بقلم: الباز عبدالإله
أعادت تغطيات صحفية مغربية وضع حصيلة حكومة عزيز أخنوش في واجهة النقاش، بعدما ربطت تحسن مؤشر «نجاعة الحكومة» بالولاية الحكومية السابقة، غير أن الرجوع إلى الوثائق الأصلية لمؤشرات الحكامة العالمية التابعة للبنك الدولي يكشف حدوداً أساسية لهذا الربط، فالمؤسسة نفسها تنبه إلى أن هذه المؤشرات لا تشكل تقييماً رسمياً منها لجودة الحكامة في بلد معين، ولا حكماً نهائياً على أداء حكومة بعينها.
موقع «زنقة 20» اختار عنوان «البنك الدولي يسجل نجاعة حكومة أخنوش خلال خمس سنوات»، بينما وضع «العمق المغربي» عبارة «خلال ولاية أخنوش» في مقدمة عنوانه، وتداولت التغطيات انتقال درجة المغرب في مؤشر نجاعة الحكومة من 51.72 سنة 2020 إلى 55.96 سنة 2025، أي بزيادة حسابية قدرها 4.24 نقاط على المقياس المعتمد من 0 إلى 100.
غير أن هذه الأرقام لا يصح تحويلها تلقائياً إلى شهادة نجاح سياسي لرئيس الحكومة، لأن البنك الدولي يوضح في تنبيه استخدام مؤشرات الحكامة العالمية أن هذه المؤشرات منتج بحثي أعده موظفوه بمساهمات خارجية، وأن نتائجها وتفسيراتها لا تعبر بالضرورة عن مواقف المؤسسة أو مجلس مديريها التنفيذيين أو الحكومات التي يمثلونها.
التحفظ ليس بياناً جديداً موجهاً إلى حكومة أخنوش، وإنما قاعدة منهجية عامة منشورة ضمن وثائق المشروع، وتكتسب أهميتها حين يجري تحويل نتيجة تقنية إلى عنوان سياسي يوحي بأن البنك الدولي أصدر حكماً مباشراً على حصيلة الحكومة المغربية.
المؤسسة تحدد أيضاً طبيعة المادة التي تقف وراء المؤشرات، إذ تجمع بيانات قائمة أساساً على التصورات من 35 مصدراً مختلفاً، بينها 14 مصدراً لاستطلاعات الأسر والمقاولات و21 مصدراً لتقييمات الخبراء، ما يعني أن الأمر يتعلق بتقديرات مركبة للحكامة، وليس بافتحاص مباشر لبرنامج حكومي أو تدقيق في القرارات والإنجازات المنسوبة إلى رئيس حكومة محدد.
مؤشر «نجاعة الحكومة» يرصد، ضمن منهجيته، تصورات مرتبطة بجودة الخدمات العمومية، وجودة الإدارة واستقلالها عن الضغوط السياسية، وصياغة السياسات وتنفيذها، ومدى مصداقية التزام الحكومة بها، وهي مجالات مهمة في قياس الحكامة، لكنها لا تقدم بمفردها جواباً عن مقدار مساهمة حكومة بعينها في التغير المسجل.
الفارق هنا جوهري، لأن ملاحظة تحسن المؤشر خلال فترة زمنية شيء، وإثبات أن حكومة أخنوش هي التي أنتجت هذا التحسن وحدها شيء آخر يحتاج إلى أدلة إضافية تربط بين السياسات المنفذة والنتيجة المسجلة.
الفترة التي جرت مقارنتها تبدأ سنة 2020، بينما بدأت حكومة عزيز أخنوش ولايتها في أكتوبر 2021، ما يعني أن خط الأساس يسبق وصولها إلى رئاسة الحكومة، وحتى إذا كانت غالبية سنوات الفترة تقع داخل ولايتها، فإن التزامن الزمني وحده لا يكفي لإثبات العلاقة السببية.
وتزداد المسألة دقة لأن قيمة سنة 2020 الواردة في السلسلة الحالية ليست مجرد رقم تاريخي جامد بالضرورة كما كان يعرض وقتها، فالبنك الدولي أدخل تحديثات منهجية على مؤشرات الحكامة، واعتمد عرضاً مطلقاً على مقياس من 0 إلى 100، كما أعاد احتساب السلسلة التاريخية لضمان قابلية المقارنة عبر الزمن.
هذا يعني أن المقارنة بين 51.72 في 2020 و55.96 في 2025 تصلح داخل السلسلة المحدثة نفسها، لكنها لا ينبغي أن تقدم كأنها «عداد سياسي» ثابت بدأ عند رقم معين فور انطلاق حكومة أخنوش ثم انتهى إلى رقم آخر عند نهاية ولايتها.
