بقلم: الباز عبدالإله
انتقلت معركة تشكيل الحكومة، اليوم السبت 3 أكتوبر 2026، من مرحلة التكهنات حول مصير التجمع الوطني للأحرار إلى معادلة سياسية وحسابية أكثر وضوحاً، بعدما أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري أمام المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة أن موقفها من استمرار التحالف مع الحزب الذي قاد الحكومة السابقة كان واضحاً حتى قبل انعقاد الدورة، بقولها: «لا حكومة مع الأحرار».
بهذا الموقف، لم يعد السؤال فقط ما إذا كان التجمع الوطني للأحرار سيشارك في الحكومة المقبلة، بل كيف ستتمكن المنصوري من بناء أغلبية برلمانية تنطلق من 97 مقعداً يملكها حزب الأصالة والمعاصرة وتصل إلى عتبة 198 مقعداً، وهي الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب المكون من 395 عضواً.
وجاء موقف المنصوري في يوم سياسي كثيف، تزامن مع انعقاد المجالس الوطنية لعدد من الأحزاب، بينما انتهى المجلس الوطني لـ«البام» إلى تفويض رئيسة الحكومة تدبير المفاوضات المتعلقة بتشكيل الأغلبية المقبلة.
رفض مشاركة الأحرار لم يكن موقفاً معزولاً داخل «برلمان البام»، إذ تعالت خلال الاجتماع أصوات رافضة لإعادة إنتاج التحالف الذي قاد الولاية الحكومية السابقة، قبل أن تحسم المنصوري موقفها علناً وتؤكد رفضها إعادة التحالف مع الحزب الذي حصل على المرتبة الثانية في انتخابات 23 شتنبر.
وفي الجهة المقابلة، كان التجمع الوطني للأحرار قد تحرك في اتجاه المشاركة، بعدما أعلن استعداده للانخراط في الحكومة المقبلة مع إحالة القرار النهائي على مجلسه الوطني، قبل أن يضع موقف المنصوري هذا الاستعداد أمام واقع سياسي جديد.
لكن التطور الآخر الذي أعاد ترتيب حسابات الأغلبية جاء من حزب الاستقلال، الشريك أصلاً في الحكومة المنتهية ولايتها إلى جانب البام والأحرار.
فالمجلس الوطني لحزب الاستقلال، المنعقد بدوره في دورة استثنائية السبت، منح أمينه العام نزار بركة الضوء الأخضر لمواصلة المشاورات المتعلقة بالمشاركة في الحكومة المقبلة، بعدما اتجهت غالبية المداخلات، بحسب المعطيات المنشورة، إلى دعم استمرار الحزب في موقع المسؤولية الحكومية.
وربط مؤيدو هذا الخيار المشاركة بإمكانية ترجمة البرنامج الانتخابي للحزب من داخل الجهاز التنفيذي، خصوصاً في ملفات القدرة الشرائية والشباب والعالم القروي وتقليص الفوارق المجالية، فيما منح المجلس الوطني بركة هامشاً لمواصلة التفاوض بشأن شروط المشاركة وتركيبة الأغلبية.
وبذلك لم يعد الاستقلال مجرد اسم داخل سيناريو حسابي افتراضي، بل حزباً تتجه مؤسساته نحو استمرار المشاركة الحكومية، في انتظار ما ستنتهي إليه المفاوضات النهائية مع المنصوري.
وهنا تبدأ الحسابات الحقيقية للأغلبية.
فالنتائج النهائية الرسمية لانتخابات 23 شتنبر منحت حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار 66، والاستقلال 65، والعدالة والتنمية 54، والحركة الشعبية 29، والاتحاد الاشتراكي 26، والتقدم والاشتراكية 19، والاتحاد الدستوري 17، والحركة الديمقراطية الاجتماعية 8 مقاعد، وتحالف اليسار 8 مقاعد، إلى جانب تمثيلية أصغر لأحزاب أخرى.
وباستبعاد 66 مقعداً للأحرار وفق الموقف المعلن للمنصوري، تحتاج رئيسة الحكومة في البداية إلى 101 مقعد إضافي فوق رصيد حزبها للوصول إلى عتبة 198.
لكن اتجاه الاستقلال نحو استمرار المشاركة يغير نقطة الانطلاق بالكامل.
فإذا انتهت المشاورات إلى تثبيت حزب الميزان داخل الأغلبية الجديدة، فإن جمع مقاعده الـ65 مع مقاعد البام الـ97 يرفع الرصيد مباشرة إلى 162 مقعداً.
عندها لا تعود المنصوري في حاجة إلى البحث عن 101 مقعد، بل عن 36 مقعداً فقط لاستكمال الأغلبية المطلقة.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة: من سيمنح البام والاستقلال هذه المقاعد الـ36؟
الحركة الشعبية، صاحبة 29 مقعداً، تبدو رقماً أساسياً في الحسابات، غير أن إضافتها إلى البام والاستقلال ترفع المجموع إلى 191 مقعداً فقط، أي أقل بسبعة مقاعد من عتبة الأغلبية المطلقة.
