الجيش الأمريكي، قبل انطلاق تلك النسخة، أن أكثر من 40 مورداً تكنولوجياً أمريكياً سيشاركون في تجريب قدرات عسكرية ناشئة خلال المناورات.
وخلال التدريبات المنجزة فعلياً في المغرب سنة 2026، جرى اختبار أنظمة ذاتية التشغيل، ومنصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات لمواجهة الطائرات دون طيار، وقدرات متقدمة مرتبطة بالاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، إلى جانب أدوات أخرى موجهة لبيئات القتال الحديثة، وفق معطيات رسمية نشرها الجيش الأمريكي.
وتعطي هذه الخلفية وزناً أكبر لما يجري التحضير له في 2027، لأن الأمر لم يعد يتعلق بفكرة نظرية داخل اجتماعات التخطيط، بل باستمرار مسار بدأ فعلياً على الأرض ويتجه نحو توسيع مساحة التجريب ومنح الشركات الصناعية حضوراً أكبر في تصميم وتنفيذ سيناريوهات التدريب.
والخيط الأكثر أهمية يظهر خارج وثيقة 2 أكتوبر نفسها.
ففي غشت 2026، نشر الجيش الأمريكي معطيات بشأن «مركز التدريب والتجريب متعدد المجالات في إفريقيا» المعروف اختصاراً بـ«AMTEC» في طانطان، وهو مركز تقول المعطيات الأمريكية إنه مخصص لتوسيع قدرات التدريب والتجريب واختبار التكنولوجيات الناشئة لدى القوات الأمريكية والمغربية.
وهنا يصبح الربط بين «الأسد الإفريقي 2026»، ومشروع AMTEC بطانطان، ثم التخطيط لنسخة 2027، مهماً لفهم الاتجاه العام.
فالمغرب لا يظهر فقط باعتباره بلداً يستضيف تمريناً عسكرياً سنوياً ضخماً، بل باعتباره بيئة يجري توسيع استخدامها لاختبار قدرات وتكنولوجيات عسكرية في ظروف ميدانية.
الوثيقة الأمريكية الخاصة بنسخة 2027 تكشف كذلك أن المخططين ناقشوا سلسلة واسعة من الأنشطة المحتملة، تشمل مناورات للأسلحة المشتركة، ورمايات بالذخيرة الحية، وعمليات بحرية وجوية، إلى جانب تدريبات للقوات الخاصة في منطقة رأس درعة.
كما دخل ضمن النقاش احتمال تنظيم تدريب في أكادير يتعلق بالتعامل مع مخاطر أسلحة الدمار الشامل، إضافة إلى مشاريع للمساعدة الإنسانية والمدنية بمناطق مختلفة.
ويحتاج هذا الجزء إلى قراءة دقيقة، لأن الجيش الأمريكي يؤكد أن هذه الأنشطة لا تزال قيد الدراسة ضمن مرحلة التخطيط، ولم تتحول جميعها بعد إلى برنامج نهائي معتمد للمناورات.
وإلى جانب الجانب الميداني، يجري إعداد برنامج أكاديمي يشمل التخطيط للعمليات المشتركة، والعمليات الاستخباراتية، والأمن السيبراني، والحرب الإلكترونية، وتطوير مهارات ضباط الصف، بما يعكس انتقال «الأسد الإفريقي» تدريجياً من تمرين عسكري تقليدي إلى منصة متعددة المجالات تجمع التدريب العملياتي والتجريب التكنولوجي وتبادل الخبرات.
وتبرز أهمية المغرب أيضاً في استعمال ميادين تدريب على أراضيه لاختبار قدرات موجهة لساحات القتال الحديثة، وهو مسار ظهر فعلياً خلال نسخة 2026 ويتجه مخطط 2027 إلى مواصلته وتوسيعه.
الجيش الأمريكي سبق أن شرح أن منطق التجريب يقوم على ربط الوحدات العسكرية مباشرة بالمطورين والمهندسين والشركات، ثم استخدام التمارين لاختبار ما إذا كانت الحلول التكنولوجية الجديدة تعمل فعلياً في بيئة عمليات واقعية.
كما أشارت وثائق عسكرية أمريكية سابقة إلى أن طبيعة ميادين التدريب المغربية توفر شروطاً تعتبرها واشنطن مناسبة لمثل هذه التجارب، من بينها اتساع فضاءات التدريب، والمجال الجوي المتاح، وإمكانية إجراء اختبارات مرتبطة بالطيف الكهرومغناطيسي.
وهنا ينتقل السؤال من حجم المناورة وعدد الجنود والطائرات والمدرعات المشاركة إلى سؤال أكثر حساسية: هل يتحول «الأسد الإفريقي» بالمغرب، ومعه فضاءات مثل AMTEC بطانطان، إلى بنية أوسع لاختبار التكنولوجيا العسكرية الأمريكية الجديدة في إفريقيا؟
وتظهر المعطيات المنشورة حتى الآن أن التخطيط يسير نحو توسيع البعد التكنولوجي للمناورات، وأن «African Lion 2027» يُراد له أن يشتغل عبر ستة مجالات عملياتية، ويجمع أكثر من 45 دولة في مجمل أنشطته، ويمنح التكنولوجيا والصناعة الدفاعية موقعاً واضحاً داخل قلب التمرين.
أما أسماء الشركات التي ستدخل فعلياً إلى أرض التدريب المغربية، ونوعية الأنظمة التي ستخضع للاختبار، وما إذا كان مركز طانطان سيأخذ دوراً أكبر في هذه التجارب، فهي التفاصيل التي ستكشف ما إذا كان المغرب يتجه من مجرد استضافة أكبر تمرين عسكري أمريكي سنوي في إفريقيا إلى احتضان منصة أكثر انتظاماً للتدريب والتجريب العسكري متعدد المجالات.