الوثائق المنهجية تضيف شرطاً أكثر حساسية قبل الاحتفاء بفارق 4.24 نقاط، إذ ترافق تقديرات الحكامة هوامش خطأ وفواصل ثقة، وينبه البنك الدولي إلى ضرورة أخذها في الاعتبار عند مقارنة البلد بنفسه عبر الزمن.
وفق قاعدة القراءة التي يعرضها المشروع، فإن تداخل فواصل الثقة بين تقديرين يستوجب الحذر من تفسير الفارق بينهما باعتباره تغيراً ذا دلالة، ما يجعل إعلان زيادة عددية مجردة غير كاف وحده للحسم في قوة التحسن أو أهميته الإحصائية.
هذا لا يسمح، من دون استخراج فواصل الثقة الخاصة بالمغرب ومقارنتها، بالجزم بأن الفارق بين 2020 و2025 غير دال، لكنه يمنع في المقابل تقديم 4.24 نقاط باعتبارها برهاناً نهائياً ومحسوماً على نجاح حكومي.
البنك الدولي يوضح كذلك أن تغير النتائج عبر الزمن قد يعكس تحولات فعلية في التصورات والوقائع، لكنه قد يتأثر أيضاً بتغير البيانات الأصلية، أو إضافة مصادر وحذف أخرى، أو تغير المعلومات المتاحة للمستجوبين والخبراء.
المؤسسة تنبه أيضاً إلى أن التصورات قد تتأخر عن الإصلاحات الفعلية، ما يعني أن أي قراءة جدية يفترض أن تبحث فيما تغير فعلياً داخل مصادر البيانات وفي البيئة المؤسساتية، قبل تحويل ارتفاع المؤشر إلى مكسب سياسي جاهز.
القراءة تصبح أكثر حذراً حين نتذكر أن مؤشرات الحكامة العالمية تضم ستة أبعاد مستقلة هي التعبير والمساءلة، والاستقرار السياسي وغياب العنف، ونجاعة الحكومة، وجودة التنظيم، وسيادة القانون، ومراقبة الفساد.
البنك الدولي لا يجمع هذه الأبعاد في علامة واحدة تعلن نجاح حكامة بلد أو فشلها، ولذلك فإن تحسن «نجاعة الحكومة» لا يمثل في حد ذاته حكماً شاملاً على وضع الحكامة في المغرب، ولا على حصيلة الحكومة في مختلف المجالات.
الإنصاف يقتضي أيضاً الإشارة إلى أن بعض التغطيات الصحفية نقلت جانباً من هذه الحدود داخل متونها، فـ«العمق» أوضح أن مؤشرات الحكامة ليست تقييماً نهائياً أو شاملاً لأداء حكومة بعينها، كما أشارت تغطيات أخرى إلى أن المؤشر لا يقدم حكماً منفرداً على حصيلة حكومة محددة.
النقاش هنا لا يتعلق إذن باتهام جميع المنابر بإخفاء المنهجية، وإنما بالفارق بين التحفظات التي توضع داخل المتن، وبين القوة السياسية التي يمنحها العنوان للرقم عندما يقدم باعتباره تسجيلاً دولياً لـ«نجاعة حكومة أخنوش».
السؤال الصحفي يصبح أكثر وضوحاً، هل جرى التعامل مع المؤشر باعتباره أداة بحثية لها شروط وحدود وهوامش لعدم اليقين، أم جرى اختزاله في عنوان سياسي يمنح القارئ انطباعاً بأن البنك الدولي أصدر تزكية مباشرة للحكومة؟
تحسن الدرجة من 51.72 إلى 55.96 يستحق النشر والتحقق والتفسير، ولا مبرر لإنكار الرقم أو التقليل منه، لكن الدقة نفسها تفرض الفصل بين ما تقوله البيانات فعلاً وما يضاف إليها في العنوان والاستنتاج.
تُظهر بيانات مؤشرات الحكامة العالمية التابعة للبنك الدولي تغيراً في تقدير مركب لنجاعة الحكومة داخل السلسلة البحثية، لكنها لا تقدم هذا التغير باعتباره شهادة نجاح لحكومة عزيز أخنوش، ولا تثبت أن الزيادة نتجت عن سياساتها وحدها، ولا تحول المؤشر إلى تقييم شامل لحصيلتها.
وهنا تحديداً تبدأ وظيفة الصحافة، ليس فقط في نقل الرقم، بل في مساءلة المعنى الذي يوضع فوقه.