وعند هذه النقطة تتحول الأحزاب الأصغر إلى أرقام حاسمة.
إضافة الحركة الديمقراطية الاجتماعية، صاحبة 8 مقاعد، إلى البام والاستقلال والحركة الشعبية ترفع المجموع إلى 199 مقعداً، أي بفارق مقعد واحد فقط فوق الحد الأدنى المطلوب.
أما إذا انضم الاتحاد الدستوري، صاحب 17 مقعداً، إلى البام والاستقلال والحركة الشعبية، فإن الرصيد يرتفع إلى 208 مقاعد، ما يمنح هذه التركيبة هامشاً عددياً أوسع.
وهناك معادلة أخرى تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي.
الأحزاب الثلاثة تملك مجتمعة 188 مقعداً، ما يعني أنها تحتاج بدورها إلى شريك رابع.
إضافة الاتحاد الدستوري ترفع هذا السيناريو إلى 205 مقاعد، بينما إضافة التقدم والاشتراكية ترفعه إلى 207 مقاعد.
وتبرز بين الأرقام تركيبة تصل إلى الأغلبية المطلقة بالضبط: 97 مقعداً للبام، و65 للاستقلال، و19 للتقدم والاشتراكية، و17 للاتحاد الدستوري.
المجموع: 198 مقعداً تماماً.
لا مقعد واحد فوق الحد الأدنى.
غير أن هذه السيناريوهات تبقى حسابات برلمانية وليست اتفاقات سياسية محسومة، لأن توفر العدد لا يعني تلقائياً الاتفاق حول البرنامج وشروط المشاركة وتوزيع المسؤوليات داخل الحكومة.
لكن الأرقام تكشف بوضوح الوزن الذي بات يمثله الاستقلال داخل هندسة الأغلبية الجديدة.
فمقاعده الـ65 لا تمنح البام الأغلبية بمفردها، لكنها تختصر بصورة كبيرة عدد المقاعد والشركاء الذين تحتاجهم المنصوري للوصول إلى 198.
وتظهر أهمية ذلك أكثر إذا أُخرج الاستقلال من الحسابات إلى جانب الأحرار.
فجمع مقاعد البام الـ97 مع الحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17، والحركة الديمقراطية الاجتماعية بـ8 مقاعد، يعطي 196 مقعداً فقط.
أي أن البام، حتى إذا جمع حوله هذه الأحزاب الخمسة كلها، لن يصل إلى عتبة 198، وسيظل محتاجاً إلى مقاعد إضافية من الأحزاب الأصغر الممثلة في مجلس النواب.
أما حزب العدالة والتنمية، صاحب 54 مقعداً، فقد اختار موقع المعارضة، ما يخرج كتلة برلمانية كبيرة أخرى من الحسابات الحكومية وفق الموقف الذي أعلنه الحزب.
وبذلك تتضح المسافة بين التحالف السابق والمعادلة الجديدة.
فالتحالف الثلاثي الذي جمع البام والأحرار والاستقلال كان، من زاوية الأرقام وحدها، الطريق الأقصر إلى الأغلبية: 97 مقعداً للبام، و66 للأحرار، و65 للاستقلال، أي 228 مقعداً، بفارق 30 مقعداً فوق الأغلبية المطلقة.
لكن إعلان المنصوري «لا حكومة مع الأحرار» يعني التخلي عن هذا الطريق، بينما يتحرك الاستقلال في الاتجاه المقابل نحو استمرار مشاركته في التدبير الحكومي.
وبذلك تتشكل أمام المنصوري معادلة أكثر وضوحاً: البام يبدأ بـ97 مقعداً، والاستقلال يضيف 65 إذا انتهت المفاوضات إلى تثبيت مشاركته، ليصل الطرفان إلى 162 مقعداً، ويبقى البحث عن 36 مقعداً على الأقل.
لكن الآلة الحاسبة وحدها لا تشكل الحكومات.
فالـ198 مقعداً تحدد الحد الأدنى للأغلبية البرلمانية، فيما ستحدد المفاوضات السياسية هوية الشريك أو الشركاء الآخرين، وطبيعة البرنامج الحكومي، وشروط المشاركة وتوزيع المسؤوليات داخل الائتلاف المقبل.
وبعد تطورات السبت، لم يعد السؤال فقط من خرج من التحالف السابق، بل من سيدخل إلى الأغلبية الجديدة: إذا كان الأحرار خارج الحسابات، والاستقلال يتجه نحو استمرار مشاركته، فمن سيمنح البام والاستقلال الـ36 مقعداً المتبقية للانتقال من 162 إلى 198؟
